تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة كميزة تنافسية؟

أنس ضمرة

في النقاش حول تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن، يتركز جزء كبير من الاهتمام على التشريع، ونسبة الـ4%، وآليات الرقابة، والمخالفات بحق المنشآت غير الملتزمة. وهذه أدوات أساسية لضمان الحقوق، لكن الاعتماد عليها وحدها لا يبدو كافيًا لضمان الالتزام الفعلي وتوسيع فرص الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.

هذا المقال هو الثالث ضمن سلسلة أكتبها حول تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن. تناول المقال الأول الطريق الذي يسبق الوصول إلى سوق العمل، والثاني كلفة تهيئة أماكن العمل ومن يتحمل مسؤوليتها. ويأتي هذا المقال بعد تصريح وزير العمل الأخير حول رفع مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، للبحث في أدوات أخرى تملكها الدولة، إلى جانب القانون والرقابة، لدفع الشركات نحو الالتزام والتشغيل.

إلى جانب دورها في التشريع والرقابة وإنفاذ القانون، تملك الحكومة أدوات أخرى يمكن أن تؤثر من خلالها في سلوك الشركات وقواعد المنافسة في السوق. فهي مشترٍ كبير، ومنظم للسوق، وتملك برامج وأدوات اقتصادية يمكن استخدامها لتوجيه سلوك الشركات. واستخدام هذه الأدوات إلى جانب القانون والرقابة يمكن أن يساهم في خلق بيئة يصبح فيها الالتزام بتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة مصلحة للشركة، لا مجرد التزام قانوني تحاول تجنبه.

 

المشتريات الحكومية كأداة للدمج 

الحكومة تطرح سنويًا عددًا كبيرًا من العطاءات والخدمات التي تتنافس عليها الشركات، ويمكن أن يكون الأداء في مجال تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة وتهيئة بيئة العمل أحد المعايير التي تدخل في تقييم العروض، إلى جانب السعر والجودة والخبرة، وفق أسس واضحة وقابلة للقياس. لتحصل الشركات التي لديها سياسات واضحة للتوظيف والاحتفاظ بالموظفين ذوي الإعاقة، وتهيئة بيئة العمل، وتوفير التيسيرات المعقولة، على وزن ضمن معايير التقييم.

وهذا لا يعني منح عقد حكومي لشركة غير مؤهلة لمجرد أنها توظف أشخاصًا ذوي إعاقة، ولا يعني تحويل الدمج إلى معيار شكلي يمكن استيفاؤه على الورق. المقصود أن يصبح الأداء في مجال الدمج جزءًا من تقييم العرض، إلى جانب الكفاءة والسعر والجودة.

وهذا الاتجاه ليس جديدًا عالميًا. فدول مختلفة تستخدم مفهوم "القيمة الاجتماعية" في المشتريات الحكومية لإدخال اعتبارات اجتماعية وحقوقية وبيئية ضمن عملية التعاقد، كما فعلت بريطانيا في قانون القيمة الاجتماعية للخدمات العامة الصادر عام 2012. فالدولة تنفق المال العام لشراء خدمات وتنفيذ مشاريع، ومن الطبيعي أن يكون لهذا الإنفاق أثر يتجاوز تنفيذ الخدمة نفسها، ويشمل القيمة التي يضيفها إلى المجتمع والاقتصاد.

ويمكن تطبيق الفكرة نفسها ضمن البرامج الحكومية التي تستهدف دعم الشركات والصناعة والتصدير. فمن الممكن إدخال مؤشرات الدمج ضمن بعض برامج الدعم أو الاعتماد أو الترويج التي تستفيد منها الشركات، بحيث تحصل المؤسسة التي تحقق معايير واضحة في تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة على مزايا إضافية ضمن البرامج التي تستفيد منها أصلًا.

لا يعني ذلك بالضرورة وضع شروط تعجيزية أمام الشركات، أو ربط رخصة التصدير مباشرة بنسبة توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما استخدام الأدوات الاقتصادية الموجودة أصلًا لتوجيه سلوك السوق بصورة أكثر فاعلية. ويمكن، ضمن هذا الإطار، التفكير مستقبلًا في ربط بعض أشكال الدعم أو الاعتماد أو المزايا الاقتصادية بمعايير واضحة للالتزام والتشغيل.

 

أدوات أخرى لتغيير سلوك الشركات

 

اما بالنسبة للشركات المدرجة في سوق عمان المالي، هناك أداة أخرى يمكن تطويرها، وهي الإفصاح. ويمكن أن يصبح تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة وتهيئة بيئة العمل جزءًا أكثر وضوحًا من الإفصاحات المتعلقة بالاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، بما يشمل عدد الموظفين ذوي الإعاقة، واستمرارهم في العمل، وتنوع الوظائف التي يشغلونها، ومدى وصولهم إلى الوظائف المهنية والإدارية، والتطور الذي يحققونه داخل المؤسسة.

فمجرد ارتفاع عدد الموظفين لا يعني بالضرورة أن المؤسسة أصبحت أكثر دمجًا. قد يرتفع العدد بينما تظل فرص الأشخاص ذوي الإعاقة محصورة في عدد محدود من الوظائف، من دون مسار مهني أو فرص حقيقية للتطور والترقي. والإفصاح لا يعني فرض عقوبة تلقائية على الشركة التي لا تحقق نسبة معينة، لكنه يجعل أداء الشركات مرئيًا وقابلًا للمقارنة، ويخلق مساحة أكبر للمساءلة.

كما يمكن للحكومة تطوير تصنيف وطني واضح لـ"المؤسسة الدامجة"، يستند إلى مؤشرات فعلية وقابلة للقياس، لا إلى شهادة رمزية تُمنح لمجرد مشاركة الشركة في نشاط أو دعم فعالية. وينبغي أن يقيس هذا التصنيف أبعادًا مثل تنوع الوظائف، واستمرار الموظفين وتطورهم المهني، ووصولهم إلى مواقع المسؤولية. كما يمكن أن يشمل وجود سياسات تمنع التمييز، ومدى إتاحة البيئة المادية والرقمية، وقدرة المؤسسة على توفير التيسيرات المعقولة عند الحاجة.

ويمكن ربط هذا التصنيف بجوائز وطنية للتميز، أو بقوائم رسمية لأفضل المؤسسات في هذا المجال، أو بفرص أكبر للظهور ضمن برامج الترويج والاستثمار.

 

الحافز لا يُلغي الالتزام بالقانون

في الأردن، التحدي الحالي ليس الوصول إلى مرحلة يكون فيها تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة خيارًا استراتيجيًا للشركات فقط، وإنما الوصول أولًا إلى الالتزام الفعلي بما يفرضه القانون، ومن ضمنه نسبة الـ4%، وتطبيق عدم التمييز، وإتاحة بيئة العمل، وتوفير التيسيرات المعقولة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه الأدوات باعتبارها بديلًا عن العقوبة أو الرقابة، وإنما كجزء من منظومة أوسع تساعد على الوصول إلى الالتزام.

فالشركة التي لا تلتزم بالقانون يجب أن تخضع للرقابة والمساءلة، أما الشركة التي تلتزم وتحقق أداءً أفضل في الدمج فيمكن أن تستفيد أيضًا من أدوات الدولة الاقتصادية والتنظيمية. بهذا المعنى، لا تكون المسألة مجرد "عقوبة مقابل مخالفة"، بل إعادة تشكيل للبيئة التي تعمل فيها الشركات، بحيث يصبح الالتزام بالقانون جزءًا من طريقة عمل السوق، لا مجرد التزام تحاول بعض الشركات تجنبه.

وإذا أردنا فعلًا أن نرفع مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، فعلينا أن نتعامل مع الملف باعتباره مسؤولية تتجاوز وزارة العمل، وأن نستخدم أدوات الدولة الاقتصادية والتنظيمية إلى جانب التشريع والرقابة. 

 

أنس ضمرة: متخصص في الإعلام والتأثير والبحث في قضايا الإعاقة.