الضفة الغربية تتصدر مقالات الرأي في الأردن وسط تحذيرات من التهجير والضم

حظي مستقبل الضفة الغربية ومسار التصعيد الإسرائيلي فيها بمساحة واسعة في مقالات الرأي المنشورة في الصحافة الأردنية، الأحد، مع تركيز على مخاطر الضم والاستيطان والتهجير، وانعكاسات التطورات في الضفة والقدس على الأردن، إلى جانب دعوات للسلطة الفلسطينية والقوى الفلسطينية إلى بلورة موقف واضح لمواجهة المرحلة المقبلة.

الكاتب ماهر أبو طير تناول الملف من زاوية العلاقة المباشرة بين ما يجري في الضفة الغربية وبين الأمن الوطني الأردني، متسائلاً في مقال حمل عنوان «الضفة.. سؤال أردني أم فلسطيني؟» عما إذا كان التعامل مع القضية يجب أن يبقى فلسطينياً أم أن تداعياتها باتت تفرض نفسها على الأردن.

ويقول أبو طير إن ملف الضفة «يتعلق بالأمن الوطني الأردني، والتركيبة الداخلية، ومهددات التهجير، في بلد يفيض بالهجرات أصلا»، مضيفاً أن الملف يرتبط أيضاً برعاية الأردن للمقدسات، في ظل ما وصفها بـ«أخطار تهدد هذه الرعاية».

ويرى الكاتب أن النقاش حول الضفة الغربية داخل الأردن أصبح أكثر تفصيلاً وتعقيداً، لأن تداعيات أي تغيير في وضعها لن تبقى محصورة داخل الأراضي الفلسطينية. لكنه في الوقت نفسه يوجه جانباً أساسياً من أسئلته إلى الفلسطينيين أنفسهم، مطالباً السلطة الفلسطينية والفصائل بتقديم إجابات حول كيفية التعامل مع التطورات.

ويكتب أبو طير: «نريد إجابات فلسطينية عن ملف الضفة الغربية، وتحديدا تصور سلطة أوسلو لهذه الأزمة حتى لا تبقى الإجابات مطلوبة من الأردن، كونه الطرف الأكثر تأثرا».

ويتساءل الكاتب عن قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهة ما يعتبره مشروعاً يستهدف تفكيكها وإضعافها، قائلاً: «ما الذي ستفعله السلطة وكل مؤسساتها وأجهزتها أمام مشروع تفكيك السلطة، وإضعافها وصولا إلى إلغاء وجودها كليا، ومن الذي سيرث هذا الفراغ؟».

كما يطرح أسئلة حول اتفاق أوسلو، وما إذا كانت ما تزال قادرة على أداء الدور الذي أنشئت من أجله، في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية في الضفة، متسائلاً عن «نفعها إذا لم توقف كل ما تفعله إسرائيل داخل الضفة الغربية».

ولا يكتفي أبو طير بتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية الإجابة، بل يلفت إلى ضرورة وجود تحرك فلسطيني وعربي وإسلامي ودولي قبل أن تصبح تداعيات الضفة أزمة داخلية في الأردن. ويقول إن غياب مشروع فلسطيني جامع لمواجهة المرحلة المقبلة، في ظل الانقسام والضغط الاقتصادي وتراجع دور السلطة، يدفع الضفة نحو المجهول.

ويختصر الكاتب مخاوفه بالقول إن المطلوب هو «رد فعل فلسطيني عربي إسلامي دولي في وجه السطو على القدس والضفة الغربية، حتى لا ينتقل السؤال إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن، وكأن الأزمة أردنية أولا».

الدعجة: ما يجري في الضفة مشروع لإعادة تشكيل جغرافيتها

من جهته، ركز الكاتب حسن الدعجة على طبيعة الإجراءات الإسرائيلية على الأرض، معتبراً أن ما تشهده الضفة الغربية يتجاوز العمليات العسكرية والاعتقالات المتفرقة إلى مسار أوسع يستهدف إعادة تشكيل واقعها الجغرافي والسياسي.

ويصف الدعجة المرحلة الحالية بأنها «واحدة من أخطر المراحل منذ عقود»، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية والاعتقالات والاقتحامات، وتسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي، بالتزامن مع اعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية.

ويقول إن هذه الممارسات «لم تعد حوادث أمنية منفصلة، بل تبدو جزءاً من سياسة منظمة لإعادة تشكيل جغرافية الضفة، وتقطيع أوصالها، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة».

ويستعرض الكاتب مجموعة من الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون، من الاقتحامات والقتل والاعتقال وهدم المنازل، إلى إغلاق الطرق وتوسيع الحواجز ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه.

ويولي الدعجة اهتماماً خاصاً لاعتداءات المستوطنين، التي يقول إنها تشمل مهاجمة المنازل وإحراق المركبات والمحاصيل واقتلاع الأشجار والاستيلاء على الأراضي، معتبراً أن هذه الممارسات تدفع التجمعات الريفية والبدوية إلى الرحيل.

كما يربط الكاتب بين هذه الإجراءات وبين مشروع أوسع للضم، قائلاً إن التوسع الاستيطاني «لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، بل أصبح مشروعاً متكاملاً لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بصورة تدريجية».

وبحسب الدعجة، فإن إقامة المستوطنات والبؤر الرعوية وشق الطرق الالتفافية ونقل الصلاحيات الإدارية والقانونية إلى مؤسسات إسرائيلية تؤدي مجتمعة إلى إنشاء واقع ضم حتى من دون إعلان رسمي عنه.

ويشير الكاتب إلى منطقة E1 باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في هذا المسار، بسبب ما يراه من خطر على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وعلى ارتباط القدس الشرقية بمحيطها الفلسطيني.

وعلى المستوى الأردني، يعتبر الدعجة أن الضفة الغربية ليست ملفاً خارجياً تقليدياً، بل قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني ومستقبل المنطقة، ويضع رفض الضم والتهجير والاستيطان، ودعم قيام الدولة الفلسطينية، ضمن ثوابت الموقف الأردني.

كما يشير إلى التحرك الدبلوماسي الأردني، ودعم الفلسطينيين إنسانياً، وحماية الوضع التاريخي والقانوني في القدس، معتبراً أن تثبيت الفلسطينيين على أرضهم يمثل أولوية في مواجهة مشاريع الضم والتهجير.

الرواشدة: الخطر أن تتحول الضفة إلى ملف أردني داخلي

أما الكاتب حسين الرواشدة، فاختار زاوية مختلفة تركز بصورة أكبر على كيفية تعامل الأردن مع تداعيات ما يجري في الضفة.

وفي مقال حمل عنوان «حماية الأردن وحماية فلسطين يجب أن نفكر بهدوء وعقلانية»، يقول الرواشدة إن المرحلة الحالية «صعبة بما تزدحم به من أخطار واستحقاقات»، داعياً إلى الابتعاد عن المزايدات وإدارة نقاش عام مسؤول حول ما يحدث.

ويعتبر أن ما تقوم به إسرائيل في إطار تصفية القضية الفلسطينية أصبح واضحاً، لكنه يرى أن على الفلسطينيين الإجابة عن سؤال ما الذي ينبغي عليهم فعله، بينما أصبح على الأردن التفكير في كيفية حماية مصالحه وأمنه.

ويحذر الرواشدة تحديداً من محاولة نقل الأزمة من الضفة الغربية إلى الداخل الأردني، قائلاً: «ثمة من يحاول، بقصد أو بدون قصد، تحويل ملف الضفة الغربية الذي يبدو أنه قيد الانفجار إلى ملف أردني داخلي، أو إلى فخ جاهز للاستخدام».

ويرى أن هذا المسار يخدم أهدافاً إسرائيلية، ولذلك يدعو إلى إبقاء المواجهة السياسية في إطارها الفلسطيني، مع استعداد الأردن لحماية وجوده ومصالحه العليا.

ويشدد الرواشدة على أن دعم القضية الفلسطينية لا يعني تجاوز الحسابات المتعلقة بالأردن، قائلاً: «حماية الأردن هي واجب على الأردنيين، كما أن حماية فلسطين هي واجب على الفلسطينيين والعرب والمسلمين»، مضيفاً أن الأردن، بحسب طرحه، كان في مقدمة الدول التي تحملت هذا الدور.

ويطرح الكاتب أربعة سيناريوهات محتملة لما قد تكون إسرائيل تسعى إليه تجاه الأردن.

الأول يتعلق بالتهجير، حيث يرى أن إسرائيل قد تعمل على دفع السكان الفلسطينيين باتجاه الأردن، سواء عبر التهجير القسري أو ما يسميه التهجير الطوعي، معتبراً أن ضم الضفة وتقطيع أوصالها وإضعاف الحياة فيها يمكن أن يخدم هذا الاتجاه.

أما السيناريو الثاني فيتعلق بإحياء أفكار سياسية مثل الكونفدرالية أو الخيار الأردني أو الضم الإداري، بهدف تجاوز فكرة الدولة الفلسطينية والبحث عن صيغة بديلة يكون الأردن طرفاً فيها.

ويتمثل السيناريو الثالث، بحسب الرواشدة، في التعامل مع الأردن باعتباره جبهة تهديد، من خلال أفكار مثل المنطقة العازلة أو ضم غور الأردن أو إقامة الجدار الفاصل، وصولاً إلى محاولات التأثير في الجبهة الداخلية الأردنية.

أما الاحتمال الرابع فيرتبط بالقدس، وتحديداً الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، إذ يحذر الكاتب من إمكانية استخدام هذا الملف كورقة ضغط على الأردن في إطار مقايضات سياسية أخرى.

ولا يكتفي الرواشدة بتشخيص المخاطر، بل يطرح مجموعة من الأوراق التي يرى أن على الأردن التفكير في استخدامها، بينها معاهدة وادي عربة ومتعلقاتها، والعلاقة القانونية مع الضفة الغربية، وملف اللاجئين وحق العودة، والحماية الدولية للضفة، والاعتراف الدولي بالجنسية الفلسطينية للفلسطينيين المقيمين في فلسطين.

كما يقترح بحث إجراءات قانونية في حال صدور قرارات إسرائيلية لترحيل فلسطينيين يحملون الجنسية الأردنية في الضفة، إلى جانب تحصين الداخل الأردني سياسياً وقانونياً وأمنياً من أي محاولة لفرض حل للقضية الفلسطينية على حساب الأردن.

وتتقاطع مقالات أبو طير والدعجة والرواشدة عند اعتبار التطورات في الضفة الغربية ذات انعكاسات مباشرة على الأردن، لكنها تختلف في زاوية المعالجة. فأبو طير يركز على ضرورة وجود إجابة فلسطينية واضحة وخطة لمواجهة ما يجري، والدعجة يقرأ التطورات باعتبارها مساراً متكاملاً للضم وتغيير جغرافية الضفة، فيما ينشغل الرواشدة أكثر بالخيارات الأردنية ومخاطر انتقال تداعيات الضفة إلى الداخل الأردني.

وتشير مجمل الطروحات إلى أن الضفة الغربية أصبحت حاضرة في النقاش العام الأردني من ثلاث زوايا متداخلة: مستقبل القضية الفلسطينية، خطر التهجير والضم، وكيفية حماية الأردن من تداعيات أي تغيير جذري في الضفة والقدس.