قبل تكرار الجريمة... دعوات لإعداد دراسات وطنية تكشف جذورها وتعزز الوقاية

أعادت حادثتان وقعتا خلال أقل من 24 ساعة، إحداهما في منطقة الصويفية بالعاصمة عمان، والأخرى في لواء الموقر، الجدل حول الجريمة والعنف المجتمعي في الأردن، وسط موجة من القلق على منصات التواصل الاجتماعي حول إذا كانت معدلات الجريمة تشهد ارتفاعا فعليا، أم أن الانتشار السريع للمحتوى الرقمي جعل الشعور بالخطر أكبر من حجم الظاهرة.

يرى مختصون اجتماعيون أن الإجابة لا يمكن أن تستند إلى الانطباعات أو التفاعل الآني، بل إلى قراءة علمية للبيانات الرسمية وتحليل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها المجتمع الأردني.

تشير الأرقام الواردة في رد وزارة الداخلية على سؤال نيابي إلى ارتفاع إجمالي القضايا الجرمية المسجلة من 20,991 قضية عام 2021 إلى 23,021 قضية عام 2025، بزيادة تقارب 10% خلال خمس سنوات، فيما سجل عام 2024 أعلى عدد للقضايا بواقع 23,982 قضية، قبل أن تنخفض الأرقام بصورة طفيفة في العام التالي.

ورغم هذا الانخفاض، تكشف البيانات استمرار تصدر الجرائم الواقعة على الأموال للمشهد الجرمي، لتبقى الفئة الأكثر تسجيلا مقارنة ببقية الجرائم، وهو ما يلفت الأنظار إلى طبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع، أكثر من تركيزها على عدد القضايا وحده.

وتظهر بيانات مديرية الأمن العام كذلك أن قراءة الواقع الجرمي لا ترتبط فقط بحجم الجرائم المسجلة، وإنما أيضا بقدرة الأجهزة الأمنية على كشفها والتعامل معها، إذ سجلت إدارة البحث الجنائي خلال عام 2025 نسب كشف مرتفعة، في مؤشر يعكس فاعلية الاستجابة الأمنية.

وتقول النائب الدكتورة ديما طهبوب إن المنحنى العام للقضايا الجرمية لا يبدو مستقرا، مستندة إلى رد وزارة الداخلية على سؤالها النيابي، ومشيرة إلى أن الجرائم الواقعة على الأموال تشكل الحصة الأكبر من القضايا المسجلة، مع ارتفاع مؤشرات السرقات والاحتيال وسرقات المركبات والشروع بالسرقة.

وتربط طهبوب هذه المؤشرات بتنامي الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع البطالة، معتبرة أن البعد الاقتصادي بات عاملا مهما في الجرائم المرتبطة بالمكاسب المالية. 

غير أن الربط بين الاقتصاد والجريمة، كما يوضح خبراء، لا يعني أن الفقر ينتج الجريمة بصورة حتمية، بل إن الضغوط الاقتصادية قد تتفاعل مع عوامل أخرى، مثل ضعف الفرص، والهشاشة الأسرية، والإدمان، والبيئة المحيطة، وغياب شبكات الدعم الاجتماعي.

وتبرز قضايا المخدرات بوصفها أحد أكثر الملفات إثارة للقلق، بعد ارتفاع عدد القضايا المسجلة، بحسب الأرقام الواردة في الرد الحكومي، من نحو 19 ألف قضية عام 2021 إلى أكثر من 22 ألف قضية عام 2025. 

وترى طهبوب أن ارتفاع قضايا التعاطي والاتجار والترويج يشير إلى اتساع التحدي، وتحوله من حالات فردية إلى ملف أمني واجتماعي يحتاج إلى مقاربات تتجاوز الملاحقة والعقوبة.

إلا أن خبراء يؤكدون أن العلاقة بين الاقتصاد والجريمة ليست علاقة حتمية، فالفقر وحده لا يصنع الجريمة، وإنما تتداخل معه عوامل أخرى، من بينها ضعف الفرص، والهشاشة الأسرية، والإدمان، والبيئة الاجتماعية، وغياب شبكات الدعم.

وفي السياق ذاته، تبرز قضايا المخدرات باعتبارها من أكثر الملفات إثارة للقلق، بعدما ارتفع عدد القضايا المسجلة، وفق الرد الحكومي، من نحو 19 ألف قضية عام 2021 إلى أكثر من 22 ألف قضية عام 2025، وهو ما تعتبره طهبوب مؤشرا على اتساع الظاهرة وتحولها إلى تحد أمني واجتماعي يتطلب مقاربات تتجاوز الملاحقة والعقوبة.

 

الجريمة وتحولات المجتمع

أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة، الدكتور حسين محادين، يشير إلى أن فهم الجريمة يبدأ من فهم التحولات الأوسع التي طرأت على المجتمع الأردني نفسه، فالمجتمع، بحسبه، شهد نموا سكانيا متسارعا، وهو مجتمع شاب تشكل فيه فئة الشباب نسبة كبيرة من السكان، مما يجعل الاستثمار في التنشئة والتعليم والفرص الاقتصادية والحوار المجتمعي ضرورة وقائية، لا مجرد استجابة لاحقة للجريمة.

ويقول محادين إن الشباب يتميزون بالميل إلى التجريب والتأثر بالأقران والمحتوى الرقمي، إلى جانب هامش أكبر للمغامرة، لكنه يشدد على أن هذه السمات لا تفسر الجريمة وحدها، فاختزال الظاهرة في العمر أو في فئة بعينها يتجاهل منظومة أوسع من العوامل، تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند المدرسة والجامعة والإعلام وسوق العمل.

ويضع محادين تراجع أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية في صلب النقاش، معتبرا الأسرة، كانت تؤدي دورا محوريا في نقل الخبرات والقيم بين الأجيال، وتعزيز الحوار والاحترام والتكافل، قبل أن تتأثر بتغير أنماط العمل والحياة، وانشغال الوالدين، وضعف فرص اللقاء والتواصل بين أفرادها.

 

 

ولا يعني ذلك أن الأسرة فقدت دورها بالكامل، لكن محادين يرى أن تراجع بعض وظائفها التربوية انعكس في ضعف الروابط داخل بعض البيوت، وارتفاع مؤشرات التفكك والطلاق والعنف الأسري، معتبرا أن انتقال الجريمة إلى داخل الأسرة، أو وقوعها بين أفراد تربطهم صلات قريبة، يمثل مؤشرا شديد الحساسية، لأنه يمس المؤسسة التي يفترض أن تكون المساحة الأولى للأمان والدعم.

ويتماشى هذا الطرح مع تحذيرات أستاذ علم الاجتماع وخبير أنماط الجريمة، الدكتور حسين الخزاعي، الذي يرى أن تغير طبيعة الجرائم لا يقل أهمية عن عددها، فحتى في حال تسجيل انخفاض محدود في إجمالي القضايا خلال سنة معينة، فإن ارتفاع بعض الجرائم الواقعة على الأموال أو على الإدارة العامة، واستمرار جرائم الاعتداء على الأشخاص، يستدعي قراءة أعمق للبيانات بدلا من الاكتفاء بالمقارنة الرقمية العامة.

وفي هذا السياق، يشير محادين إلى أن توسع المدن والهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر لا يمثلان انتقالا جغرافيا فقط، بل تحولا في شكل العلاقات الاجتماعية، فالمجتمعات الصغيرة تقوم غالبا على علاقات مباشرة ومراقبة اجتماعية متبادلة وتكافل أكبر، بينما قد تعزز الحياة المدنية، إذا لم ترافقها شبكات دعم ومؤسسات فاعلة، النزعة الفردية والشعور بالعزلة.

لذلك، فإن إعادة توزيع فرص التنمية والخدمات وفرص العمل بين المحافظات والعاصمة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها قضية اقتصادية فقط، بل باعتبارها جزءا من الأمن المجتمعي، فالتنمية المتوازنة، وفق هذا المنظور، تقلل الضغوط الناتجة عن التهميش والانتقال القسري بحثا عن العمل والخدمات، وتمنح الأفراد شعورا أكبر بالاستقرار والانتماء بحسب محادين.

 

العقوبة وحدها لا تكفي

وعلى مستوى القانون والعقوبة، يشير محادين إلى أن التشريعات تميز بين الأحداث والبالغين في المسؤولية والعقوبات، لكن الردع القانوني وحده لا يكفي، ويطرح قضية العود الجرمي بوصفها مؤشرا مهما على فعالية منظومة الإصلاح، إذ قد يخرج بعض الأشخاص من مراكز الإصلاح والتأهيل من دون دعم كاف يساعدهم على العودة إلى المجتمع والعمل والعلاقات الطبيعية.

وتتضاعف صعوبة إعادة الدمج بحسب محادين، عندما يواجه الشخص وصمة اجتماعية بسبب سجله السابق، فتضعف فرصه في العمل والاستقرار، وقد يعود إلى البيئة أو السلوك الذي قاده إلى الجريمة. 

لذلك، فإن برامج التأهيل داخل مراكز الإصلاح ينبغي أن تتصل ببرامج لاحقة بعد الإفراج، تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والتدريب وفرص العمل والمتابعة المجتمعية، بحسب محادين.

ويرى الخزاعي أن ملف الأحداث يحتاج إلى اهتمام خاص، في ضوء ما يصفه بارتفاع خطورة بعض الجرائم المرتكبة من قبل هذه الفئة.

 

 

إلا أن معالجة جرائم الأحداث، وفق مقاربات علمية، تتطلب موازنة بين المساءلة القانونية والحماية والتأهيل، لأن الحدث لا يزال في مرحلة تكوين، ولأن الوقاية المبكرة داخل الأسرة والمدرسة والحي أكثر فاعلية وأقل كلفة من التدخل بعد وقوع الجريمة، بحسب الخزاعي

ولهذا يدعو محادين إلى مؤتمر علمي وطني تشارك فيه الجامعات والمؤسسات الأمنية والقضائية والاجتماعية ومراكز الدراسات، بهدف بناء قاعدة بيانات أكثر تفصيلا حول الجرائم ودوافعها ومساراتها، فالمطلوب بحسبه، ألا يقتصر التعامل مع كل حادثة على موجة غضب مؤقتة، بل أن يتحول إلى معرفة تراكمية تساعد على الوقاية.