بين "النكتة" والتمييز... كيف تحولت الصورة النمطية عن الزرقاء إلى عائق أمام العمل والزواج؟

لم تعد السخرية من محافظة الزرقاء تقتصر على منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أو تعليقات عابرة يتبادلها المستخدمون، بل تحولت، وفق شهادات عدد من أبناء المحافظة، إلى صورة نمطية امتد تأثيرها إلى سوق العمل والعلاقات الاجتماعية، ووصلت في بعض الحالات إلى فرص الزواج، لتفرض على كثيرين أحكاماً مسبقة لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى الانطباعات.

وتروي شابة من أبناء الزرقاء تجربتها مع البحث عن عمل، مؤكدة أنها فقدت فرصاً وظيفية رغم امتلاكها المؤهلات والالتزام المهني، ليس بسبب نقص في الكفاءة، وإنما بسبب عنوان سكنها.

وتقول إنها فوجئت بوجود تصورات مسبقة عن أبناء المحافظة، دفعتها في نهاية المطاف إلى تغيير عنوان السكن في سيرتها الذاتية من الزرقاء إلى عمان، أملاً في زيادة فرص قبولها بالوظائف التي تتقدم إليها.

وتضيف أن كثيراً من الأشخاص يربطون أبناء الزرقاء بصفات لا تعكس واقعهم، معتبرة أن الحكم على الإنسان أصبح في بعض الأحيان مبنياً على مكان إقامته لا على أخلاقه أو قدراته أو خبراته.

ولا يقف أثر هذه الصورة النمطية عند حدود سوق العمل، إذ تمتد إلى العلاقات الاجتماعية والزواج، بحسب أحمد خالد، الذي يقول إن طلبه الزواج من فتاة قوبل بالرفض في البداية بسبب كونه من أبناء الزرقاء.

وأوضح أن والد الفتاة رفضه في البداية استناداً إلى الصورة السائدة عن المحافظة، قبل أن يغيّر موقفه بعد السؤال عنه وعن أسرته، لكنه اشترط انتقاله للعيش خارج الزرقاء، وهو شرط يقول إنه لم يكن قادراً على تلبيته بسبب ارتباطه بأسرته ووجود والده المريض الذي يحتاج إلى رعايته.

ويرى أحمد أن ما يتعرض له أبناء المحافظة هو نتيجة مباشرة لصورة رُسمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا تعكس واقع مدينة يعيش فيها مئات الآلاف من الأردنيين، مؤكداً أن أبناء الزرقاء، بمختلف مكوناتهم الاجتماعية، لا يشبهون الصورة التي يجري تداولها عبر منصات التواصل.

من جانبها، تحذر الأخصائية النفسية ريما الرواجدة من خطورة تحول السخرية الرقمية إلى قناعة اجتماعية راسخة، مشيرة إلى أن تكرار النكات والصور الساخرة يؤدي مع الوقت إلى ترسيخ أحكام مسبقة تنعكس على السلوك اليومي.

وتوضح أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القناعات إلى ممارسات فعلية، سواء في المقابلات الوظيفية أو عند اختيار شريك الحياة، حيث قد يتم استبعاد أشخاص بسبب انتمائهم الجغرافي وليس بناء على كفاءتهم أو شخصيتهم، الأمر الذي يحول السخرية إلى أداة للإقصاء والحرمان من الحقوق، ويعمق الفجوات داخل المجتمع.

وفي مواجهة الصورة المتداولة عن ارتفاع معدلات الجريمة في الزرقاء، تظهر الأرقام الرسمية واقعاً مختلفاً. فبحسب التقرير الإحصائي الجنائي لعام 2025 الصادر عن مديرية الأمن العام، بلغ معدل الجريمة في إقليم الوسط، الذي تقع ضمنه محافظة الزرقاء، 18 جريمة لكل عشرة آلاف نسمة، وهو معدل يقل عن نظيره في إقليم العاصمة، كما يقل عن معدل إقليم الجنوب.

ويؤكد النائب علي الخلايلة أن الاعتقاد السائد بارتفاع معدلات الجريمة في الزرقاء لا يستند إلى بيانات رسمية، موضحاً أن كثيراً من الأشخاص الذين يرتكبون جرائم في محافظات أخرى يتم إلقاء القبض عليهم داخل الزرقاء، الأمر الذي يدفع بعض وسائل الإعلام إلى ذكر مكان القبض عليهم، فيترسخ لدى المتلقي انطباع خاطئ بأنهم من أبناء المحافظة.

وأضاف أن الزرقاء تضم نسيجاً اجتماعياً واسعاً يمتد من الأزرق إلى حدود السلط، ويشمل العشائر والمخيمات والريف والبادية، مؤكداً أن المحافظة لا يمكن اختزالها في صورة نمطية أو أحكام عامة.

ورغم تكرار الحديث عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الصورة، فإن الجهات الرسمية لم تقدم موقفاً واضحاً. فقد تعذر الحصول على تعليق من محافظ الزرقاء بعد محاولات متكررة للتواصل معه، فيما رفض عدد من نواب المحافظة التعليق على القضية، معتبرين أن ما يتم تداوله لا يتجاوز كونه "نكات" لا تنعكس على الواقع.

إلا أن شهادات المتضررين تطرح صورة مختلفة، إذ يرى عدد من أبناء الزرقاء أن هذه التصورات المسبقة أصبحت تؤثر في فرص العمل والاندماج الاجتماعي، وتدفع بعض الكفاءات إلى إخفاء مكان إقامتها أو الانتقال إلى العاصمة، هرباً من أحكام لا تستند إلى الوقائع، بقدر ما تستند إلى صورة ذهنية تشكلت مع الوقت، ثم تحولت إلى سلوك يترك أثره في تفاصيل الحياة اليومية.