بين حماية الحياة وصون الحرية.. التوقيف الإداري للنساء يثير جدلا حقوقيا

لم تكن شيماء أبو سمرة تتوقع أن يتحول نداء الاستغاثة الذي أطلقته لإنقاذ شقيقتها من تهديدات بالقتل إلى بداية جدل واسع حول آلية الحماية نفسها، حيث ظهرت شيماء في مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تناشد الجهات المعنية بالتدخل لحماية شقيقتها وفاء، مؤكدة أنها تواجه تهديدا على حياتها بعد تعرضها لاعتداءات من أفراد من عائلتها، ومطالبة بتوفير الحماية اللازمة لها قبل أن تصبح ضحية جديدة.

استجابت الجهات الرسمية للبلاغ، إلا أن الإجراء الذي اتخذ تمثل في إخضاع وفاء لتوقيف الإداري الحمائي استنادا إلى قانون منع الجرائم لسنة 1954، وهو ما أثار موجة انتقادات، بعدما رأت أسرتها وناشطات حقوقيات أن الضحية أصبحت هي المقيدة بحريتها، بينما بقي مصدر التهديد خارج الاحتجاز.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة الجدل المتجدد حول التوقيف الإداري الحمائي بحق النساء المهددات بالعنف الأسري أو جرائم القتل، بين من يراه إجراء وقائيا تلجأ إليه الدولة عندما يتعذر توفير بدائل حماية آمنة، ومن يعتبره مساسا بالحرية الشخصية يتعارض مع المبادئ الدستورية، لأنه يفرض قيودا على امرأة لم ترتكب أي جرم، بدلا من توجيه الإجراءات إلى الشخص الذي يشكل مصدر التهديد.

ويأتي هذا الجدل وسط مطالبات حقوقية متواصلة بإيجاد بدائل أكثر انسجاما مع مبادئ حقوق الإنسان، خاصة أن دراسة سابقة صادرة عن مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان وثقت حالات بقيت فيها نساء محتجزات إداريا لسنوات طويلة دون توجيه أي تهمة إليهن، بذريعة حمايتهن.

 

الحماية الوقائية أم تقييد الحرية؟

تنص المادة (7/1) من الدستور على أن الحرية الشخصية مصونة، فيما تؤكد المادة (8/1) أنه لا يجوز أن يوقف أحد أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون. 

وفي المقابل، يستند الحكام الإداريون في قرارات التوقيف إلى قانون منع الجرائم رقم 7 لسنة 1954 الذي يمنحهم صلاحيات اتخاذ تدابير احترازية للحفاظ على الأمن ومنع وقوع الجرائم قبل حدوثها، إلى جانب الاختصاصات المقررة للسلطات الأمنية في حماية الأرواح والممتلكات.

ويقول المحامي والقانوني الدكتور صخر الخصاونة في حديثه لـ عمان نت إن الدستور يكفل بعدم جواز توقيف أي شخص إلا وفق القانون وبإجراءات قانونية واضحة، إلا أن التوقيف الإداري الحمائي يندرج ضمن مفهوم الضبط الإداري الوقائي، الذي يهدف إلى منع وقوع الجريمة قبل حدوثها عندما تتوافر معلومات جدية بوجود خطر يهدد حياة شخص ما.

ويوضح الخصاونة أن المرأة في هذه الحالات لا تكون متهمة بارتكاب أي جرم، بل تكون هي الضحية، إلا أن استمرارها خارج إطار الحماية قد يعرضها لخطر حقيقي، مما يدفع الحاكم الإداري إلى اتخاذ قرار مؤقت بتوفير الحماية لها استنادا إلى المعلومات الأمنية المتوافرة، وبعد الاستماع إلى إفادتها، مشيرا إلى أن بعض النساء يطلبن الحماية بأنفسهن خشية تعرضهن للاعتداء.

 

 

ويتفق الناشط الحقوقي والمحامي الدكتور عاكف المعايطة مع الخصاونة في أن الغاية المعلنة لهذا الإجراء هي حماية الأرواح، إلا أنه يؤكد أن ذلك لا ينهي الجدل القانوني حول مشروعيته، لأن قرار تقييد الحرية يصدر عن الحاكم الإداري وليس عن السلطة القضائية، في حين أن الأصل، وفق المبادئ الدستورية، أن تكون القرارات التي تمس الحرية الشخصية من اختصاص القضاء.

ويشير المعايطة إلى أن منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية أثارت هذه القضية مرارا في ورش العمل والنقاشات القانونية، انطلاقا من مبدأ أن الشخص لا يجوز حرمانه من حريته ما لم يرتكب فعلا يجرمه القانون، معتبرا أن تحويل الضحية إلى شخص مقيد الحرية، حتى وإن كان ذلك بدافع الحماية.

وحول الأسباب الرئيسية لاستمرار اللجوء إلى التوقيف الإداري يؤكد الخصاونة أن الأردن لا يمتلك عددا كافيا من المؤسسات المؤهلة أمنيا لاستقبال جميع النساء المهددات بالخطر، فيما يشير المعايطة إلى أن الدولة تمتلك بالفعل عددا من دور الإيواء، إلا أن طاقتها الاستيعابية تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة.

 

بدائل الحماية.. 

تضم منظومة الحماية في الأردن ثلاثة مراكز إيواء رئيسية، هي دار الوفاق الأسري التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، والمخصصة للنساء المعرضات للعنف، ودار آمنة التابعة للوزارة والمخصصة للنساء المهددات بالخطر، إضافة إلى دار الإيواء التابعة للاتحاد النسائي الأردني التي تقدم خدمات الإيواء والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للنساء المعنفات.

 ويرى المختصون أن هذه المراكز تمثل خطوة مهمة في منظومة الحماية، إلا أن محدودية قدرتها الاستيعابية واحتياجاتها الأمنية تحول دون اعتبارها بديلا كاملا عن التوقيف الإداري في جميع الحالات.

ويؤكد الخصاونة أن الحاكم الإداري لا يلجأ إلى التوقيف مباشرة، وإنما بعد تقييم أمني يحدد مستوى الخطورة، والحصول على معلومات من مديرية الأمن العام، والاستماع إلى المرأة، مشيرا إلى أن المسؤولية القانونية عن أي اعتداء لاحق تقع على مرتكب الجريمة، بينما تتحمل الدولة مسؤولية أخلاقية وإدارية تتمثل في بذل العناية اللازمة لمنع وقوع الجريمة وحماية الأرواح.

في المقابل، يرى المعايطة أن الإجراءات الاحترازية ينبغي أن توجه إلى مصدر التهديد وليس إلى الضحية، مشيرا إلى أن قانون الحماية من العنف الأسري رقم (15) لسنة 2017 أوجد أدوات قانونية للحماية، من بينها أوامر الحماية التي تصدرها الجهات القضائية، والتي تجيز منع المعتدي من الاقتراب من الضحية أو التواصل معها، فضلا عن اتخاذ إجراءات قانونية بحقه عند ثبوت ارتكابه أفعالا مجرمة.

ويضيف أن إدارة حماية الأسرة والأحداث تمتلك صلاحيات للتدخل في قضايا العنف الأسري، بما يشمل التحقيق، وتوفير الحماية، وتحويل المعتدي إلى القضاء عند الاقتضاء، وهو ما يجعل من الممكن التوسع في استخدام التدابير الوقائية التي تستهدف الجاني المحتمل بدلاً من تقييد حرية المرأة المهددة بالخطر.

كما يحذر المعايطة من الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتب على احتجاز المرأة، إذ قد تفقد عملها أو مصدر دخلها، أو تتضرر سمعتها الاجتماعية، رغم أنها لم ترتكب أي مخالفة قانونية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير بدائل تحقق الحماية دون المساس بالحرية الشخصية.