أطفال ADHD في المدارس.. مطالب بتوفير بيئة تعليمية تستجيب لاحتياجاتهم

في الوقت الذي تنشغل فيه بعض الأسر مع بداية العام الدراسي بالتفاصيل المعتادة، من تجهيز الحقائب والمقاعد إلى متابعة الواجبات، تبدأ أسر أخرى عامها الدراسي بهواجس مختلفة، تتعلق بقدرة المدرسة على توفير مساحة تتسع لاختلاف أبنائها والتعامل مع سلوكهم.

ومن بين هذه الأسر حنين الشوابكة، والدة طفل شخص في سن مبكرة باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة "ADHD"، وتروي الشوابكة أن سنوات طفلها الدراسية تحولت إلى محاولات للعثور على مدرسة قادرة على فهم احتياجاته واحتواء سلوكه وتوظيف قدراته، بدل أن يتحول اختلافه إلى سبب لإبعاده عن الصف أو التأثير في مستواه الدراسي.

وبدأت القصة بحسب رواية الأم في سن الثالثة، عندما شخص باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، قبل التحاقه لاحقا بمرحلة رياض الأطفال، وتقول إن إحدى المدارس أبلغتها بعد انتهاء عامه الدراسي الأول بعدم تجديد تسجيله، وطرحت أمامها خيار إبقائه في المستوى نفسه أو نقله إلى مدرسة أخرى.

وتوضح في حديثها لـ "عمان نت"، أنها قدمت للمدرسة التقارير الطبية المتعلقة بحالته، مؤكدة أن التحديات التي يواجهها مرتبطة بالاضطراب وليست بإعاقة ذهنية أو جسدية، بحسب ما أفادها الأطباء.

انتقلت الأسرة إلى مدرسة أخرى على أمل أن تكون التجربة مختلفة، إلا أن الشوابكة تقول إن المدرسة أبلغتها لاحقا بأن طفلها كثير الحركة ويحتاج إلى معلم ظل داخل الصف، لتظهر أمامها مشكلة أخرى تتعلق بكلفة خدمات الدعم، التي تقول إنها لا تستطيع تحملها.

وترى الشوابكة أن التحدي لم يكن في وجود سلوكيات مرتبطة بالحالة بقدر ما كان في طريقة فهمها والتعامل معها، وتقول إن طفلها، في إحدى مراحله الدراسية، مر بتجربة لم تكن متناسبة بحسب تقديرها، مع قدراته الأكاديمية، قبل أن تتولى متابعته في المنزل، ليحقق لاحقا معدلا تجاوز 90%، وفق روايتها.

لكن انتقاله إلى الصف الثاني حمل تجربة أخرى، إذ تقول إن الأسرة فوجئت بطلب إعادته إلى الصف الأول بدعوى أنه يشتت زملاءه ويصعب على المعلمة شرح الدروس.

وترى أن الحل لم يكن في إعادته إلى صف أدنى، بل في تجربة تعديلات تربوية أبسط، مثل تقليل مصادر التشتيت، وتقسيم المهام إلى فترات قصيرة، وإتاحة فواصل للحركة، وإسناد مهام صفية تساعده على توظيف نشاطه بصورة منظمة، مؤكدة بأن الطفل الذي لديه ADHD ليس أقل قدرة على التعلم، لكنه قد يحتاج إلى طريقة مختلفة في تقديم التعليم وبيئة مدرسية أكثر فهما لاحتياجاته.

 

 

من الحركة الزائدة إلى التشخيص

وفقا لمنظمة الصحة العالمية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، يعرف اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه "ADHD" بأنه حالة نمائية عصبية تؤثر بشكل مباشر على الوظائف التنفيذية للدماغ، مما يصعب على الشخص تنظيم أفكاره وسلوكياته وردود أفعاله بشكل مناسب. 

كما يصنف"  ADHD" بحسب المنظمة على أنه اضطراب نمائي عصبي وليس اضطرابا نفسيا بالمعنى التقليدي، يعود سببه إلى اختلافات بنيوية وكيميائية في الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن الانتباه والتحكم بالسلوك والاندفاعية والتخطيط.

وتوضح عضو هيئة التدريس في قسم التربية الخاصة بجامعة جدارا الدكتورة إكرام مراشدة، أن التعامل السليم مع الأطفال يبدأ بفهم طبيعة كل اضطراب وعدم وضع الحالات المختلفة في إطار واحد، مؤكدة  أن اضطراب طيف التوحد واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة حالتان مختلفتان، ولكل منهما خصائص واحتياجات تربوية مختلفة.

وترى مراشدة أن التربية الخاصة لا تقوم على قاعدة واحدة تنطبق على جميع الأطفال، وإنما على دراسة احتياجات كل طفل بصورة فردية وتحديد نوع الدعم الذي يساعده على التعلم والمشاركة.

 ومن هنا، تشدد على أهمية تأهيل معلمي الصفوف الأساسية الأولى، بحيث يمتلكون المعرفة اللازمة للتعامل مع الفروق الفردية، بدل أن تترك الاستجابة لسلوك الطفل لاجتهادات شخصية قد تختلف من معلم إلى آخر.

وتوضح أن الطفل الذي لديه اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة قد يستفيد من تعديلات بسيطة في البيئة الصفية، مثل تقليل مصادر التشتيت، وتنظيم الأنشطة، وتقسيم التعليمات والمهام، وإدخال الحركة بصورة منظمة ضمن العملية التعليمية، إلى جانب استخدام أساليب تعديل السلوك والتدخل التربوي وفق احتياجات كل حالة.

ومن الممارسات التي يمكن توظيفها داخل الصف، بحسب مراشدة، إسناد مهام حركية منظمة للطفل، مثل توزيع الأوراق أو مسح اللوح، والاستفادة من التعلم من خلال اللعب والأنشطة الجماعية، خصوصا في السنوات الدراسية الأولى.

لكنها تؤكد أن الدمج الحقيقي لا يعني مجرد جلوس الطفل في الصف نفسه مع زملائه، وإنما منحه فرصة فعلية للتعلم والمشاركة والتفاعل معهم.

 

التشخيص لا يعني تلقائيا تصنيف الإعاقة

تبين القائمة الصادرة عن المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تتضمن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة "ADHD" ضمن تصنيفات الإعاقة، إلا أن ذلك لا يعني أن كل شخص لديه "ADHD" يعد تلقائيا شخصا ذا إعاقة.

ويتركز التعريف على الأثر الذي تتركه الحالة في حياة الشخص وقدرته على أداء أنشطة الحياة اليومية أو ممارسة حقوقه وحرياته أو الوصول إلى الخدمات الأساسية واستخدامها باستقلالية.

وبالتالي، فإن وجود تشخيص طبي باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وتصنيف الشخص ضمن الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحديد احتياجاته التعليمية، هي مسائل مترابطة لكنها ليست متطابقة، فليس كل طفل نشيط أو كثير الحركة لديه ADHD، كما أن وجود تشخيص ADHD لا يعني تلقائيا الحصول على تصنيف الإعاقة، وإنما يخضع الأمر للأطر والإجراءات المعتمدة لدى الجهات المختصة.

 


وفي الجانب التعليمي، يؤكد مدير مديرية التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم، الدكتور محمد الرحامنة، أهمية توفير الدعم للطالب داخل البيئة التعليمية، موضحا أن الوزارة تعتمد التصنيفات المعتمدة من الجهات المختصة ولا تتولى التشخيص الطبي للحالات.

ويؤكد الرحامنة أن وجود اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لا يعني عزل الطالب عن زملائه أو وضعه تلقائيا في صف منفصل، وإنما الأصل هو تمكينه من التعلم ضمن البيئة التعليمية المناسبة، مع توفير الدعم والترتيبات اللازمة وفق احتياجاته.

ويوضح أن بعض الطلبة الذين لديهم ADHD قد يواجهون صعوبات في الانتباه وتنظيم النشاط والتحكم بالاندفاع، بما قد يؤثر في قدرتهم على متابعة الدرس والمشاركة فيه، الأمر الذي يجعل طريقة تقديم المعلومة وتنظيم البيئة الصفية جزءا أساسيا من عملية الدعم.

 

إستمع الآن

 

وفي الحالات التي تحتاج إلى دعم إضافي، يوضح الرحامنة أن الطالب قد يستفيد من وجود معلم مساند يتابع حالته بالتنسيق مع معلم الصف أو المادة، ويعمل على وضع خطط للتدخل وتعديل السلوك بما يساعد على الحد من السلوكيات التي تعيق التعلم وتعزيز المشاركة.

ويشدد على أن وجود المعلم المساند لا يعني نقل الطالب إلى صف خاص، وإنما يهدف إلى تمكينه من التعلم داخل الصف العادي إلى جانب أقرانه، وفي المدارس الخاصة، قد تتوافر خدمات دعم إضافية، من بينها معلم الظل أو المعلم المساند، إلى جانب خدمات أخرى تحدد بحسب طبيعة كل حالة واحتياجات الطالب.

ويشير الرحامنة إلى أهمية التمييز بين رفض الطالب بسبب إعاقته وبين عدم توافر خدمة دعم معينة لدى مدرسة بعينها، معتبرا أن الاستبعاد بسبب الإعاقة يختلف عن تقييم احتياجات الطالب والبحث في كيفية توفير الدعم المناسب له.

 

القانون يحظر الاستبعاد بسبب الإعاقة

ولا يستند حق الطفل في الدمج إلى التوجهات التربوية وحدها، بل يحظى بحماية قانونية صريحة في الأردن، إذ ينص قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017 على جملة من الضمانات المتعلقة بالتعليم والدمج.

وتحظر المادة 17 استبعاد الشخص من أي مؤسسة تعليمية على أساس الإعاقة أو بسببها، كما تنص، في حال تعذر التحاق الشخص ذي الإعاقة بالمؤسسة التعليمية بسبب عدم توافر الترتيبات التيسيرية المعقولة أو الأشكال الميسرة أو إمكانية الوصول، على أن تعمل وزارة التربية والتعليم على إيجاد البدائل المناسبة، بما في ذلك ضمان التحاقه بمؤسسة تعليمية أخرى، كما تحظر ذات المادة حرمان الطالب ذي الإعاقة من دراسة أي مبحث أكاديمي أو ترسيبه أو ترفيعه تلقائيا على أساس إعاقته أو بسببها.

وتعزز المادة 18 هذا الحق من خلال النص على قبول ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، وتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والأشكال الميسرة في المؤسسات التعليمية الحكومية، والتحقق من توفيرها في المؤسسات التعليمية الخاصة.

ويتكامل ذلك مع قانون حقوق الطفل رقم 17 لسنة 2022، الذي ينص في المادة 25 على حق الطفل ذي الإعاقة في التعليم العام ودمجه في المؤسسات التعليمية، مع التزام وزارة التربية والتعليم والجهات المختصة بتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة والأشكال الميسرة وإمكانية الوصول.

وفي حال تعذر التحاق الطفل ذي الإعاقة بالتعليم العام، يلزم القانون الجهات المختصة بتأمين التعليم في مدارس تكون مناهجها مرتبطة بنظام التعليم العام وملائمة لاحتياجات الطفل وقريبة من مكان إقامته أو يسهل الوصول إليها.

أما قانون التربية والتعليم، فيؤكد أن التعليم الأساسي إلزامي ومجاني في المدارس الحكومية، ويحدد للمرحلة الأساسية أهدافا تتصل بتنمية قدرات الطلبة واستقلاليتهم وتطوير مهاراتهم.