هل المرأة أقل مهارة في القيادة؟ البيانات الأردنية تقول شيئا آخر (مسموع)

تتكرر في الشارع الأردني أحكام جاهزة حول قيادة النساء، وغالبا ما تتحول أي مناورة خاطئة أو حادث بسيط إلى مادة للتأكيد على صورة نمطية قديمة، بأن المرأة أقل مهارة خلف المقود. لكن الأرقام والدراسات تطرح صورة أكثر تعقيدا، وتدفع النقاش بعيدا عن المقارنات المبسطة بين الرجل والمرأة.

دراسة علمية اعتمدت على بيانات المعهد المروري الأردني للفترة بين عامي 2015 و2021 أشارت إلى أن السائقات كن أقل تورطا في الحوادث التي تؤدي إلى إصابات بليغة أو وفيات مقارنة بالسائقين الذكور.

لكن هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن جنس السائق وحده هو العامل الحاسم في السلامة على الطرق، فالحوادث ترتبط بمجموعة واسعة من السلوكيات، من السرعة والتجاوز واستخدام الهاتف، إلى الالتزام بقواعد السير وطريقة اتخاذ القرار خلف المقود.

النتيجة تفتح سؤالا أبعد من المقارنة التقليدية، هل الخطر على الطريق مرتبط بكون السائق رجلا أو امرأة، أم أن ما يصنع الفارق الحقيقي هو السلوك المروري؟

إقبال متزايد للنساء

مدربة القيادة تغريد الحوراني، التي تتعامل يوميا مع متدربين ومتدربات، قالت إن الإقبال النسائي على تعلم قيادة المركبات كبير، معتبرة أن ذلك انعكس على تطور مهارات كثير من النساء وارتفاع درجة الانتباه والتركيز لديهن أثناء القيادة.

وتشير الحوراني إلى أن تعلم القيادة لا يرتبط بالجنس فقط، فهناك تفاوت بين المتدربين أنفسهم، كما تختلف أساليب التدريب والخبرات من مدرب إلى آخر، وهو ما ينعكس على مستوى المتدرب وطريقة اكتسابه للمهارات.

وتلفت إلى أن التدريب لا ينتهي بالحصول على رخصة القيادة، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الخروج إلى الطريق، حيث تظهر شخصية السائق وقدرته على التعامل مع الازدحام والضغط والمواقف المفاجئة.

وترى الحوراني أن بعض الأحكام المتعلقة بقيادة النساء لا تزال مرتبطة بنظرة اجتماعية ذكورية، رغم ما حققته المرأة من حضور واسع في مجالات العمل والقيادة وتحمل المسؤوليات.

الشارع بين الانطباعات والواقع

في المقابل، أظهر استطلاع آراء لمواطنين أن النظرة إلى قيادة النساء ما تزال منقسمة.

بعض المشاركين اعتبروا أن النساء أكثر حذرا والتزاما بقواعد السير، بينما رأى آخرون أن الرجال أكثر جرأة على الطرق، وهي الجرأة التي قد تتحول أحيانا إلى تهور، خاصة مع السرعات العالية والمناورات الخطرة.

وأشار مواطنون إلى أن حوادث النساء، في كثير من الحالات، تكون أقل جسامة، بينما قد يكون الرجال أكثر ميلا إلى السرعة والمخاطرة.

وقال آخرون إن النساء يلتزمن بصورة أكبر بالإشارات وقواعد السير، لكن بعضهم أشار إلى أن فئات عمرية شابة، من الجنسين، قد تعاني من قلة التركيز أو نقص الخبرة.

وتكشف هذه الآراء أن التجربة الشخصية ما تزال تلعب دورا كبيرا في تشكيل الانطباعات، فكل سائق تقريبا يملك قصة أو تجربة يستخدمها دليلا على رأيه، لكن الحوادث المرورية لا يمكن تفسيرها بالانطباعات وحدها.

الهاتف والسرعة والتجاوز

عند سؤال المواطنين عن أكثر السلوكيات خطورة في الشوارع، تكررت ثلاثة عوامل بصورة واضحة، استخدام الهاتف أثناء القيادة، والسرعة الزائدة، والتجاوزات الخطرة.

ووصف مشاركون استخدام الهاتف بأنه من أخطر السلوكيات، لأنه يسحب انتباه السائق في لحظات تحتاج إلى تركيز كامل.

أما السرعة، فتقلل الوقت المتاح أمام السائق لاتخاذ القرار أو تفادي الخطأ، بينما يتحول التجاوز إلى خطر أكبر عندما يرتبط بالسرعة أو بالغضب والعصبية بين السائقين.

ويرى بعض المواطنين أن اجتماع هذه السلوكيات يضاعف مستوى الخطر، فالسرعة مع استخدام الهاتف أو مع تجاوز غير محسوب يمكن أن تنتهي بحادث خلال ثوان.

وتحدث مواطنون أيضا عن العصبية على الطريق، معتبرين أن بعض السائقين يحولون الخلافات العابرة إلى مطاردة أو محاولة تجاوز واستعراض، وهو ما يهدد مستخدمين آخرين للطريق لا علاقة لهم بالخلاف أساسا.

المهارة وحدها لا تكفي

وحول ما إذا كانت المشكلة تتعلق بمهارة القيادة أو بالالتزام بالقوانين، رأى عدد من المواطنين أن الخبرة والممارسة عاملان مهمان، فالقيادة لساعات طويلة وعلى مدى سنوات تمنح السائق قدرة أكبر على التعامل مع ظروف الطريق المختلفة.

لكن آخرين أكدوا أن المهارة تصبح بلا قيمة إذا لم تقترن بالالتزام بقواعد السير.

فالسائق قد يمتلك قدرة عالية على التحكم بالمركبة، لكنه لا يقود الطريق وحده. هناك سائقون ومشاة ومركبات أخرى تعتمد في قراراتها على أن الجميع سيلتزم بالقواعد نفسها.

وهذا ما يجعل احترام الأولوية والسرعة والإشارات ومسارات الطريق جزءا أساسيا من القيادة الآمنة، وليس مجرد التزام شكلي بالقانون.

السائق يتحمل العبء الأكبر

رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث السير، المهندس وفائي مسيس، قال إن التحديات التي تواجه السائقين عديدة، وتشمل البنية التحتية والشواخص وعلامات الطرق وعناصر السلامة المرورية المختلفة.

لكنه شدد على أن العبء الأكبر في الحوادث يقع على سلوك السائق، مشيرا إلى أن العامل البشري يتحمل النسبة الأكبر من المسؤولية عن الحوادث.

وقال إن الطريق والمركبة يمثلان عوامل مهمة في منظومة السلامة المرورية، لكن التزام السائق بالشواخص وقواعد المرور يرفع مستوى السلامة ويقلل من احتمال وقوع الحوادث.

وأضاف أن السائق الماهر والواعي هو القادر على التعامل مع ظروف الطريق والازدحامات دون تهور، من خلال معرفة أوقات الذروة والتحلي بالصبر وتجنب السرعة الزائدة.

ويرى مسيس أن الازدحام لا يبرر السلوك الخطر، لأن السائق لا يستطيع دائما تغيير الواقع المروري، لكنه يستطيع التحكم في طريقة استجابته له.

النساء أقل تهورا، بحسب المختص

وحول الفروقات بين السائقين الذكور والإناث، قال مسيس إن نسبة النساء بين السائقين أقل من الرجال، وهو عامل يجب أخذه في الاعتبار عند قراءة أرقام الحوادث.

لكنه أضاف أن تجربته تشير إلى أن النساء، بصورة عامة، أقل ميلا إلى التهور وأكثر التزاما واهتماما بالسلامة المرورية.

في المقابل، أشار إلى أن بعض السائقين الشباب، خصوصا حديثي الحصول على رخص القيادة، قد يكونون أكثر عرضة للسلوكيات الخطرة بسبب الثقة الزائدة أو قلة الخبرة أو الميل إلى المغامرة.

ودعا الشباب إلى الاستفادة من نماذج القيادة الأكثر هدوءا والتزاما، سواء كانت لدى النساء أو الرجال، لأن الهدف في النهاية هو تقليل الحوادث وحماية الأرواح.

منظومة متكاملة للسلامة

وأكد رئيس الجمعية الأردنية للوقاية من حوادث السير أن تحسين السلامة المرورية لا يتحقق بإجراء واحد.

فالمنظومة تبدأ، بحسب قوله، من الطريق المؤهل والهندسة المرورية الجيدة، ثم تأتي التوعية والتثقيف وغرس الثقافة المرورية لدى الطلبة والشباب، وصولا إلى تطبيق القانون وإنفاذه.

ويرى أن التركيز على العقوبة وحدها لا يكفي، وأن بناء سلوك مروري واع يبدأ قبل حصول الشاب أو الشابة على رخصة القيادة.

وبينما قد تكشف البيانات عن وجود فروقات بين الرجال والنساء في معدلات التورط بالحوادث، فإنها لا تبرر تحويل المسألة إلى منافسة بين الجنسين.

فالقيادة الآمنة تتحدد بمجموعة من القرارات التي يتخذها السائق كل يوم، هل يستخدم الهاتف أم يتركه جانبا؟ هل يلتزم بالسرعة؟ هل يعطي الطريق حقه؟ هل يحترم أولوية الآخرين؟ وهل يستطيع السيطرة على أعصابه عند الغضب؟

الأرقام قد تكسر بعض الصور النمطية، لكنها لا تمنح أحدا حصانة من الخطأ.

الطريق لا يفرق بين رجل وامرأة، وما يحدد مستوى الخطر في النهاية ليس من يجلس خلف المقود، بل كيف يقود.