العتوم: تعديلات المناهج لم تستقر منذ 2015 وتغيير نظام التوجيهي يحتاج إلى مراجعة مع أهل الميدان

قالت النائب الدكتورة هدى العتوم، عضو لجنة التربية والتعليم النيابية، إن المناهج الأردنية شهدت تعديلات متواصلة منذ عام 2015، معتبرة أن هذه التغييرات لم تمنح المنظومة التعليمية الاستقرار الكافي، في وقت حذرت فيه من إجراء تعديلات متلاحقة على نظام الثانوية العامة دون مراجعة شاملة مع المختصين وأصحاب العلاقة وسوق العمل.

وأكدت العتوم، خلال استضافتها في برنامج "صوتك مسموع" عبر راديو البلد، أن النقاش الدائر حول المناهج لا يتعلق، برأيها، بتفاصيل الكتب المدرسية فقط، بل بمستقبل التعليم وطبيعة الشخصية التي يراد بناؤها لدى الطالب الأردني.

وقالت إن التعليم يشكل الأساس الذي تنطلق منه بقية القطاعات، الصحية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها، مشيرة إلى أن بناء الطالب يتطلب منهاجا متوازنا ومستقرا، وليس سلسلة متواصلة من التعديلات.

وأضافت أن التغييرات التي شهدتها المناهج خلال السنوات الماضية شملت، وفق متابعتها ودراسات أجرتها جهات تربوية شاركت فيها، مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية بصورة رئيسية، معتبرة أن هذه المواد ترتبط بصورة مباشرة ببناء قيم الطالب وفكره وهويته.

وأكدت العتوم أن الحملة التي تعمل عليها مجموعة من المختصين بشأن مراجعة المناهج لا تمثل حزب الأمة وحده، موضحة أن عددا من التربويين والباحثين والمختصين المشاركين فيها لا ينتمون إلى الحزب، وأن العمل على الملف بدأ منذ سنوات.

العتوم: القضية الفلسطينية تراجعت في المناهج

وقالت العتوم إن التعديلات التي أجريت على المناهج، بحسب الدراسات التي تحدثت عنها، أدت إلى تقليص حضور عدد من الموضوعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتاريخ العربي والإسلامي.

وأضافت أن مراجعة المناهج الأردنية قبل عام 2015 تظهر، بحسب قولها، حضورا أوسع للقضية الفلسطينية والقدس في مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية، مشيرة إلى أن الفريق الذي عمل على دراسة المناهج رصد أكثر من ألف موضع كانت تتصل بهذه القضايا والموضوعات.

وقالت إن كتاب القضية الفلسطينية لم يعد يدرس كتابا مستقلا، معتبرة أن ذلك يمثل أحد التحولات التي تستدعي نقاشا تربويا ووطنيا حول موقع القضية في المناهج الدراسية.

وأضافت أن بعض الكتب تعرض، وفق ما قالته، إلى حذف نسب متفاوتة من محتواها وصلت في بعضها إلى 30 أو 40 أو 50 بالمئة، مؤكدة أن هذا النوع من التعديلات أدى، برأيها، إلى فقدان مئات الموضوعات والمفردات المرتبطة بالتاريخ والقضايا الوطنية والعربية والإسلامية.

ورأت العتوم أن المناهج لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أداة لنقل المعرفة، بل بوصفها إحدى الأدوات الأساسية في بناء شخصية الطالب، مشددة على أهمية تحديد القيم والهوية والفكر الذي يقوم عليه التعليم.

وقالت إن الخلاف حول المناهج يتعلق، من وجهة نظرها، بصورة الإنسان الذي يراد أن يبنيه النظام التعليمي، معتبرة أن مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية تلعب دورا رئيسيا في تشكيل شخصية الطالب وقيمه وفكره.

"التعديلات تحتاج إلى شفافية"

وانتقدت العتوم طريقة إجراء بعض التعديلات على الكتب المدرسية، وقالت إن عددا من مؤلفي الكتب، وفق ما نقلته عن نقاشات أجرتها معهم، لم يكونوا على علم بجميع التعديلات التي طرأت على الكتب بعد انتهاء مراحل التأليف والمراجعة.

وأضافت أن بعض المؤلفين الذين تعرفهم شخصيا أبلغوها بأنهم لم يشاركوا في جميع التعديلات النهائية التي جرت على الكتب، وقالت إنها وجدت في بعض المراجعات إشارات باللغة الإنجليزية تتعلق بالحذف والاستبدال.

وطالبت بمزيد من الشفافية حول مراحل مراجعة المناهج، والجهات التي تشارك في إعدادها وتعديلها، وآلية اعتماد النسخة النهائية من الكتب المدرسية.

وأكدت أن النقاش حول المناهج يجب أن يستند إلى وثائق ودراسات واضحة، بعيدا عن الاتهامات المتبادلة أو التوصيفات العامة، مشيرة إلى أن الحملة التي تشارك فيها ستنشر، بحسب قولها، مقارنة بين ما ورد في التقارير التي تناولت المناهج وبين التغييرات التي رصدها فريق الدراسة في الكتب الأردنية.

تقارير دولية وانتقادات لتأثير التمويل

وتطرقت العتوم إلى تقارير دولية تناولت المناهج الأردنية، وقالت إن بعض هذه التقارير أشاد بالتغييرات التي جرت على الكتب، في وقت كان فيه ناشطون وتربويون في الأردن ينتقدون بعض تلك التعديلات.

ورأت أن وجود هذا التباين بين التقييمين يستدعي دراسة أعمق للمعايير التي تعتمدها المؤسسات الدولية عند مراجعة المناهج.

ووجهت انتقادات إلى مؤسسة "إمباكت-سي"، التي تناولت في تقاريرها المناهج التعليمية في المنطقة، معتبرة أن تقاريرها أثرت في النقاش الدائر حول المناهج الأردنية.

كما قالت إن بعض المنح والقروض والمساعدات الدولية قد ترتبط، بحسب رؤيتها، بشروط تتصل بسياسات عامة، بينها التعليم والمناهج، داعية إلى ضمان أن تبقى القرارات المتعلقة بالمناهج ضمن إطار القرار الوطني والمصلحة التعليمية.

وقالت إن الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي يمكن أن يجعل الدول عرضة للضغوط أو الاشتراطات، مشددة على أهمية وجود قرار وطني مستقل في القضايا المرتبطة بالتعليم.

العتوم: التوجيهي يحتاج إلى رؤية واضحة

وفي الشق المتعلق بنظام الثانوية العامة، انتقدت العتوم استمرار إدخال تعديلات على نظام التوجيهي والمسارات التعليمية دون، بحسب قولها، وجود حوار واسع مع جميع الأطراف المعنية.

وقالت إن أي تغيير في نظام الثانوية العامة يجب أن ينطلق من الإجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بمستقبل التعليم العالي وسوق العمل، وطبيعة الوظائف التي يحتاج إليها الاقتصاد الأردني، والتخصصات التي ينبغي توجيه الطلبة إليها.

وأضافت أن القرارات المتعلقة بالتوجيهي لا ينبغي أن تبنى على معالجة جزئية لمشكلة محددة، مثل ارتفاع أعداد الطلبة في تخصص أو انخفاض أعدادهم في تخصص آخر.

وأشارت إلى أن التخطيط للمسارات التعليمية يحتاج إلى ربط التعليم العام بالتعليم العالي، وباحتياجات القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية، محذرة من اتخاذ قرارات منفصلة عن واقع سوق العمل.

وقالت إن تقليص أعداد الطلبة في تخصص معين، مثل الطب، لا يحل المشكلة إذا لم تكن هناك رؤية واضحة للمسارات البديلة التي يمكن أن تستوعب الطلبة، والفرص الجامعية والمهنية المتاحة لهم.

وأضافت أن الإصلاح الحقيقي يتطلب جمع المختصين في التعليم العام والتعليم العالي، إلى جانب العاملين في التكنولوجيا والصناعة والقطاعات الاقتصادية المختلفة، على طاولة واحدة لوضع تصور شامل لمستقبل نظام التعليم.

وقالت إن السؤال الأساسي يجب أن يكون: إلى أين تتجه منظومة التعليم؟ وما هي المسارات التي يحتاج إليها الأردن خلال السنوات المقبلة؟

"القرارات تتخذ قبل الاستماع إلى الميدان"

وانتقدت العتوم ما وصفته باتخاذ بعض القرارات التعليمية بعيدا عن التشاور الكافي مع أهل الخبرة وأصحاب العلاقة.

وقالت إن تجربة القرارات الجديدة تظهر، بحسب رأيها، أن النقاش المجتمعي يبدأ أحيانا بعد الإعلان عن القرار، ثم تظهر ملاحظات واختلالات تدفع الجهات المعنية إلى التأجيل أو التعديل.

ورأت أن إشراك الميدان التربوي والمختصين منذ البداية كان يمكن أن يقلل من حجم التعديلات اللاحقة والمشكلات التي تظهر بعد بدء التطبيق.

وأضافت أن مراجعة القرارات قبل اعتمادها تختلف عن معالجة المشكلات بعد ظهورها، لأن مشاركة المعلمين والجامعات والخبراء وأصحاب القطاعات الاقتصادية في مرحلة الإعداد يمكن أن تكشف كثيرا من الثغرات مبكرا.

وأكدت أن التغييرات المتلاحقة في نظام الثانوية العامة خلال السنوات الماضية خلقت حالة من عدم الاستقرار لدى الطلبة والأسر، مشددة على ضرورة الوصول إلى نظام واضح يمكن للطلبة وأولياء الأمور التخطيط على أساسه.

دعوة إلى مراجعة شاملة

وشددت العتوم على أن ملف المناهج ونظام التوجيهي لا يمكن فصله عن مستقبل التعليم في الأردن، داعية إلى مراجعة شاملة تستند إلى مشاركة التربويين والخبراء وأولياء الأمور والقطاعات الاقتصادية.

وقالت إن تطوير التعليم ضرورة، لكنها ربطت نجاح أي تطوير بوضوح الرؤية واستقرار السياسات وإشراك أهل الاختصاص.

وأضافت أن الطالب هو الطرف الأكثر تأثرا بأي قرار يتعلق بالمناهج أو الثانوية العامة، ولذلك يجب أن يكون الإصلاح التعليمي مبنيا على رؤية طويلة المدى، لا على تعديلات متتابعة تظهر نتائجها بعد التطبيق.

وأكدت أن النقاش حول المناهج سيستمر، وأن الدراسات التي تعمل عليها المجموعة المشاركة في الحملة ستتناول، بحسب قولها، التغييرات التي شهدتها الكتب المدرسية، والتقارير الدولية التي ناقشتها، في محاولة لتقديم صورة موثقة للرأي العام.

وختمت العتوم بالقول إن مراجعة المناهج ونظام الثانوية العامة تحتاج إلى نقاش وطني وتربوي واسع، يشارك فيه المختصون والمعلمون وأولياء الأمور، قبل اتخاذ قرارات تمس مستقبل الطلبة والمنظومة التعليمية بأكملها