آلاف المرضى على قوائم الانتظار... ومطالبات بمركز وطني لزراعة الأعضاء

لم يكن الشاب محمد الجبالي يتوقع أن يقوده التهاب فيروسي إلى معركة طويلة مع مرض أنهك قلبه، بعدما تراجعت كفاءة عضلته إلى نحو 15%، وأصبح يعاني من تجمع السوائل في الرئتين والجسم، حتى بات شعوره بحسب رواية استشاري أمراض وزراعة الكلى وضغط الدم وعضو حملة "هبة" الدكتور محمد ذنيبات، أشبه بالغرق داخل صدره.

كان محمد رياضيا حريصا على صحته، قبل أن يقلب المرض تفاصيل حياته، ويضعه أمام انتظار طويل لفرصة قد تعيد إليه حياته الطبيعية، قلب متبرع ينقذه من تدهور حالته.

ومع محدودية فرص الحصول على عضو مناسب داخل الأردن، حاولت عائلته تأمين العلاج خارج المملكة، إلا أن رحلته انتهت قبل الوصول إلى فرصة زراعة القلب، ليصبح محمد نموذجا لمعاناة مرضى يعيشون على قوائم انتظار، فيما يبقى توفر العضو الصالح للزراعة الحلقة الأكثر حساسية في رحلة العلاج.

وتسلط قصة محمد الضوء على أهمية التبرع بالأعضاء، باعتباره فرصة يمكن أن يتحول فيها فقدان إنسان إلى حياة جديدة لآخر، خصوصا في حالات الوفاة الدماغية التي تتيح الاستفادة من أعضاء أساسية، بينها القلب والرئتان، وهي أعضاء لا يمكن الحصول عليها من متبرع حي.

وفي ظل الحاجة المتزايدة إلى الأعضاء، انطلقت في الأردن حملة "هبة" للتوعية بأهمية التبرع، خاصة بعد الوفاة الدماغية، والعمل على تصحيح المفاهيم المرتبطة به، ومن بينها الاعتقاد بأن التبرع قد يكون مدخلا للاتجار بالأعضاء.

وتحظى الحملة بدعم جمعية الأطباء الأردنية الأمريكية (JAPA)، وبمشاركة أطباء ومتخصصين، فيما تسعى إلى توسيع الوعي المجتمعي بالتوازي مع الدعوة إلى بناء برنامج وطني متكامل لزراعة الأعضاء، وإنشاء قوائم انتظار وطنية موحدة، وصولا إلى مركز وطني متخصص يرفع القدرة على إجراء عمليات الزراعة ويوفر فرصا أكبر للمرضى.

 

فجوة بين الحاجة والتبرع

يقول ذنيبات إن فشل الأعضاء يمثل تحديا صحيا متزايدا، إذ يمكن لأمراض الكلى والكبد والقلب وغيرها أن تتطور تدريجيا إلى مرحلة الفشل النهائي، التي يصبح فيها نقل عضو جديد أحد الخيارات الأساسية لإنقاذ حياة المريض.

ويشير إلى أن التبرع بالأعضاء يتم من مصدرين رئيسيين متبرعين أحياء ومتوفين دماغيا، موضحا أن التبرع من الأحياء يقتصر عمليا على عدد محدود من الأعضاء، وفي مقدمتها الكلى، نظرا إلى قدرة الإنسان على مواصلة حياته بكلية واحدة، إضافة إلى إمكانية التبرع بجزء من الكبد ضمن شروط طبية محددة.

وفي المقابل، يوضح ذنيبات أن الوفاة الدماغية تختلف طبيا عن الغيبوبة، فالمصاب بالغيبوبة يبقى حيا رغم فقدانه الوعي، بينما تعني الوفاة الدماغية توقف وظائف الدماغ وجذع الدماغ بصورة نهائية، وفق المعايير الطبية المعتمدة.

ويعود تاريخ زراعة الأعضاء في الأردن إلى عام 1992، عندما أجريت أول عملية زراعة من متبرع متوفى، ليكون الأردن آنذاك من أوائل دول المنطقة في هذا المجال.

ورغم استمرار عمليات زراعة الأعضاء، لا يزال الاعتماد الأكبر في زراعة الكلى على المتبرعين الأحياء، بحسب ذنيبات، الذي يقدر عدد عمليات زراعة الكلى في الأردن بنحو 300 عملية سنويا، في وقت يبقى فيه التبرع من المتوفين دماغيا محدودا للغاية، وقد لا يتجاوز حالة واحدة كل عامين أو ثلاثة أعوام.

وتكشف أعداد المرضى حجم الفجوة بين الحاجة وتوفر الأعضاء، إذ يوجد نحو 8 آلاف مريض يخضعون لغسيل الكلى، فيما ينضم سنويا ما بين 700 و1000 مريض جديد إلى برامج غسيل الكلى.

وفي ملف زراعة الكبد، تشير تقديرات المختصين إلى وجود أكثر من 600 مريض يعانون من تشمع أو فشل الكبد، فيما يقدر عدد مرضى فشل القلب الذين قد يحتاجون إلى زراعة بنحو 300 إلى 400 مريض، إلى جانب مرضى يعانون من فشل رئوي متقدم وقد يحتاجون إلى زراعة الرئة.

ويرى ذنيبات أن هذه الأرقام تعكس اتساع الفجوة بين الزيادة المستمرة في أعداد مرضى الفشل العضوي وبين توافر الأعضاء اللازمة للزراعة، خصوصا أن القلب والرئتين لا يمكن الحصول عليهما من متبرع حي، مما يجعل التبرع بعد الوفاة الدماغية المصدر الأساسي لهما.

 

 

مركز وطني وقائمة انتظار موحدة

ويرجع ذنيبات تأخر بناء برنامج وطني متكامل لزراعة الأعضاء إلى مجموعة من العوامل، مؤكدا أن تطوير منظومة فعالة يحتاج إلى ثلاثة أركان مترابطة، وعي مجتمعي بأهمية التبرع، ومركز وطني متخصص، وقوائم انتظار موحدة.

ويعتبر أن رفع مستوى الوعي يمثل الخطوة الأولى، خصوصا أن المجتمع  يمتلك، بحسب وصفه، ثقافة التضامن وحب الخير، فيما يمكن للمعلومات الطبية الصحيحة والمبسطة أن تسهم في زيادة الإقبال على التبرع وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة به.

أما الركن الثاني، فيتمثل في إنشاء مركز وطني متخصص يتولى التعرف المبكر على حالات الوفاة الدماغية في المستشفيات، والتواصل مع ذوي المتوفى، وتنظيم إجراءات التبرع والاستفادة من الأعضاء وفق المعايير الطبية والقانونية.

ويأتي توحيد قوائم الانتظار كركن ثالث، بما يضمن التنسيق بين وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والخدمات الطبية والقطاع الخاص، ويوفر فرصا عادلة للمرضى وفق معايير طبية وأخلاقية واضحة، من بينها فصيلة الدم ومدة معاناة المريض من الفشل العضوي وغيرها من المعايير المعتمدة.

ويشير ذنيبات إلى وجود جهود رسمية وأهلية لإنشاء مركز وطني لزراعة الأعضاء، موضحا أن وزارة الصحة بدأت العمل على تحديث البروتوكولات المتعلقة بزراعة الأعضاء ووضع تصور أولي للمركز.

ويضيف أن الجهة القائمة حاليا ضمن وزارة الصحة مما تزال محدودة من حيث الإمكانات والصلاحيات، في حين تحتاج المنظومة إلى جهة وطنية قادرة على التنسيق بين مختلف القطاعات الصحية، وإدارة قوائم الانتظار الموحدة، ورصد حالات الوفاة الدماغية والتعامل معها بصورة منظمة.

ويؤكد ذنيبات أن الأردن يمتلك إطارا تشريعيا وقانونيا ينظم التبرع وزراعة الأعضاء، ويضع ضوابط تهدف إلى حماية المتبرعين والمتلقين ومنع الاتجار بالأعضاء.

ولا يرى أن نقص الخبرات الطبية يشكل عائقا أمام تطوير البرنامج الوطني، مشيرا إلى وجود أطباء ومتخصصين أردنيين يعملون في برامج زراعة الأعضاء في دول عربية وأجنبية، ويمكن الاستفادة من خبراتهم في بناء منظومة وطنية متخصصة.

 

القرنيات.. الطلب الأكبر

من جانبه، يتفق نائب رئيس الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء أحمد جميل شاكر، مع أهمية تعزيز ثقافة التبرع، مشيرا إلى ارتفاع أعداد المتبرعين في الأردن خلال السنوات الماضية، وخصوصا في مجال التبرع بالقرنيات.

ويوضح شاكر أن التبرع بالقرنيات يختلف عن التبرع ببقية الأعضاء، إذ يمكن الاستفادة منها بعد الوفاة الطبيعية، بينما تحتاج أعضاء أخرى، مثل القلب والكبد والكليتين والرئتين، إلى توافر حالة وفاة دماغية وفق الشروط الطبية المعتمدة.

ويشير إلى أن الجمعية تتلقى اتصالات من عائلات ترغب في التبرع بأعضاء أحبائها بعد وفاتهم، حتى في الحالات التي لم يكن فيها المتوفى قد سجل مسبقًا رغبته في التبرع.

ويستشهد شاكر بحالات تبرع تمت بمبادرة من ذوي المتوفين، من بينها عائلة الوزير السابق مثنى الغرايبة، التي بادرت إلى التبرع بقرنيات فقيدها، لتصل إلى أشخاص آخرين بحاجة إليها.

ويبين أن الوفاة الدماغية يمكن أن تتيح الاستفادة من عدة أعضاء، بينها الكليتان والكبد والقلب والرئتان والقرنيتان، بما قد يسهم في إنقاذ حياة عدد من المرضى، فيما تمثل القرنيات أحد أكثر الأعضاء طلبًا في الأردن.

وبحسب شاكر، تضم قوائم الانتظار نحو 1800 شخص بحاجة إلى زراعة القرنيات، في وقت تواجه فيه القرنيات المستوردة صعوبات في التوفر، فيما وصلت تكلفة القرنية المستوردة سابقًا إلى نحو 1200 دينار.

ويضيف أن القرنيات المحلية توزع على المستشفيات الحكومية مجانا، مشيرا إلى أن جهود التبرع بالقرنيات تعود إلى عقود، وأن جمعية أصدقاء بنك العيون بدأت نشاطها منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ويقدر شاكر عدد القرنيات التي جرى جمعها من متبرعين متوفين خلال السنوات الماضية بنحو 6 آلاف قرنية، بقيمة مالية تقدر بنحو 8 ملايين دولار، فضلا عن قيمتها الإنسانية التي لا يمكن تقديرها بالمال.

ويرى أن التحدي الأكبر لا يرتبط بالجانب الطبي وحده، وإنما بمدى انتشار ثقافة التبرع، مشيرا إلى جهود الجمعية لإدخال هذه الثقافة ضمن المناهج المدرسية، خاصة للصف العاشر، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وتعزيز دور الباحثين الاجتماعيين في المستشفيات للتواصل مع عائلات المتوفين وشرح أهمية التبرع.

 

القانون يضع الضوابط

وينظم القانون الأردني التبرع بالأعضاء بهدف حماية حقوق المتبرعين والمتلقين، ويحظر بيع وشراء الأعضاء البشرية، حيث تجيز المادة الرابعة التبرع من الأحياء بعضو من أجسادهم لأحد أقاربهم، ضمن شروط وضوابط طبية تضمن سلامة المتبرع والمتلقي، فيما تجيز المادة الخامسة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بناءً على وصية الشخص أو موافقة الورثة الشرعيين وفق الأحكام المنظمة لذلك.

كما يتيح القانون التبرع بين الأقارب بالكلى أو بجزء من الكبد حتى الدرجة الخامسة، شريطة الالتزام بالضوابط الطبية التي تحول دون إلحاق الضرر بالمتبرع أو المتلقي.

ويمكن للشخص تسجيل وصية بالتبرع بأعضائه بعد الوفاة، من خلال الجهات والنماذج المعتمدة، مع تحديد الأعضاء التي يرغب في التبرع بها.

ولا ينفصل ملف التبرع بالأعضاء عن البعد الديني في المجتمع، إذ يشير ذنيبات إلى أن المجامع الفقهية ودوائر الإفتاء المعتمدة أقرت جواز التبرع بالأعضاء ضمن ضوابط محددة، باعتباره عملا إنسانيا يحقق النفع للآخرين.

وتشمل القرارات الفقهية المتعلقة بالملف التبرع بقرنية العين، والتبرع بجزء من الكبد، إضافة إلى قرارات بجواز التبرع بالأعضاء عمومًا، مع اشتراط الالتزام بالضوابط الشرعية والطبية.

وتتضمن شروط التبرع بعد الوفاة التأكد من تحقق الوفاة، وعدم انتهاك حرمة الجثمان، وغلبة الظن بنجاح عملية الزراعة، إضافة إلى مراعاة الوصية أو موافقة الورثة وفق الأحكام المعمول بها.

أما التبرع من الأحياء، فيشترط أن يكون المتبرع كامل الأهلية، وألا يترتب على التبرع ضرر جسيم على حياته أو صحته، وأن تكون الزراعة لحاجة أو ضرورة طبية، مع حظر المقابل المادي.