حقوق يكفلها القانون.. وعوائق تحول دون وصول المرأة وذوي الإعاقة إلى سوق العمل

بين نصوص قانونية تضمن حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل، وتشريعات توفر للمرأة العاملة رعاية آمنة لأطفالها، تتحرك وزارة العمل لتشديد الرقابة على منشآت القطاع الخاص، في محاولة لسد فجوة لا تزال قائمة بين الحقوق التي تكفلها التشريعات وبين تطبيقها على أرض الواقع.

وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه مشاركة بعض الفئات في سوق العمل تواجه تحديات كبيرة، إذ بلغ معدل البطالة بين الأردنيين من الجنسين 21.1% خلال الربع الأول من عام 2026، فيما سجلت بطالة الاناث 32.7%، مقابل 17.9% للذكور، بحسب أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة. 

كما بلغ معدل البطالة بين الأردنيين من الجنسين ممن تبلغ أعمارهم 24 عاما فأكثر 17.7%، منها 29% للإناث و14.4% للذكور.

أما بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، فلا توفر البيانات الربعية الحديثة الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة رقما محدثا لمعدل البطالة بينهم، حيث تشير أحدث البيانات الميدانية التي يمكن الاستناد إليها إلى دراسة نفذها المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بالتعاون مع دائرة الإحصاءات العامة عام 2015، أظهرت أن معدل البطالة بين الأشخاص ذوي الإعاقة بلغ نحو 76%، وارتفع بين الإناث ذوات الإعاقة إلى نحو 80%.

كما تظهر  بيانات التعداد المشار إليها في الدراسة وجود 34,998 عاطلا عن العمل من الأشخاص ذوي الإعاقة ممن تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر.

وفي هذا السياق، وجه وزير النقل ووزير العمل نضال القطامين كوادر مديرية التفتيش في الوزارة بوضع خطة شاملة لتعزيز الرقابة على سوق العمل، والتحقق من التزام منشآت القطاع الخاص بتوفير الحضانات المؤسسية أو البدائل المسموح بها قانونا، إلى جانب التأكد من الالتزام بنسب تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة.

ويؤكد القطامين أن الخطة ستبدأ بمرحلة التوعية والنصح والإرشاد لأصحاب العمل في مختلف القطاعات والمحافظات، من خلال عقد ورش توعوية بالتعاون مع غرف الصناعة والتجارة وممثلي القطاعات الاقتصادية، بهدف تعريف المنشآت بالتزاماتها القانونية المتعلقة بالحضانات وتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة.

ويوضح أن الهدف من الخطة لا يتمثل في العقوبة وتحرير المخالفات بقدر ما يستهدف رفع مستوى الوعي بأحكام قانون العمل، وتهيئة بيئة عمل جاذبة وآمنة للعاملين في القطاع الخاص، خصوصًا المرأة والأشخاص ذوي الإعاقة.

وبحسب توجيهات الوزير، تسبق مرحلة التوعية تكثيف الجولات التفتيشية، على أن تتخذ الوزارة الإجراءات القانونية بحق المنشآت التي لا تلتزم بأحكام القانون بعد انتهاء مرحلة النصح والإرشاد.

 

4 من النص إلى فرصة عمل

تنص المادة 13 من قانون العمل على تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة وفق النسبة المحددة في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فيما تلزم المادة 25 من القانون الجهات الحكومية وغير الحكومية التي يتراوح عدد العاملين فيها بين 25 و50 عاملا بتشغيل شخص واحد على الأقل من الأشخاص ذوي الإعاقة، وترتفع النسبة إلى ما يصل إلى 4% من الشواغر في المنشآت التي يزيد عدد العاملين فيها على 50 شخصا، وفق ما تقرره وزارة العمل.

كما تلزم جهات العمل غير الحكومية بتقديم بيانات دورية إلى الوزارة حول العاملين من ذوي الإعاقة وطبيعة وظائفهم وأجورهم والترتيبات التيسيرية المقدمة لهم.

ولا يقتصر الالتزام القانوني على توفير الوظيفة، إذ يشترط القانون توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة التي تمكن الأشخاص ذوي الإعاقة من أداء مهامهم والاستمرار في العمل والترقي فيه.

 كما يفرض القانون عقوبات مالية على المنشآت المخالفة لأحكام تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك غرامة تتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف دينار في حالات محددة.

ويرى مدير بيت العمال المحامي حمادة أبو نجمة أن النسبة القانونية المخصصة لتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة تعد كافية في حال تطبيقها فعليا، مشيرا إلى وجود جهود في القطاعين العام والخاص لتعزيز تشغيل هذه الفئة، إلا أن عقبات عديدة لا تزال تحد من اندماجها الكامل في سوق العمل.

ويضع أبو نجمة النقل وتهيئة بيئة العمل في مقدمة هذه التحديات، موضحا أن صعوبات النقل العام التي تواجه المواطنين عموما تصبح أكثر تعقيدا بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة عند الوصول إلى أماكن العمل.

ويطالب بتعاون القطاعين العام والخاص لتوفير حلول للنقل، سواء من خلال تحسين وسائل النقل العام أو توفير وسائل متخصصة، إلى جانب تهيئة أماكن العمل بما يتناسب مع احتياجات الإعاقات المختلفة، سواء الحركية أو البصرية أو السمعية.

 

 

وبحسب أبو نجمة، فإن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل لا يتوقف عند تطبيق نسبة التشغيل، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالتدريب والتأهيل واكتساب المهارات، مرورا بتوفير بيئة عمل مهيأة، وانتهاء بضمان الاستقرار الوظيفي.

ويؤكد أن التجارب العملية أثبتت قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على إثبات كفاءتهم في العمل، مشيرا إلى أن توفير الفرصة والبيئة المناسبة يمكن أن يحولهم من فئة مستفيدة من الخدمات إلى فئة منتجة وفاعلة في مختلف القطاعات.

ويشدد على أهمية التدريب المهني والإرشاد الوظيفي، في ظل التغير المتسارع في المهارات التي يتطلبها سوق العمل، معتبرا أن مسؤولية التأهيل لا تقع على الأشخاص ذوي الإعاقة وحدهم، وإنما تتطلب تدخل الجهات الرسمية والمؤسسات المعنية بسوق العمل والقطاع الخاص.

ويشير إلى أن ضعف الإقبال على التدريب المهني يمثل تحديا عاما في الأردن، ويزداد تحديا بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، مما يستدعي برامج تدريبية أكثر تخصصا وإتاحة وصول أفضل إلى فرص التأهيل.

ويؤكد أبو نجمة أن وزارة العمل تمتلك أدوات الرقابة اللازمة من خلال جهاز التفتيش المنتشر في مختلف مناطق المملكة، إلى جانب أقسام متخصصة بتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، داعيا إلى استمرار التعاون بين الوزارة والقطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة لضمان تطبيق القانون.

 

المرأة.. العمل يحتاج إلى حضانة

وعلى الجانب الآخر، تتقاطع قضية الحضانات مباشرة مع قدرة المرأة على دخول سوق العمل والاستمرار فيه، خصوصا في ظل الفجوة الكبيرة في معدلات البطالة بين النساء والذكور.

معدل البطالة بين الإناث بلغ 32.7% في الربع الأول من 2026، وهو أعلى بنحو 14.8 نقطة مئوية من معدل البطالة بين الذكور البالغ 17.9%، وفق دائرة الإحصاءات العامة.

وتعكس هذه الفجوة الحاجة إلى معالجة العوامل التي قد تؤثر في مشاركة المرأة واستمرارها في سوق العمل، ومن بينها توفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة وفي مواقع قريبة وآمنة.

تنص المادة 72 من قانون العمل على إلزام صاحب العمل الذي لديه ما لا يقل عن 15 طفلا من أبناء العاملين، لا تزيد أعمارهم على أربع سنوات وثمانية أشهر، بتهيئة مكان مناسب لرعايتهم بإشراف مربية مؤهلة أو أكثر، مع السماح لأصحاب العمل بالاشتراك في توفير الحضانة ضمن منطقة جغرافية واحدة، وإتاحة بدائل في حال تعذر إنشاء الحضانة وفق ما يحدده الوزير.

ويؤكد نقيب نقابة أصحاب الحضانات محمد المومني أن هذا الالتزام لم يأت بصورة اعتباطية، وإنما يستهدف توفير بيئة آمنة للأطفال وتمكين المرأة من أداء دورها الاقتصادي، مع ضمان اطمئنان الأهالي على أطفالهم أثناء ساعات العمل.

ويعتبر المومني أن الحضانة الآمنة يجب أن تعامل باعتبارها حاجة أساسية للطفولة والأسرة، وليس مجرد التزام قانوني على المنشأة، مشيرا إلى وجود تفاوت في مستوى الالتزام، يعود في بعض الحالات إلى صعوبة تجهيز مكان مخصص للأطفال وتوفير الكوادر والإجراءات المطلوبة للسلامة والرعاية.

 

 

وفي مواجهة هذه الصعوبات، يشير المومني إلى أن التشريعات أتاحت بدائل أمام المنشآت التي لا تستطيع إنشاء حضانة داخل مقراتها، من بينها إمكانية اشتراك أكثر من منشأة في توفير مكان واحد، إضافة إلى البدائل التي يمكن للوزير تحديدها عندما يتعذر على صاحب العمل تهيئة المكان المناسب.

ويؤكد أن قطاع الحضانات الخاصة قادر على توفير خيارات أمام المنشآت في مختلف مناطق المملكة، وأن النقابة مستعدة للتنسيق بين أصحاب العمل والحضانات للوصول إلى حلول تراعي موقع المنشأة واحتياجات العاملين وكلفة الخدمة.

ويشير إلى تجارب سابقة لشركات ومنشآت خاصة أبرمت اتفاقيات مع حضانات قريبة منها لاستقبال أطفال العاملين، معتبرا أن هذا النموذج يمكن أن يشكل بديلا عمليا للمنشآت التي لا تستطيع توفير حضانة داخل مقرها.

كما يؤكد استعداد النقابة للقيام بدور حلقة الوصل بين المنشآت والحضانات، ومساعدة أصحاب العمل في الوصول إلى الحضانات المناسبة واستكمال إجراءات التعاقد، بما يضمن توفير مكان آمن للأطفال ويساعد المنشأة في الوقت ذاته على الوفاء بالتزامها القانوني.

 

كلفة الحضانة.. عائق قابل للحل

ولا يغفل المومني الجانب المالي، مشيرا إلى أن بعض المنشآت قد تعتبر توفير خدمات الحضانات عبئا إضافيا، خصوصا مع اختلاف أسعار الخدمات المقدمة.

إلا أنه يرى أن تعدد الحضانات يتيح خيارات متفاوتة من حيث مستوى الخدمة والكلفة، بما يسمح للمنشآت بالبحث عن حلول تناسب إمكاناتها، مؤكدا أن دور النقابة يتمثل في تقريب وجهات النظر ومساعدة المنشآت على الوصول إلى الخيار المناسب.

ويؤكد أن هذا النموذج التشاركي يمكن أن يحقق مصلحة الأطراف كافة، فالمنشأة تلتزم بالقانون، والأطفال يحصلون على رعاية آمنة، والمرأة العاملة تجد بيئة أكثر ملاءمة للاستمرار في عملها، فيما تستفيد الحضانات من زيادة الإقبال واستدامة نشاطها.

ويتفق المومني مع توجه وزارة العمل في إعطاء الأولوية للتوعية قبل العقوبة، إذ يدعو إلى شراكة عملية بين الوزارة والنقابة والمنشآت لتطبيق البدائل التي يسمح بها القانون، بدل اقتصار التعامل مع الملف على المخالفات.

كما يرى أن تعاون الجهات الرسمية والقطاع الخاص يمكن أن يتيح حلولا أكثر مرونة، خصوصا للمنشآت التي تواجه صعوبة حقيقية في توفير الحضانة داخل موقع العمل.