التجربة البرازيلية: هل تشكل مقاربة جديدة للحماية الرقمية للأطفال

وفّر المركز الوطني لحقوق الإنسان الأسبوع الماضي مساحة مهمة للمهتمين بقضايا السلامة الرقمية للنقاش والخروج بتوصيات تتعلق بالحماية الرقمية للفئات الأكثر حاجة للحماية في المجتمع.
النقاشات، التي استمرت على مدار يومين، شكّلت فرصة ثرية لتبادل الخبرات، واستعراض التحديات، والبحث عن حلول عملية. أما بالنسبة لي، وبوصفي مهتمة بقضية الحماية الرقمية للأطفال، فقد استوقفتني مسألتان رئيسيتان.
الأولى طرحها المحامي سائد كراجة، عندما أشار إلى أن التحول والتطور الرقمي يسبقان التشريعات بكثير، وأن أي تعديل تشريعي يحتاج إلى وقت طويل حتى يمر عبر القنوات الدستورية، في حين تتغير البيئة الرقمية بوتيرة متسارعة.
أما المسألة الثانية، فهي الحاجة إلى إيجاد التوازن بين حق الطفل في الوصول إلى المعلومات وحرية التعبير عن الرأي، كما نصت عليهما اتفاقية حقوق الطفل وقانون حقوق الطفل الأردني، وبين حقه في الحماية من العنف والإساءة، بما في ذلك العنف الرقمي.
تشريعياً، يمكن القول إن قانون حقوق الطفل وضع إطاراً جيداً لهذه الحقوق عبر المواد 7، 8 و23، إذ تناول حق الطفل في الوصول إلى المعلومات، وحماية خصوصيته الرقمية، وحمايته من الجرائم الإلكترونية ومن الوقوع ضحية لها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟ بل: كيف نضمن تطبيق ما هو موجود بالفعل؟
لعل أبرز ما خرجت به النقاشات هو أن التحدي الحقيقي لم يعد في النصوص القانونية، وإنما في توفير السياسات والاستراتيجيات الناظمة لإنفاذها، سواء فيما يتعلق بقانون الجرائم الإلكترونية أو قانون حقوق الطفل.
وتحقيق ذلك يتطلب تطوير سياسات وطنية متكاملة تحت مظلة قانون حقوق الطفل والتشريعات ذات العلاقة، تضع تعريفات واضحة للحقوق والسلامة الرقمية للأطفال، بما يقلل من الغموض القانوني ويضمن التطبيق السليم للنصوص، ويوضح آليات الإنفاذ، ويعزز حماية خصوصية الأطفال في الفضاء الرقمي، وينظم العلاقة مع مقدمي الخدمات الرقمية، ويؤكد البعد الأخلاقي والتقني في تصميم التكنولوجيا من خلال تبني مبادئ التصميم الصديق للأطفال، أو ما يعرف بـ Child Friendly Design.
ولا يقتصر الأمر على السياسات الوطنية، بل يمتد أيضاً إلى مسؤولية المنصات الرقمية نفسها. فالحماية الرقمية لا تتحقق فقط من خلال توعية الأطفال أو متابعة الأهل، وإنما أيضاً عبر تطبيق معايير تصميم آمن تدمج حماية الطفل منذ اللحظة الأولى لتطوير المنصات والخدمات الرقمية، وتعزز مسؤولية الشركات في رصد المحتوى الضار والإبلاغ عنه، والحد من الممارسات التي تستغل سلوك الأطفال لإبقائهم متصلين لأطول فترة ممكنة.
وإذا أردنا البحث عن نماذج يمكن الاستفادة منها، فمن المفيد النظر إلى التجارب الدولية. فبينما اتجهت عدة دول إلى فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال والمراهقين، وكان أحدثها المملكة المتحدة، اختارت البرازيل مساراً مختلفاً وأكثر توازناً.
فبدلاً من التركيز على تقييد وصول الأطفال إلى المنصات، ركزت على تقييد عناصر التصميم التي قد تسبب الضرر لهم. فأصبحت المنصات مطالبة بإزالة أو الحد من خصائص مثل التمرير اللانهائي scrolling الذي يجعل التصفح مستمراً دون نقطة توقف طبيعية، وتعطيل التشغيل التلقائي للمحتوى الموجه للأطفال، ومنع الإشعارات المصممة للتأثير العاطفي والتلاعب بالمستخدمين الصغار، وحظر استهداف الأطفال بالإعلانات القائمة على تتبع سلوكهم.
وربما يمثل هذا النموذج مقاربة أكثر توازناً، لأنه لا يحرم الطفل من حقه في الوصول إلى المعلومات أو المشاركة في الفضاء الرقمي، بل يحمّـل المنصات جزءاً من مسؤوليتها في توفير بيئة رقمية أكثر أماناً
وفي ظل وجود لجنة وطنية، بقيادة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، تعمل حالياً على إعداد خطة وطنية للحماية الرقمية للأطفال، فقد يكون النموذج البرازيلي أحد النماذج الملهمة التي تستحق الدراسة. فالمطلوب ليس فقط الحد من تعرض الأطفال للمخاطر الرقمية، وإنما أيضاً الحد من أنماط التصميم المضللة التي تجعل من الصعب على الأطفال واليافعين مغادرة المنصات أو التحكم في استخدامهم لها، بالتوازي مع تعزيز برامج التوعية الموجهة للأطفال والأهالي، باعتبار أن الحماية الرقمية مسؤولية مشتركة بين التشريعات، والمنصات، والأسرة، والمؤسسات التعليمية.