هل غيّرت الحرب الإقليمية خريطة العمالة في الأردن؟

* العاملين بقطاعات السياحة والنقل والتجارة الإلكترونية في صدارة المتأثرين

* العاملين بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة والعائلية في دائرة التأثر

* خبراء: تأثيرات متفاوتة والاقتصاد ما زال يمتلك هامش مرونة

* العمالة غير المنظمة الأكثر هشاشة

* تراجع الطلب وارتفاع الكلف ينعكسان على الرواتب وفرص العمل

* تحذيرات من اتساع دائرة المتضررين مع استمرار الحرب

* دعوات لتعزيز الحماية ودعم القطاعات المتضررة
 

عمّان - رزان المومني
تُلقي الحرب الإقليمية بظلالها على سوق العمل في الأردن، لتعيد تشكيل خريطة العمالة في عدد من القطاعات الحيوية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع الكلف واضطراب سلاسل التوريد.

ولم تُقصر التداعيات على القطاعات الكبرى، بل امتدت لتشمل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والعائلية، التي تُعد أحد أهم محركات التشغيل في الاقتصاد المحلي، التي بدأت تعاني من تراجع في المبيعات وضغوط تشغيلية متزايدة.

وتكشف قراءة ميدانية لعشرات العمّال في قطاعات مختلفة عن مجموعة من التأثيرات، تمثلت في تراجع الدخل، وفقدان جزء من الرواتب أو العلاوات والزيادات، إلى جانب انخفاض الطلب على الخدمات وارتفاع كلف التشغيل.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن بعض القطاعات دخلت في حالة تباطؤ أو انكماش واضح، في حين يشيرون إلى أن الاقتصاد الأردني ما زال يمتلك هامشا من المرونة، رغم أن ذلك يرتبط بفاعلية أدوات الحماية الاجتماعية وقدرة القطاعات على التكيف.

وفي ظل هذا المشهد، تتزايد التحذيرات من اتساع دائرة المتأثرين في حال استمرار الحرب، ما يضع سوق العمل أمام اختبار جديد يرتبط بالاستقرار والقدرة على الصمود.

اتحاد النقابات: العمالة غير المنظمة الأكثر تضررا
يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمّال الأردن خالد الفناطسة إن العامل في ظل الأزمات الإقليمية والاقتصادية يُعد الحلقة الأضعف نسبيا ليس بمعناه المطلق وإنما لكونه الأكثر تأثرا بسرعة الصدمات والأقل امتلاكا لأدوات الحماية مقارنة بأصحاب العمل والمؤسسات الكبرى.

ويضيف أن أي اضطراب اقتصادي ينعكس مباشرة على العمّال، سواء في قطاعات السياحة أو النقل أو سلاسل التوريد، وتلجأ بعض الشركات عند تراجع الطلب أو ارتفاع الكلف إلى تقليص العمالة أو تجميد التوظيف كخيار أول لضبط النفقات.

ويشير الفناطسة إلى أن الأثر في الحالة الأردنية "موجود لكنه ليس بالحجم الذي يُروّج له أحيانا"، موضحا أن الاقتصاد الأردني أظهر درجة من الصلابة والقدرة على امتصاص جزء من الصدمة.

ويوضح أنه لا توجد حتى الآن أرقام رسمية دقيقة حول عدد الذين فقدوا وظائفهم، إلا أن المؤشرات تشير إلى تراجع في فرص العمل ببعض القطاعات، خصوصا السياحة والنقل مقابل ارتفاع العمل الجزئي وغير المستقر بدل الوظائف الدائمة.

ويؤكد أن العمالة غير المنظمة كانت الأكثر تضررا لغياب العقود الرسمية والحماية الاجتماعية والتعويضات وبخاصة في الأعمال اليومية والمهن الحرة والنقل الفردي التي يرتبط مداخيلها مباشرة بالحركة الاقتصادية.

في المقابل يلفت إلى أن العاملين في القطاع المنظم يتمتعون بدرجة أعلى من الحماية عبر العقود والضمان الاجتماعي وبعض برامج الدعم.

كما يشير إلى أن الحكومة تحركت عبر عدة مسارات، من بينها الحفاظ على استقرار السوق واستمرار برامج الحماية الاجتماعية عبر مؤسسة الضمان الاجتماعي، إلى جانب دعم غير مباشر لبعض القطاعات المتضررة للحفاظ على استمرارية التشغيل.

عايش: من السباكة إلى الطيران.. عمالة متأثرة 
يقول الخبير الاقتصادي حسام عايش إن الحرب انعكست على عدد واسع من القطاعات محليا وخارجيا، أبرزها السياحة والطيران والتجزئة نتيجة تراجع الطلب وارتفاع الأسعار، إضافة إلى قطاع النقل والخدمات المنزلية مثل السباكة وصيانة الأجهزة الإلكترونية والهواتف، والتي تعتمد على قطع مستوردة ارتفعت كلفها أو تراجعت وفرتها، ما أدى إلى انخفاض الإقبال عليها وتراجع دخل العاملين فيها.

ويوضح أن العاملين في النقل العام تأثروا بارتفاع أسعار المشتقات النفطية وتراجع حركة التنقل، إلى جانب قطاعات الضيافة والخدمات المرتبطة بها.

ورغم أن الصادرات والواردات لم تتأثر من حيث الإمداد بشكل مباشر، فإن ارتفاع كلف الشحن والمخاطر انعكس على عدد من القطاعات الإنتاجية والعمالية.

ويشير إلى أن معدل التضخم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام ارتفع بنحو 1.9 بالمئة، ما زاد الضغوط على الاستهلاك ورفع أسعار السلع، وانعكس على قطاعات مثل البناء والاستثمار نتيجة ارتفاع الكلف وتباطؤ المشاريع إضافة إلى السياحة العلاجية والضيافة.

ويؤكد أن العمالة في القطاعات غير المنظم كانت الأكثر تضررا وتشمل العاملين في الصيانة ووسطاء التجارة الإلكترونية المرتبطين بالشحن، وأدى ارتفاع أو توقف كلف الشحن إلى تراجع أو تعطل النشاط، ما تسبب بخسائر مباشرة لبعض العاملين.

ويلفت إلى أن بعض القطاعات تأثرت منذ اللحظة الأولى للحرب، مثل الطيران والسياحة والتجارة الإلكترونية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والعائلية، فيما تأثر بعضها الآخر بشكل تدريجي.

ويخلص إلى أن استمرار الأزمات يضغط على فئات تعتمد بشكل مباشر على الحراك الاقتصادي الداخلي، ما يستدعي تعزيز أدوات الحماية لضمان الاستقرار المعيشي.

دية: السياحة والعقارات والسيارات الأكثر تضررا
فيما يقول الخبير الاقتصادي منير دية إن الحرب الدائرة انعكست على الاقتصاد الأردني بدرجات متفاوتة بين القطاعات، وكان التأثير الأوضح على السياحة والقطاعات المرتبطة بها مثل المطاعم والفنادق والنقل السياحي والمكاتب السياحية، نتيجة إلغاء الحجوزات وتراجع حركة الطيران.

ويمتد التأثير إلى القطاعات الاستهلاكية، وبخاصة السلع الكمالية مثل الألبسة والعطور والهدايا والإكسسوارات والمفروشات، إضافة إلى السيارات وصيانتها والأدوات الكهربائية والعقارات، ما أدى إلى تباطؤ النشاط وتراجع فرص العمل.

ويشير إلى أن ارتفاع كلف الطاقة واضطراب سلاسل التوريد، إلى جانب ارتفاع أسعار الشحن والنقل أسهم في زيادة أسعار السلع بنسب متفاوتة، ما انعكس على دخل العمال وقدرتهم الشرائية.

ويؤكد أن العامل يبقى الحلقة الأضعف في الأزمات، وتلجأ بعض الشركات إلى تقليص العمالة أو خفض الرواتب والمكافآت، خاصة في القطاعات السياحية والاستهلاكية والموسمية، إضافة إلى إنهاء العقود المؤقتة والتأثير على العمالة غير المنظمة.

ويشدد على ضرورة دعم القطاعات المتضررة عبر السيولة والحوافز الضريبية، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وتأجيل بعض الالتزامات، إضافة إلى توفير تمويل منخفض الكلفة للحفاظ على العمالة.

ويختتم بأن حجم التأثير مرتبط بمدة استمرار الحرب، فكلما طال أمدها اتسعت دائرة القطاعات المتضررة وارتفعت احتمالات التسريح والإغلاقات، ما يضغط على تعافي الاقتصاد.