كيف سيغير الامتحان الإلكتروني مستقبل التوجيهي؟
شهد نظام امتحان الثانوية العامة التوجيهي في المملكة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحولات التدريجية، انتقل خلالها من النمط الورقي التقليدي المعتمد على الحفظ ،إلى نموذج أكثر تطورا يركز على الفهم والمهارات، وصولا إلى مشروع الامتحان الإلكتروني المعتمد على بنك الأسئلة الوطني، بهدف تطوير التعليم ومواكبة التحول الرقمي.
تتجه وزارة التربية والتعليم، نحو خطوة نوعية في قطاع التعليم، تتمثل في التحضير لتحويل امتحان الثانوية العامة التوجيهي إلى امتحان رقمي يعقد داخل قاعات حاسوب مجهزة.
وبحسب تصريحات رسمية، فإن النظام الجديد خضع لاختبارات تقنية وفحوصات للجودة والأمن السيبراني، وكان من المخطط البدء بتطبيقه خلال العام الحالي، على أن يبدأ العمل به فعليا اعتبارا من العام المقبل، بحيث يتقدم الطلبة للامتحان عبر أجهزة حاسوب بدلا من النظام الورقي التقليدي.
هذا التوجه أثار جدلا واسعا بين أولياء الأمور على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، ويعبر بعض الأهالي عن مخاوفهم من التجربة الجديدة وتأثيرها على الطلبة، ويرى آخرون أن شكل الامتحان ورقيا كان أم إلكترونيا لن يغير جوهر التحديات المرتبطة بمستقبل الطلبة وسوق العمل.
في المقابل، أبدت بعض الأسر تأييدها للخطوة باعتبارها انسجاما مع التطورات التكنولوجية الحديثة وضرورة لتحديث منظومة التعليم.
الخبير التربوي الدكتور عايش النوايسة يشير إلى أن هذا التحول يعد مسارا طبيعيا ومنطقيا ينسجم مع التحولات التي شهدتها منظومة التعليم عموما، والتي ترتبط بشكل مباشر بالتطورات التقنية والرقمية الحديثة، مثل رقمنة المناهج وتغير أساليب التدريس.
ويرى أنه من الطبيعي مواكبة هذه التطورات في مختلف جوانب العملية التعليمية، بما في ذلك جانب التقييم والاختبارات، وبالأخص امتحان الثانوية العامة، نظرا لما يتطلبه النظام التقليدي من جهد ووقت كبيرين في الإعداد والتنفيذ والتصحيح.
ويؤكد أن هناك تطورا عالميا في معايير القياس والتقويم، ومن الضروري أن يتم مراعاته والتماهي معه بشكل دقيق لضمان تحقيق العدالة في التعليم وتكافؤ الفرص بين الطلبة، مشيرا إلى أن هذا أحد الأهداف الأساسية لإنشاء بنك الأسئلة الوطني.
وفي السياق ذاته، يوضح مدير المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، محمد كنانة، أن هذا التوجه جاء نتيجة لحركة التطوير التربوي العالمية، وما رافقها من تحديث في إجراءات القياس والتقويم، إلى جانب إسناد مهمة التقييم وإدارة امتحان الثانوية العامة والاختبارات الوطنية إلى المركز، بعد أن كانت من مسؤوليات وزارة التربية والتعليم، مع استمرار التنسيق بين الجانبين.
ويشير كنانة إلى أن التطورات المتسارعة في مجالات التعليم، بما في ذلك التعليم الدامج والتوسع في استخدام التكنولوجيا، فرضت ضرورة تحديث النظام التعليمي ومواكبة التحول الرقمي، موضحا أن بنك الأسئلة يمثل نظاما برمجيا قادرا على إنتاج نماذج امتحانية متكافئة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلبة.
كما بين أن البنك يمر حاليا بمرحلة تجريبية تشمل أربعة مباحث هي، اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والتربية الإسلامية، وتاريخ الأردن، بهدف الوصول إلى نماذج دقيقة وموثوقة لبناء الاختبارات وفق معايير علمية واضحة.
ما هو بنك الأسئلة؟
يعد بنك الأسئلة نظاما برمجيا متقدما يضم قاعدة بيانات ضخمة من الأسئلة المصنفة وفق معايير علمية دقيقة، حيث تمر كل فقرة اختبارية بمراحل متعددة من التحليل والمراجعة والتجريب قبل اعتمادها.
وتشمل عملية بناء الأسئلة تحليل محتوى المنهاج، وإعداد جداول مواصفات تحدد مستويات الصعوبة والتوزيع، بما يضمن قياس مهارات متعددة لدى الطلبة، بما فيها مهارات التفكير العليا.
كما تخضع الأسئلة لتجارب ميدانية تقيس مستوى الصعوبة والتمييز وزمن الإجابة، إضافة إلى رصد أنماط الإجابة المختلفة، قبل اعتمادها بشكل نهائي ضمن البنك.
ويهدف هذا النظام إلى إنتاج نماذج امتحانية متكافئة تضمن العدالة في القياس، وإمكانية مقارنة النتائج بين الدورات الامتحانية المختلفة.
وفيما يتعلق بجودة الاختبارات ودقة التقييم في ظل التوجه نحو الامتحان الرقمي، يوضح عايش أن دور بنك الأسئلة الوطني سيكون محوريا وفعالا في تعزيز العدالة والدقة، خاصة مع الإجراءات العلمية المتبعة في بناء هذا البنك وتزويده بالفقرات الاختبارية وفق معايير دقيقة.
ويشير عايش إلى أن الجانب الرقمي بطبيعته يتميز بدرجة عالية من الدقة، خاصة أن مسؤولية إنشاء بنك الأسئلة أنيطت بالمركز الوطني للمناهج والاختبارات، حيث توجد وحدة متخصصة للقياس والتقويم تعمل وفق أسس علمية وبإشراف خبراء، مع تطبيق عمليات تجريبية على الفقرات الاختبارية وقياس مستويات الصعوبة والتمييز وفق معايير القياس والتقويم المعتمدة.
ويضيف أن عملية إعداد الاختبارات تمر بمرحلتين أساسيتين، تبدأ الأولى بتحليل محتوى المنهاج، ثم إعداد جدول مواصفات يحدد توزيع الفقرات على المادة الدراسية وفق مستويات الصعوبة المختلفة، السهلة والمتوسطة والعالية، إضافة إلى أسئلة تقيس مهارات التفكير العليا.
ويؤكد أنه وفق التصريحات السابقة في مجال القياس والتقويم، فإن التركيز سيكون غالبا على الأسئلة متوسطة الصعوبة باعتبارها الفئة التي تخاطب شريحة واسعة من الطلبة، دون إهمال المستويين الأدنى والأعلى، ضمن إطار علمي دقيق ومنهجي.
جاهزية البنية التحتية والتحديات التقنية
وفيما يتعلق بجاهزية المدارس، تؤكد الجهات المعنية وجود تنسيق بين وزارة التربية والتعليم ووزارة الاقتصاد الرقمي والمركز الوطني للمناهج لتجهيز القاعات الامتحانية.
وبحسب التقديرات، فقد جرى سابقا تجهيز ما يقارب ألف قاعة امتحانية مزودة بالبنية التقنية اللازمة، ضمن استعدادات أولية للمشروع.
ويؤكد عايش أن هناك حاجة لضمانات أمنية وتقنية، سواء من حيث توفر الكهرباء الاحتياطية أو تعزيز جودة الاتصال بالإنترنت داخل القاعات، بحيث لا يتأثر الامتحان في حال حدوث انقطاع، مع إمكانية استئناف الطالب للامتحان بشكل طبيعي بعد إعادة الاتصال.
كما يشير إلى وجود ضمانات متعلقة بالأمن السيبراني، حيث تتولى وزارة الاقتصاد الرقمي ووزارة التربية والتعليم مسؤولية هذا الجانب بشكل مشترك، ما يعزز من موثوقية النظام، رغم وجود بعض المخاوف الطبيعية، مؤكدا أن نجاح التجربة يتطلب قبولا ودعما تربويا ومجتمعيا لتسهيل عملية التحول الرقمي، مضيفا أن الطلبة اليوم يمتلكون القدرة على استخدام الأجهزة الإلكترونية، إلا أن الأهم هو تدريبهم على طريقة التعامل مع الامتحان نفسه، أي كيفية الانتقال بين الأسئلة والإجابة عليها بشكل منظم.
ومن المتوقع أن يتم تدريب طلبة الصفوف المعنية مسبقا، خصوصا جيل 2010، على استخدام النظام الإلكتروني، مع تنفيذ تجارب تدريبية داخل المدارس لضمان الجاهزية، موضحا أن القطاع الخاص بدأ بالفعل بتطوير منصات وبنوك أسئلة مشابهة، سواء لأغراض تعليمية أو تجريبية أو تسويقية، مما يعكس وجود منافسة في هذا المجال، إلا أن وزارة التربية والتعليم تبقى الجهة الرسمية المسؤولة عن الإشراف والتطبيق، مع تنفيذ برامج تدريب للمعلمين لنقل الفكرة للطلبة بشكل أوسع.
هذا وتشير خطط الوزارة إلى تنفيذ برامج تدريب مسبقة للطلبة، خاصة من الفئات المستهدفة مثل جيل 2010، بهدف تعريفهم بكيفية التعامل مع النظام الإلكتروني وآلية التنقل بين الأسئلة والإجابة عليها.
كما سيتم تدريب المعلمين على النظام الجديد لضمان نقل الخبرات إلى الطلبة، في حين بدأت بعض الجهات الخاصة بالفعل تطوير منصات تعليمية وبنوك أسئلة رقمية، ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو الرقمنة في قطاع التعليم.
ويرى مختصون أن النظام الجديد قد يسهم في تخفيف الضغط النفسي عن الطلبة، من خلال إتاحة فرص متعددة للتقدم للامتحان على مدار العام، بدلاً من الاعتماد على دورة امتحانية واحدة.
كما يتيح النظام مرونة أكبر في إعادة التقدم للاختبار خلال فترات زمنية أقصر، ما يقلل من حدة التوتر والانتظار الطويل، ويمنح الطلبة فرصاً تعليمية أكثر استمرارية.













































