من الخاص إلى الحكومي... رحلة مقعد دراسي تكشف ضغوط الأسر وتحديات التعليم

لم يعد ملف الانتقال من المدارس الخاصة إلى الحكومية مجرد إجراء إداري يبدأ بطلب نقل وينتهي بملف طالب ينتقل من مدرسة إلى أخرى، بل أصبحت بالنسبة لعائلات كثيرة رحلة بحث عن حل وسط بين رغبة الحفاظ على تعليم الأبناء وبين واقع اقتصادي يفرض إعادة ترتيب الأولويات.

ومع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد في 23 من الشهر الحالي، تتكرر مشاهد أولياء أمور يحملون أوراق أبنائهم أمام أبواب مديريات التربية والمدارس الحكومية، بحثا عن مقعد شاغر يضمن استمرار المسيرة التعليمية، بعد أن باتت الأقساط المدرسية، إلى جانب تكاليف النقل والاحتياجات التعليمية، تشكل ضغطا متزايدا على ميزانيات عدد من الأسر.

هذه الطوابير ليست إلا قصص إنسانية تكشف جانبا آخر من الأزمة، أسر فقدت مصدر دخلها، وأخرى تراجعت قدرتها على تحمل الأقساط، وأهال يبحثون عن مدرسة قريبة من مكان السكن لتقليل أعباء النقل والمواصلات.

بيانات وزارة التربية والتعليم  في مواسم سابقة، تشير إلى أن أكثر من 200 ألف طالب غادروا المدارس الخاصة إلى الحكومية ، وسط توقعات بارتفاع الأعداد إذا استمرت الأزمة الاقتصادية.

وفي عام 2022، تقدم 15 ألف طالب بطلبات انتقال، فيما استقبلت المدارس الحكومية مع بداية العام الدراسي 2023–2024 نحو 15,792 طالبا قادمين من الخاصة، مقابل 6,578 طالبا فقط انتقلوا من الحكومية إلى الخاصة.

وتأتي هذه الطلبات في وقت يستقبل فيه قطاع التعليم أكثر من 1.6 مليون طالب وطالبة في مختلف المدارس، موزعين على نحو 7843 مدرسة في المملكة، منها 4049 مدرسة تابعة لوزارة التربية والتعليم، و3532 مدرسة خاصة، وفق إحصاءات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2025/2026. 

تستحوذ المدارس الحكومية على النسبة الأكبر من الطلبة، إذ يبلغ عدد الطلبة في مدارس وزارة التربية والتعليم نحو مليون و340 ألف طالب وطالبة تقريبا، مقابل نحو 600  ألف طالب وطالبة في التعليم الخاص، بحسب بيانات الوزارة، مما يجعل أي ارتفاع في أعداد الطلبة المنتقلين إلى القطاع الحكومي تحديا يرتبط بالطاقة الاستيعابية والبنية التحتية والكوادر التعليمية.

 

نقل الطلبة مرتبط بالطاقة الاستيعابية

يوضح مدير إدارة التعليم في وزارة التربية والتعليم الدكتور أحمد المساعفة في حديثه لـ "عمان نت" أن انتقال الطلبة بين المدارس الحكومية والخاصة يخضع لأسس وتعليمات تعممها الوزارة مع بداية كل عام دراسي.

ويبين أن عملية النقل تبدأ بعد اعتماد النتائج المدرسية ومعرفة الطلبة لصفوفهم الجديدة، حيث يتقدم ولي الأمر إلى المدرسة التي يرغب بنقل ابنه إليها للحصول على الموافقة، ومن ثم يتم نقل ملف الطالب للالتحاق بالمدرسة الجديدة.

ويؤكد المساعفة أن قبول الطلبة يرتبط بالطاقة الاستيعابية للمدارس، مشيرا إلى أن بعض المدارس تشهد إقبالا مرتفعا بسبب قربها من مناطق السكن أو لأسباب تتعلق بسمعة المدرسة ومستوى العملية التعليمية فيها، موضحا أن بعض الصفوف تصل إلى الحد الأعلى من الطاقة الاستيعابية، وأن أي زيادة إضافية قد تؤثر على البيئة التعليمية وجودة التعليم، داعيا أولياء الأمور إلى التعاون في اختيار مدارس بديلة عند وجود اكتظاظ، خصوصا أن بعض المناطق تضم أكثر من مدرسة قريبة من أماكن السكن.

 بيانات وزارة التربية والتعليم الأخيرة تظهر حجم الضغط الواقع على المدارس الحكومية، إذ تضم المدارس نحو 59  ألف شعبة صفية، فيما يعمل فيها أكثر من 99  ألف معلم ومعلمة، مما يجعل استقبال أعداد إضافية من الطلبة مرتبطا بقدرة المدارس على توفير شعب وكوادر جديدة. 

 

 

وحول وضع بعض الطلبة على قوائم الانتظار، يوضح  أن السبب يعود في الأساس إلى الاكتظاظ داخل بعض الغرف الصفية، مشددا على أن التعليم الأساسي في المملكة تعليم إلزامي، وأن الوزارة ملتزمة باستقبال جميع الطلبة.

يأتي ذلك انسجاما مع المادة 20 من الدستور التي تنص على أن التعليم الأساسي إلزامي للأردنيين وهو مجاني في مدارس الحكومة، بما يجعل توفير التعليم الأساسي مسؤولية دستورية على الدولة.

كما ينسجم مع التزامات الأردن بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها عام 1991، والتي تؤكد في المادة 28 حق الطفل في التعليم واتخاذ التدابير اللازمة لجعل التعليم الأساسي متاحا للجميع.

بحسب تعليمات الوزارة تستمر فترة انتقال الطلبة حتى أسبوعين من بداية العام الدراسي، وخلال هذه الفترة تستمر عمليات النقل بين مختلف أنواع المدارس، سواء من الخاص إلى الحكومي أو العكس، أو بين المدارس الحكومية والخاصة، مشيرا المساعفة أن الوزارة لا تستطيع تحديد الأعداد النهائية للطلبة المنتقلين في الوقت الحالي، كون العملية ما تزال مستمرة، وأن الصورة الكاملة ستتضح بعد انتهاء فترة النقل الرسمية.

ويؤكد أن الوزارة تمتلك خيارات للتعامل مع أي زيادة محتملة، من بينها استلام مبان مدرسية جديدة، وفتح شعب إضافية، وإعادة توزيع الطلبة وفق خطط مديريات التربية والتعليم ودراسات الطاقة الاستيعابية لكل مدرسة.

 

خلفيات اقتصادية وراء قرار الانتقال

لكن خلف طلبات الانتقال من المدارس الخاصة إلى الحكومية، توجد أسباب اقتصادية مرتبطة بقدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم، إذ يرى المحلل الاقتصادي والاجتماعي حسام عايش أن هذه التحولات قد تكون مؤشرا على تغيرات في الوضع المالي للأسر.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الضغوط على سوق العمل، إذ بلغ معدل البطالة في الأردن 16.1% خلال الربع الأول من عام 2026، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، فيما بلغ معدل البطالة بين الأردنيين من الذكور والإناث 21.1% للفئة العمرية 15 سنة فأكثر. 

ويقول عايش إن ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب ثبات دخول كثير من الأسر أو نموها بوتيرة أقل من ارتفاع النفقات، دفع بعض العائلات إلى إعادة تقييم خياراتها التعليمية، خصوصا مع استمرار التزامات أخرى مرتبطة بالغذاء والسكن والنقل والخدمات.

 

 

ويشير إلى أن بعض الأسر التي كانت قادرة سابقا على تحمل أقساط التعليم الخاص أصبحت أمام معادلة مختلفة، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، خصوصا إذا لم تعد ترى أن الفارق بين التعليم الخاص والحكومي يبرر الأعباء المالية المرتفعة.

الحل بحسب عايش لا يكمن فقط في زيادة عدد المقاعد الدراسية، بل في الحفاظ على جودة التعليم باعتبارها العامل الأساسي في أي نظام تعليمي ناجح، مشيرا إلى أن جودة التعليم ترتبط بتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتوفير المختبرات، وإدخال التكنولوجيا، ومواكبة التحولات العلمية والرقمية.

هذا وتتعامل الوزارة مع احتياجات التوسع من خلال افتتاح مدارس جديدة، إذ تسلمت مع بداية العام الدراسي 2025/2026 نحو 30  مدرسة حكومية جديدة في مناطق مختلفة من المملكة، ضمن خططها لرفع القدرة الاستيعابية.