تعديل "الطريق" يثير مخاوف المزارعين ونواب يطالبون بضمانات دستورية

في وقت تسعى فيه الحكومة إلى المضي قدما في تنفيذ مشروع السكك الحديدية باعتباره أحد مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، تصاعد الجدل حول التعديل الذي أقره مجلس النواب على قانون الملكية العقارية، والمتعلق بإدراج السكك الحديدية ضمن تعريف الطريق، وما يترتب عليه من إمكانية تطبيق ما يعرف بالربع القانوني على الأراضي الواقعة ضمن مسارات المشروع.

وبينما ترى الحكومة أن التعديل يأتي ضمن إطار تحديث التشريعات العقارية وتسهيل تنفيذ مشاريع النقل والاستثمار، يحذر قانونيون ومختصون وناشطون في مجال البيئة والزراعة من أن الصياغة الجديدة قد تفتح الباب أمام استملاكات واسعة دون تعويضات عادلة، بما يهدد حقوق أصحاب الأراضي، خصوصا في المناطق الزراعية الخصبة في الأغوار الجنوبية.

ويرون أن القضية لا تتعلق فقط بمساحات الأراضي التي قد تدخل ضمن مسارات السكك الحديدية، بل تمتد أيضا إلى مفهوم المنفعة العامة، وحماية الملكية الخاصة، والأمن الغذائي، ومدى قدرة التشريعات على تحقيق التوازن بين تنفيذ المشاريع الوطنية وحقوق المواطنين.

 

ماذا يعني الربع القانوني ؟

يشكل مفهوم الربع القانوني محورا أساسيا في الجدل، وهو مبدأ عرفته التشريعات منذ قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية لسنة 1966، وارتبط باستخدامات التنظيم وإنشاء بعض المرافق العامة، وفق الحالات والشروط التي تحددها القوانين.

ويوضح مستشار العمارة والتصميم الحضري الدكتور المهندس مراد الكلالدة أن الربع القانوني لم يكن مفهوما مستحدثا، بل ارتبط تاريخيا بأعمال التنظيم والمرافق العامة، وأن فلسفة الربع القانوني تقوم على فكرة أن مالك الأرض يستفيد من أعمال التنظيم والمرافق العامة التي ترفع قيمة العقار وتعزز فرص استثماره، وبالتالي يساهم بجزء محدود من أرضه لتحقيق منفعة عامة.

إلا أن الجدل الحالي، بحسب الكلالدة، نشأ بعد توسعة تطبيق هذا المفهوم ليشمل السكك الحديدية، بعد أن كان مقتصرا على الطرق أو توسعتها، معتبرا أن إدخال السكك الحديدية ضمن تعريف الطريق يحمل آثارا قانونية ومالية كبيرة.

 

 

ويصف الكلالدة التعديل بأنه جاء على حد تعبيره بعقلية محاسبية لا بعقلية سياسية، موضحا أن حساب الوفورات المالية على الخزينة أو المستثمر لا يكفي عند اتخاذ قرارات تمس الملكية الخاصة، إذ يجب النظر أيضا إلى الكلفة الاجتماعية ومدى تأثير القرار على ثقة المواطنين بعدالة الدولة.

من جانبها تؤكد المحامية ورئيسة الباحثين القانونيين في المركز الوطني للعدالة البيئية ليلى السامرائي في حديثها لـ عمان نت  أن القضية لا ترتبط فقط بنصوص قانونية، بل بحقوق آلاف المزارعين وأصحاب الأراضي الذين يعتمدون عليها كمصدر رزق.

وتشير السامرائي إلى أن العديد من المتضررين ليسوا متخصصين في القانون، مما يجعل مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني والمحامين تتمثل في تبسيط آثار هذه التعديلات والدفاع عن حقوقهم.

وتستند السامرائي إلى المادة 11 من الدستور التي تنص على أنه لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسب ما يعين في القانون، مؤكدة أن أي تشريع يجب أن يبقى منسجما مع هذه القاعدة الدستورية.

 

 

وترى أن الإشكالية الأساسية تكمن في مدى تحقق شرط المنفعة العامة، متسائلة عما إذا كانت المشاريع التي تدار بعقلية استثمارية وتخدم جهات محددة تحقق المنفعة العامة بالمفهوم الدستوري.

كما تنتقد آلية التعويض المقترحة، موضحة أنها تعتمد على تقدير إداري وليس على القيمة السوقية الحقيقية للعقار، مما يجعل الجهة المستملكة في موقع تحديد قيمة التعويض، معتبرة أن ذلك يضعها في موقع الحكم والخصم في الوقت ذاته.

وتضيف أن الضرر لا يقتصر على الأراضي التي سيتم استملاكها مباشرة، بل يشمل الأراضي المجاورة التي قد تفقد قيمتها الاقتصادية نتيجة صعوبة استخدامها أو بيعها أو تطويرها.

لا يقتصر الجدل على الجانب القانوني، إذ يمثل تأثير المشروع على الأراضي الزراعية أحد أبرز مصادر القلق لدى المزارعين والجهات المدافعة عن البيئة.

وتوضح السامرائي أن الأراضي المتأثرة ليست أراضي غير مستغلة، وإنما أراضٍ زراعية تعد من أهم مناطق الإنتاج في المملكة، وتعتمد عليها آلاف الأسر في تأمين مصادر دخلها.

وتحذر من أن فقدان هذه الأراضي قد ينعكس على الأمن الغذائي من خلال زيادة الاعتماد على الاستيراد وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية، إضافة إلى فقدان فرص العمل للأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، مشيرة إلى مخاطر بيئية محتملة تشمل تدهور خصوبة التربة وزيادة التصحر والتأثير على المياه والهواء وصحة السكان المحليين.

 

الحكومة: مشروع السكك الحديدية ركيزة للتحديث الاقتصادي

في المقابل، تؤكد الحكومة أن مشروع السكك الحديدية يأتي ضمن مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية وخطط التحديث الاقتصادي، ويهدف إلى تطوير منظومة النقل وتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية والتجارة.

ويستهدف المشروع ربط موانئ العقبة بالميناء البري المقترح في معان، وربط المنطقة الصناعية الجنوبية وميناء حاويات العقبة بالشبكة الرئيسية للسكك الحديدية، بما يدعم نقل الفوسفات والبوتاس والأسمدة والبضائع المختلفة، ويسهم في خفض كلف النقل وتعزيز كفاءة حركة التجارة.

ويتضمن المشروع مسارا جديدا داخل العقبة بطول يقارب 35 كيلومترا، إضافة إلى وصلات لربط ميناء حاويات العقبة والمنطقة الصناعية الجنوبية بالشبكة الرئيسية.

ويقول وزير النقل ووزير العمل الدكتور نضال القطامين إن المشروع يستجيب للتحولات في الممرات التجارية وسلاسل التوريد العالمية، ويستفيد من الموقع الجغرافي للأردن لتعزيز دوره في حركة التجارة بين الخليج العربي وبلاد الشام والأسواق العالمية.

ويضيف أن المشروع لا يقتصر على تطوير قطاع النقل، وإنما يمثل مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا يمكن أن يسهم في خفض الكلف اللوجستية، ورفع تنافسية الصادرات، وتحفيز الاستثمار، ودعم قطاعات الصناعة والتعدين والزراعة، إلى جانب توفير فرص عمل وتعزيز التنمية في المحافظات التي يمر بها المسار.

وبحسب الحكومة، تبلغ الكلفة التقديرية للمشروع نحو 2.3 مليار دولار، ويمتد لمسافة تقارب 360 كيلومترًا، بطاقة استيعابية تصل إلى 16 مليون طن سنويًا، ضمن تصور لشبكة سكك حديدية وطنية تربط مناطق المملكة مستقبلًا وتمتد نحو دول الجوار.

ويأتي تنفيذ المشروع من خلال شراكة أردنية إماراتية، في إطار توجه لتعزيز البنية التحتية والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

 

النواب: الاعتراض ليس على السكك الحديدية بل على طريقة التنفيذ

من جانبها، تؤكد النائب ديما طهبوب أن الاعتراض النيابي لم يكن على مشروع السكك الحديدية، وإنما على الآلية التشريعية التي رافقتهن موضحة أن إضافة السكك الحديدية إلى تعريف الطريق ليست مجرد إضافة تعريفية، بل يترتب عليها إدخالها ضمن مفهوم المنفعة العامة، وبالتالي إمكانية تطبيق الربع القانوني واقتطاع جزء من الأراضي دون تعويض.

وتشير إلى أن غالبية النواب خلال جلسة النقاش الأولى كانوا يميلون إلى رفض التعديل، وأن المشروع شهد عددا كبيرا من المخالفات والملاحظات القانونية والفنية، قبل أن تأتي نتيجة التصويت لاحقا مخالفة للتوقعات.

وتؤكد أن السكك الحديدية المخصصة لنقل البضائع والمواد الخام تختلف عن سكك نقل الركاب، حيث انها قد ترفع قيمة الأراضي المحيطة بها بسبب النشاط التجاري والخدماتي، بينما قد تؤدي وسيلة النقل لغايات التجارة إلى آثار عكسية مثل انخفاض قيمة الأراضي وارتفاع الضوضاء وصعوبة الوصول إليها.

 

 

وتبرز قضية مزارعي الأغوار الجنوبية كأحد الملفات الأكثر حساسية في هذا الجدل، حيث تشير طهبوب إلى أن مجموعة من المزارعين من غور الصافي وغور فيفا أثاروا مخاوف تتعلق بأراض زراعية تم الاستحواذ عليها سابقا لصالح شركة البوتاس، دون تعويضات كافية وفق ما يؤكدون.

وتوضح أن القضية لا تتعلق فقط بمسار السكة الحديدية، بل بحماية الأراضي الزراعية من تغيير استخدامها أو استملاكها لأغراض غير زراعية، مطالبة  بإقرار تشريعات خاصة تحمي الأراضي الزراعية باعتبارها جزءًا من الأمن الغذائي الوطني، داعية الحكومة إلى اتخاذ موقف واضح تجاه دعم القطاع الزراعي وإعادة النظر في الأراضي التي لم تعد مستخدمة للغرض الذي استملكت من أجله.

ويتفق الكلالدة مع طهبوب بقوله أن معالجة تحديات مشاريع البنية التحتية لا يجب أن تكون عبر توسيع تعريفات قانونية قد تؤثر على الملكية الخاصة، وإنما من خلال التخطيط المسبق ووضع خرائط واضحة لممرات البنية التحتية.

ويؤكد أن إصدار قانون للتخطيط والتنظيم العمراني يمكن أن يوفر إطارا أكثر شمولا، بحيث يعرف المواطن مسبقا مسارات الطرق والسكك الحديدية وخطوط الخدمات العامةن معتبرا أن وجود مخططات واضحة سيقلل النزاعات ويضمن أن يكون القضاء هو المرجعية في أي خلاف يتعلق بالاستملاك والتعويض.