ياغي: غياب التهيئة قد يحرم أشخاصاً ذوي إعاقة من التعليم والعلاج والعمل.. والنقل أحد أكبر العوائق

قالت العين آسيا ياغي، رئيسة جمعية "أنا إنسان" لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إن مشكلة الوصول والتهيئة البيئية في الأردن لا تقتصر على الأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما تمس شريحة واسعة من المواطنين، مؤكدة أن الرصيف والمواصلات والمباني والخدمات يجب التعامل معها باعتبارها حقوقاً أساسية تتيح للإنسان الحركة والاستقلال والمشاركة.

وأضافت ياغي، خلال استضافتها في برنامج "صوت شبابي" الذي تقدمه هديل الصعبي على راديو البلد، أن واقع الأرصفة في عدد من المحافظات، ومنها الزرقاء، يجعل التنقل اليومي تحدياً للأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرة إلى أن المشكلة تبدأ من غياب الرصيف المهيأ أو ارتفاعه، ولا تنتهي عند وجود عوائق مثل السيارات والبضائع والأشجار والمنشآت التي تعترض طريق المشاة.

وقالت إن مفهوم حق المواطن في استخدام الرصيف ما يزال بحاجة إلى مزيد من الوعي، موضحة أن الرصيف لا يخدم الأشخاص ذوي الإعاقة فقط، وإنما تحتاج إليه أيضاً المرأة الحامل، وكبار السن، والأشخاص الذين يستخدمون العكازات أو الكراسي المتحركة، والأمهات اللواتي يدفعن عربات الأطفال.

وأشارت إلى أن المطلوب لا يقتصر على توفير ممر للمشاة، وإنما توفير منظومة متكاملة تحمي الإنسان من حركة السيارات وتتيح له الوصول إلى وجهته بأمان واستقلالية.

النقل يحرم أشخاصاً من التعليم والعلاج

وركزت ياغي على مشكلة النقل باعتبارها إحدى أكثر القضايا تأثيراً في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، موضحة أن تهيئة الحافلة وحدها لا تكفي، إذ يجب أن تكون الرحلة بأكملها مهيأة، بدءاً من الوصول إلى محطة الحافلات، مروراً بالرصيف والممرات، وصولاً إلى الصعود والنزول ومعرفة المسار.

وقالت إن مشروع الباص سريع التردد يمثل أحد المنجزات المهمة في مجال النقل المهيأ، لكنه لا يصل إلى جميع المناطق، مشددة على الحاجة إلى وسائل نقل إضافية، بينها سيارات أجرة مهيأة تسمح بدخول مستخدم الكرسي المتحرك إليها، وبكلفة يستطيع المواطن تحملها.

وأضافت أن مشكلة النقل قد تؤدي إلى حرمان الأشخاص ذوي الإعاقة من حقوق أساسية، بينها التأهيل والعلاج والتعليم، لأن الأسرة قد تعجز عن تحمل كلفة التنقل المتكرر إلى المراكز المتخصصة.

وقالت ياغي إن المشكلة تصبح أكثر صعوبة عندما تضم الأسرة أكثر من شخص من ذوي الإعاقة، لأن كلفة النقل والعلاج والتأهيل والتعليم تتراكم، وتتحول التهيئة الغائبة إلى عبء اقتصادي مباشر على الأسرة.

"المشكلة ليست في الإعاقة بل في التهيئة"

وشددت ياغي على أن عدم تهيئة البيئة المحيطة قد يؤثر في حياة الشخص منذ طفولته، مشيرة إلى أن الطفل قد يفقد فرصة التعليم أو العلاج بسبب عدم قدرته على الوصول إلى المدرسة أو المركز المتخصص.

وضربت مثالاً بالحالات التي تحتاج إلى جلسات نطق متواصلة، موضحة أن عدم الانتظام في الحصول على هذه الجلسات يمكن أن يؤدي إلى فقدان الطفل جزءاً من قدرته على الكلام.

وقالت إن المشكلة في مثل هذه الحالات لا تكمن في الإعاقة نفسها، وإنما في غياب البيئة المهيأة والوعي المجتمعي الذي يسمح للشخص بالحصول على الخدمات التي يحتاجها.

وأضافت أن أثر المشكلة يمتد لاحقاً إلى مرحلة الشباب وسوق العمل، إذ إن الشخص الذي لا يستطيع الوصول إلى التعليم والتأهيل والخدمات منذ طفولته قد يجد نفسه أمام عوائق إضافية عندما يحاول الاندماج في المجتمع والعمل.

المدن المهيأة تخدم الجميع

ورأت ياغي أن مشاريع التهيئة النموذجية في بعض المناطق مهمة، لكنها يجب ألا تبقى محصورة في مشروع أو شارع أو مبنى محدد، بل تتحول إلى معيار في تصميم المدن والمرافق العامة.

وقالت إن إنشاء رصيف منخفض عند ممر المشاة، أو مدخل واسع لمبنى، أو ممر مناسب للكرسي المتحرك، لا يخدم الأشخاص ذوي الإعاقة وحدهم، وإنما يستفيد منه جميع المواطنين.

وأشارت إلى أن الإشارات الضوئية المهيأة، والممرات المناسبة، والمدارس والعيادات ومراكز البيع التي تراعي احتياجات الوصول، يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من أفراد المجتمع.

وأضافت أن الإنفاق على التهيئة لا ينبغي النظر إليه دائماً باعتباره عبئاً مالياً إضافياً، لأن تحسين الوصول يمكن أن يخفف أيضاً من كلفة النقل والمساعدات التي تتحملها الأسر والحكومة.

وقالت إن تمكين طالب من الوصول إلى مدرسته سيراً بسبب وجود رصيف مهيأ، على سبيل المثال، قد يغنيه عن استخدام وسيلة نقل، ما يخفف الكلفة عن الأسرة والحكومة في الوقت نفسه.

القانون موجود والتطبيق يحتاج إلى رقابة

وفي حديثها عن التشريعات، قالت ياغي إن القانون المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يتضمن أحكاماً واضحة بشأن الترتيبات البيئية والتهيئة، مشيرة إلى أن هناك تطبيقات فعلية على الأرض، لكنها لا تزال دون مستوى الطموح.

وأضافت أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من الرقابة والوعي، إلى جانب استمرار العمل على تطبيق القانون.

ودعت المواطنين أنفسهم إلى ممارسة دور رقابي في حياتهم اليومية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإغلاق المداخل أو ممرات الكراسي المتحركة أو الوقوف أمام المنحدرات المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة.

وقالت إن مسؤولية التهيئة لا تقع على الحكومة وحدها، وإن صاحب المحل، على سبيل المثال، يستطيع عند تجديد محله أن يراعي وجود مدخل مناسب ومنحدر يسمح للأشخاص باستخدام الكراسي المتحركة بالدخول والخروج.

وشددت على أن تغيير السلوك اليومي للمواطنين جزء أساسي من معالجة المشكلة، معتبرة أن الرقابة المجتمعية يمكن أن تكمل الرقابة الرسمية، خصوصاً في المخالفات التي تحدث في الشوارع والمداخل والأرصفة.

الزرقاء نموذجاً أولياً

وتحدثت ياغي عن الجهود القائمة للعمل على منطقة نموذجية مهيأة في الزرقاء، إلى جانب العمل على تهيئة حدائق ومدارس وجامعات ووسائل نقل.

وكان الناطق الإعلامي باسم المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، راف الزيتاوي، قد أشار خلال الحلقة إلى العمل على مذكرة تفاهم بين المجلس وبلدية الزرقاء، بهدف تهيئة منطقة نموذجية في المحافظة واختيار عدد من الحدائق والأماكن العامة لتكون مهيأة بصورة كاملة للأشخاص ذوي الإعاقة.

وأكدت ياغي أهمية هذه المشاريع، لكنها شددت على ضرورة أن تتحول التجارب الناجحة إلى قاعدة عامة في التخطيط والتنفيذ، بحيث تكون التهيئة جزءاً من تصميم الشوارع والمباني والمرافق منذ البداية، وليس تعديلاً لاحقاً على مشروع قائم.

وقالت إن المدينة المهيأة لا تعني مدينة مخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، وإنما مدينة يستطيع الجميع استخدامها بسهولة وأمان.

مسؤولية المجتمع تبدأ من التفاصيل اليومية

ودعت ياغي إلى تعزيز مفهوم المسؤولية المجتمعية، مشيرة إلى أن كثيراً من التغييرات لا تحتاج بالضرورة إلى موازنات ضخمة.

وقالت إن المواطن الذي يجدد محله أو واجهته يستطيع إجراء تعديلات بسيطة على المدخل والرصيف، بما يسهل دخول الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم.

كما دعت المواطنين إلى التدخل عند رؤية مركبة تغلق مدخلاً مخصصاً للأشخاص ذوي الإعاقة أو تعيق استخدام الرصيف، معتبرة أن تغيير هذه السلوكيات يحتاج إلى استمرار التوعية وعدم التوقف عن الحديث عن المشكلة حتى لو شعر البعض بالملل من تكرارها.

وربطت ياغي بين التهيئة والانتماء للمجتمع، معتبرة أن قدرة المجتمع على مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة موجودة بالفعل، وأن تحويل هذه الرغبة إلى ترتيبات عملية في الشوارع والمباني ووسائل النقل يمكن أن يجعل الوصول أكثر سهولة للجميع.

وأعربت عن أملها في أن يشهد الأردن خلال السنوات المقبلة تغيراً ملموساً في الأرصفة ووسائل النقل والمرافق العامة، مع الإقرار بأن بعض المناطق، خصوصاً وسط الزرقاء وعمان، تواجه تحديات عمرانية تجعل عملية التهيئة أكثر صعوبة.

وقالت إن الوصول إلى نموذج أكثر شمولاً ممكن، وإن ما تحقق في بعض وسائل النقل والجامعات يمثل مؤشراً على إمكانية توسيع التجربة لتشمل قطاعات ومناطق أخرى.

وتأتي تصريحات ياغي في وقت عرضت فيه الحلقة تقريراً من الزرقاء حول الصعوبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في الوصول إلى الخدمات، بدءاً من الأرصفة والمواصلات، وصولاً إلى المدارس ومراكز العلاج والتأهيل، وما يترتب على ذلك من أعباء إضافية على الأسر.

وفي ختام الحلقة، عرض برنامج "صوت شبابي" تجربة مختلفة من البتراء، من خلال مقهى مجتمعي يعمل فيه أشخاص من ذوي الإعاقة، في نموذج يربط الدمج بفرص العمل والمشاركة الاقتصادية، ويقدم مثالاً على إمكانية الانتقال من الحديث عن الدمج إلى توفير فرص فعلية في سوق العمل.