بعد تسع سنوات من التوقف.. الأردن يعيد تنفيذ أحكام الإعدام ويتجه لتوسيع نطاقها

بعد نحو تسع سنوات على آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام، عاد هذا الملف إلى الواجهة مجددا مع تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت بحق ستة محكومين في قضايا تدخل ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة، في خطوة اعتبرتها الحكومة بداية لمرحلة جديدة في السياسة العقابية، لن تقتصر على تنفيذ الأحكام المتراكمة، بل قد تمتد إلى توسيع نطاق الجرائم التي تستوجب هذه العقوبة، وعلى رأسها الجرائم المرتبطة بالشبكات الإجرامية الكبرى لتهريب وتجارة المخدرات.

ويأتي تنفيذ الأحكام الأخيرة بعد توقف منذ عام 2017، حين نفذت السلطات أحكام الإعدام بحق 15 محكوما، بينهم مدانون بقضايا إرهابية وآخرون بجرائم قتل جنائية، وذلك بعد استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة.

ومنذ ذلك الحين استمرت المحاكم بإصدار أحكام الإعدام في القضايا التي يجيزها القانون، إلا أن تنفيذها توقف، لتتراكم الأحكام القطعية بحق عشرات المحكومين.

ومع إعلان رئيس الوزراء جعفر حسان توجه الحكومة لإجراء تعديلات تشريعية توسع تطبيق عقوبة الإعدام، خاصة بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالشبكات الإجرامية المنظمة، عاد الجدل القانوني والحقوقي حول هذه العقوبة إلى الواجهة، بين من يراها ضرورة لحماية المجتمع وردع الجريمة، ومن يدعو إلى الحد من استخدامها انسجاما مع التوجهات الدولية.

وفي السياق، يشير وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، إلى أن أكثر من 100 محكوم بالإعدام يقبعون حاليا في مراكز الإصلاح والتأهيل، مؤكدا أن تنفيذ الأحكام بحقهم سيتم تباعا وفق الإجراءات الدستورية والقانونية المعمول بها.

في المقابل، يدعو عدد من مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية المناهضة لعقوبة الإعدام في المملكة إلى وقف ما يصفونه بالقتل القضائي والدعوة لحماية الحق في الحياة.

كما يعمل المركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو مؤسسة وطنية مستقلة مرتبطة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبأحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على رصد وتقييم العقوبات وإصدار تقارير دورية توصي بضرورة إلغاء العقوبة أو تقييدها والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وعلى الصعيد الدولي، تعمل منظمة العفو الدولية دورا بارزا في رصد وتوثيق أحكام الإعدام وتوجيه انتقادات ومطالبات مستمرة لوقف العمل بهذه العقوبة بشكل نهائي.

 

الإعدام لم يلغ... والتنفيذ هو الذي توقف

رغم الاعتقاد لدى البعض بأن الأردن جمد أو ألغى عقوبة الإعدام، إلا أن الواقع القانوني يختلف عن ذلك تماما، فالعقوبة ما تزال قائمة في التشريعات المعمول بها، وتنص عليها مواد متعددة في قانون العقوبات، إلى جانب قوانين خاصة، أبرزها قانون المخدرات والمؤثرات العقلية، وقانون منع الإرهاب، إضافة إلى تشريعات تتعلق بالجرائم الواقعة على أمن الدولة، فيما واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام خلال السنوات الماضية، واستمرت محكمة التمييز في تدقيقها وإقرارها في القضايا التي تستوجب ذلك.

ويؤكد أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية الدكتور ليث نصراوين أن النقاش الدائر حاليا يخلط بين مسألتين مختلفتين، الأولى تتعلق بتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة سابقا، والثانية تتعلق بالتوسع في الجرائم التي تستوجب هذه العقوبة.

ويقول لـ"عمان نت" إن عقوبة الإعدام لم تلغ من التشريع الأردني، كما أنها لم تجمد من الناحية القانونية، وإنما الذي توقف خلال السنوات الماضية هو تنفيذ الأحكام، بسبب عدم استكمال الإجراء الدستوري اللازم لتنفيذها.

ويوضح أن الحكومات السابقة كانت تمتنع، لأسباب سياسية أو أمنية أو تقديرية، عن رفع التنسيب إلى الملك للموافقة على تنفيذ الأحكام، وهو ما أدى إلى بقاء عدد كبير من المحكومين بالإعدام داخل مراكز الإصلاح والتأهيل رغم صدور أحكام قطعية بحقهم.

ويضيف أن الحكومة الحالية أعلنت بوضوح عودتها إلى ممارسة صلاحيتها الدستورية في التنسيب بتنفيذ الأحكام، وهو إجراء لا يحتاج إلى تعديل دستوري أو قانوني، لأن الصلاحية قائمة أصلا في الدستور.

 

 

 

ماذا يقول الدستور؟

ينظم الدستور الأردني تنفيذ عقوبة الإعدام من خلال المادة 39، التي تنص على أن لا ينفذ حكم الإعدام إلا بعد تصديق الملك، وكل حكم من هذا القبيل يعرضه مجلس الوزراء مشفوعا ببيان رأيه.

يعني ذلك أن تنفيذ حكم الإعدام لا يكتمل بمجرد صدور حكم قضائي قطعي، بل يمر بثلاث مراحل متتابعة، صدور حكم قطعي بعد استنفاد جميع درجات التقاضي، وتنسيب مجلس الوزراء بتنفيذ الحكم، وصدور الإرادة الملكية بالموافقة على التنفيذ.

ويبين نصراوين أن هذه الضمانة الدستورية جاءت بالنظر إلى جسامة العقوبة، باعتبارها تمس الحق في الحياة، وهو ما يبرر إخضاعها لإجراءات استثنائية لا تخضع لها بقية العقوبات ، مؤكدا أن القانون الأردني يحيط عقوبة الإعدام بسلسلة من الضمانات القضائية والدستورية، فلا يجوز تنفيذ الحكم قبل أن يصبح قطعيا بعد استنفاد جميع طرق الطعن، بما في ذلك التمييز، كما لا يجوز عمليا تنفيذ حكم غيابي دون منح المحكوم عليه حق إعادة المحاكمة بعد القبض عليه أو تسليم نفسه.

ويضيف أن القانون يكفل كذلك حق كل متهم في القضايا التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام بالحصول على محام للدفاع عنه، وفي حال عجزه عن توكيل محام، تتولى الدولة تعيين محام على نفقتها، بما يضمن توفير محاكمة عادلة وفق الضمانات الدستورية والقانونية.

ويرى أن هذه الإجراءات تجعل تنفيذ العقوبة تطبيقا للقانون، لا خروجا عليه، متى ثبتت الجريمة وصدر الحكم وفق الأصول القانونية.

وحول إعلان الحكومة وجود أكثر من 100 محكوم بالإعدام داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، يقول نصراوين إن المؤشرات الحكومية توحي بأن تنفيذ الأحكام لن يقتصر على الدفعة الأولى، بل سيستمر على مراحل مبينا أن تحديد أسماء المحكومين ومواعيد التنفيذ والفواصل الزمنية بين كل دفعة وأخرى يدخل ضمن صلاحيات مجلس الوزراء، الذي يوازن بين الاعتبارات الأمنية والمصلحة العامة عند اتخاذ قراراته.

 

الردع... بين القانون والاجتماع

يعتقد نصراوين أن تنفيذ الأحكام القطعية بالإعدام يحقق نوعين من الردع، الأول ردع خاص يمنع المحكوم عليه من العودة إلى ارتكاب الجريمة، والثاني ردع عام يوجه رسالة إلى المجتمع بأن الجرائم التي تمس أمن الدولة أو حياة المواطنين ستواجه بأشد العقوبات.

ويشير إلى أن القضايا التي نفذت فيها الأحكام مؤخرا اشتركت جميعها في أنها استهدفت رجال الأمن والأجهزة الأمنية، وهو ما يعكس رسالة واضحة مفادها أن الاعتداء على الأمن الوطني يمثل خطاً أحمر.

من جانبه، يرى الخبير الاجتماعي البروفيسور حسين الخزاعي أن توقف تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2017 لم يؤد إلى انخفاض معدلات الجريمة، بل تزامن مع ارتفاع جرائم القتل.

ويقول إن عدد جرائم القتل ارتفع من 129 جريمة عام 2024 إلى 142 جريمة عام 2025، معتبرا أن هذا الارتفاع يستدعي مراجعة السياسة العقابية وتفعيل العقوبات الرادعة.

ويؤكد أن عقوبة الإعدام تحقق ردعا فعليا، لأن الجاني يدرك أن ارتكاب الجريمة قد ينتهي بفقدان حياته، بخلاف السجن المؤبد الذي يبقيه على قيد الحياة رغم أن الضحية فقدت حياتها بصورة نهائية.

ويضيف أن تجربة الأردن في الفترات التي كانت تنفذ فيها أحكام الإعدام أظهرت انخفاضا في معدلات الجريمة، كما دفعت كثيرا من المحكومين إلى السعي لإجراء مصالحات وإسقاط الحق الشخصي أملاً في تخفيف العقوبة إلى الأشغال المؤبدة.

ويرى الخزاعي أن حماية المجتمع تبقى أولوية، حتى في ظل وجود اتفاقيات دولية تتناول عقوبة الإعدام، معتبراً أن حق المجتمع في الأمن لا يقل أهمية عن بقية الحقوق.

 

 

خلفية تاريخية لعقوبة الإعدام في الأردن

نفذت عقوبة الإعدام في الأردن عبر السنوات  الماضية بين التنفيذ والتوقف المؤقت، دون صدور قرار رسمي بإلغائها أو تجميدها بشكل نهائي، وخلال الفترة ما  بين عامي 2000 و2006، نفذ 41 حكما بالإعدام في قضايا تتعلق بالقتل العمد، والإرهاب، والجرائم الجنسية. 

وفي عام 2005، أشار الملك عبد الله الثاني إلى رغبة الأردن، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، في مراجعة قانون العقوبات، مع احتمال التوجه نحو تقليص أو وقف تطبيق عقوبة الإعدام مستقبلا، وهو ما تلاه وقف مؤقت لتنفيذها بدأ فعليا عام 2006.

وبين عامي 2006 و2014، توقفت عمليات التنفيذ، رغم استمرار المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مختلفة، وخلال تلك الفترة، امتنع الأردن في مناسبتين عامي 2008 و2010 عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام.

وفي أواخر عام 2014، أعادت السلطات تفعيل تنفيذ العقوبة بعد توقف دام نحو ثماني سنوات، حيث أعدم 11 شخصا شنقا في كانون الأول من ذلك العام، جميعهم مدانون بجرائم قتل وقعت في عامي 2005 و2006، وجاء ذلك بعد تشكيل لجنة حكومية لدراسة إعادة العمل بالعقوبة، وسط جدل داخلي حول ارتفاع معدلات الجريمة كما أثار القرار انتقادات من منظمات حقوقية دولية.

نفذت السلطات حكم الإعدام في شباط 2015، بحق ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي، بعد إدانتهما في قضايا مرتبطة بالإرهاب، وذلك عقب حادثة مقتل الشهيد الطيار معاذ الكساسبة على يد تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي عام 2016، أوصت لجنة حكومية بإعدام 13 متهما من أصل نحو 80 قضية خضعت للمراجعة، ثم شهد يوم 4 مارس 2017 تنفيذ حكم الإعدام بحق 15 شخصا، عشرة منهم في قضايا إرهاب مرتبطة بهجمات استهدفت السفارة الأردنية في بغداد عام 2003، وهجوم عمان عام 2006، ومخططات إرهابية أُحبطت لاحقا، إضافة إلى قضايا قتل واغتصاب قاصرين.

منذ ذلك العام، تواصل تراكم أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم، حيث قدر عدد المحكومين بالإعدام بحلول 2017 بنحو 120 شخصا، بينهم عدد من النساء، في ظل استمرار الجدل حول تنفيذ هذه العقوبة أو الإبقاء عليها ضمن نطاق ضيق.

وعلى الصعيد الدولي، لا يحظر القانون الدولي عقوبة الإعدام بشكل مطلق، إذ يجيزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه الأردن عام 1975، مع تقييد استخدامها بالجرائم الأشد خطورة، واشتراط ضمانات المحاكمة العادلة وحق الاستئناف والعفو أو تخفيف العقوبة.

في المقابل، يدعو البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد نفسه إلى الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام، وهو ما لم يصادق عليه الأردن، ما يعني أنه لا يزال يحتفظ بحق تطبيقها ضمن منظومته القانونية الوطنية، مع الالتزام بالمعايير الدولية ذات الصلة.

وتشير الاتجاهات الدولية الحديثة إلى تزايد عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام أو أوقفت تنفيذها عمليا، مقابل استمرار دول أخرى في تطبيقها بدرجات متفاوتة من حيث الجرائم والإجراءات القانونية.