خبراء: مخزون غذائي آمن والأسعار التحدي الأكبر وسط مطالبات بتصفير ضرائب الطاقة

مع تسارع وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة والتوترات المتزايدة بين الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت الأنظار تتجه بقلق إلى ما يمس مس حياة المواطن اليومية، وفي مقدمتها ملفا الغذاء والطاقة.

ورغم التطمينات الرسمية بتوفر مخزون استراتيجي مريح من السلع الأساسية، إلا أن التداعيات غير المباشرة قد تلقي بظلالها على الأسواق المحلية، وسط مخاوف جدية من اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن العالمي التي بدأت تنعكس تدريجيا على هيكلية الأسعار في الداخل.

يؤكد خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن الأردن يتمتع بحالة من الأمان الكمي في الغذاء، مشيرا إلى أن مخزون القمح والشعير يغطي احتياجات المملكة لمدة تتراوح بين 9 إلى 10 أشهر، فيما تكفي السلع الأساسية الأخرى لأكثر من 4 أشهر.

ويعزز هذا الاستقرار، وفق الزعبي قدرة القطاع الزراعي المحلي على تغطية نحو 60% من السلة الغذائية وزنا، إلى جانب مساهمة التصنيع الغذائي في تلبية نصف الاستهلاك المحلي، مما يمنح المملكة مرونة عالية في مواجهة الصدمات الخارجية.

البيانات الرسمية لوزارة الصناعة والتجارة أن المملكة نجحت في بناء مصدات أمان غذائية صلبة، حيث تظهر الأرقام توفر مخزون من مادة القمح يتجاوز 1.1 مليون طن، وهي كمية تكفي للاستهلاك المحلي لمدة تصل إلى 10  أشهر ونصف، مدعومة بسعة تخزينية هائلة في صوامع العقبة وإقليم الوسط الجيزة والجويدة.

ورغم ذلك، يشدد الزعبي على أن التهديد الحقيقي لا يكمن في نقص الكميات، بل في ارتفاع الأسعار، نتيجة ارتباط السوق المحلي بالأسواق العالمية.

إستمع الآن

 

السيناريوهات المستقبلية

وحول السيناريوهات المستقبلية، يشير الزعبي إلى أن الأردن لا يكتفي بما لديه بل يواصل تعزيز مخزونه عبر تعاقدات توريد جديدة، مبينا أن المنطقة أمام ثلاثة مسارات، الأول هو استمرار التصعيد المتسارع الذي سيرفع كلف الطاقة وبالتالي كلف المدخلات والسماد والنقل والتبريد، والثاني هو التهدئة الجزئية التي قد تمنح استقرارا نسبيا وفرصة لتحسين خطط التخزين رغم بقاء المخاطر، أما الثالث فهو النجاح الدبلوماسي والهدنة المستدامة التي ستؤدي إلى استئناف سلاسل الإمداد واستقرار الأسعار تدريجيا.

ويؤكد الزعبي أن التهديد الحقيقي يكمن في ارتفاع الأسعار وليس في نقص الكميات، موضحا أن أوروبا تظل الشريك التجاري الاستراتيجي الأهم للمملكة، وأن الاضطرابات في ممرات مائية كباب المندب ستنعكس بشكل رئيسي على زيادة كلف الشحن والتأمين والنفط، محذرا  من أن هذه الارتفاعات ستثقل كاهل الأسر الهشة، نظرا لارتباط السوق المحلي بالأسعار العالمية كونه سوقا مفتوحا يتأثر فورا بأي تغيير في بلد المنشأ أو كلف النقل العالمية.

تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO)  تحذر من أن اضطرابات ممر باب المندب رفعت كلف التأمين البحري بنسب تتراوح بين 20% إلى 30%، مما يفرض ضغوطا تضخمية على السلع المستوردة كالأرز والسكر، ويجعل من الزراعة الذكية واستخدام تقنيات توفر 90% من المياه ضرورة وجودية للأمن القومي الأردني.

وفيما يخص السلع الأكثر تأثرا، يتوقع الزعبي أن يطال الارتفاع الجميع، حتى السكر المستورد من أمريكا اللاتينية عبر البحر المتوسط بسبب كلف التأمين والنقل العالمي، إلا أن التأثر المباشر سيكون في الأرز المستورد من شرق آسيا وجنوبها، وفي المقابل، يطمأن بأن طرق استيراد القمح من رومانيا تظل مفتوحة، مشددا على ضرورة حماية قطاع الدواجن والبيض الذي حقق فيه الأردن اكتفاء ذاتيا، وذلك عبر ضمان استمرار توفر الأعلاف والذرة بأسعار معقولة.

ويشير الزعبي إلى أن تحديد خارطة طريق للحكومة لتعزيز الأمن الغذائي، ترتكز على ضرورة تحفيز القطاع الخاص لزيادة قدراته التخزينية لتصل إلى 6 أشهر بدلا من 3، من خلال معالجة كلف التخزين المرتفعة التي ترهق المستوردين، داعيا إلى دعم الإنتاج المحلي عبر إدخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة لتقليل استهلاك المياه ومعالجة أزمة الشح المائي، مؤكدا أن التحول نحو الزراعة المستدامة والتقنيات المتطورة هو السبيل الوحيد لتقليل الارتهان لتقلبات الأسعار العالمية وضمان استقرار الغذاء للملايين.

 

الطاقة التحدي الأكبر

ويصف المحلل الاقتصادي والسياسي فهمي الكتوت الحرب الجارية في المنطقة، والتي يشنها الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة ضد إيران، بأنها عدوان إمبريالي صهيوني يحمل تداعيات خطيرة تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية لتلقي بظلالها على الإقليم بأكمله. 

ويوضح الكتوت في قراءته للمشهد أننا أمام مواجهة مفتوحة المسارات، لا يمكن لأحد التنبؤ بمدى اتساعها أو توقيت نهايتها، مشيرا إلى أن قضية الطاقة برزت كجوهر رئيسي للمخاوف العالمية، نظرا للأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط ومضيق هرمز في توريد إمدادات النفط للعالم، وهو ما أدى بالفعل إلى قفزات حادة في الأسعار العالمية وصلت إلى عتبة الـ 100 دولار للبرميل، مما يشكل عبئا ثقيلا ومباشرا على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وتأتي هذه القراءة في وقت يؤكد فيه وزير الطاقة والثروة المعدنية الدكتور صالح الخرابشة أن الحكومة ستبذل جهودا مضنية للتخفيف عن كاهل المواطنين، مشيرا إلى أن الأردن يراقب بدقة تقلبات الأسواق العالمية لضمان استدامة التزويد الطاقي.

وفيما يخص التأثيرات المباشرة على الأردن، يبين الكتوت أن المملكة، كغيرها من الدول المستوردة للطاقة، ستتأثر بشكل عميق بهذا الارتفاع، خاصة وأن النفط والغاز يدخلان في صلب كافة القطاعات الحيوية، بدءا من توليد الكهرباء وصولا إلى النقل ومختلف الأنشطة الإنتاجية. 

 

 

ويؤكد أن وصول سعر البرميل إلى هذا المستوى المرتفع يمثل ضغطا هائلا ليس فقط على الموازنة العامة، بل على القوة الشرائية للمواطن وعلى كلف الإنتاج في الصناعة والسياحة، مشددا على أن الطاقة مادة ارتكازية يؤدي اهتزاز أسعارها إلى اهتزاز مجمل المنظومة الاقتصادية والخدمية في البلاد.

وحول الخيارات المتاحة أمام الحكومة للتخفيف من وطأة هذه الأزمة، يوضح أن الحكومة تفرض ضرائب تصل إلى نحو 50% على بنزين 90، ونسبا أعلى على بنزين 95، بالإضافة إلى ضرائب على السولار والكاز، معتبرا أن الدولة تملك الصلاحية والإمكانية لإعفاء المواطن والقطاعات الاقتصادية من هذه الضرائب، سواء بشكل كلي أو جزئي، لضمان عدم انعكاس الارتفاع العالمي على تفاصيل الحياة اليومية وكلف المعيشة.

ويشدد الكتوت على أن أي تنازل حكومي عن الإيرادات الضريبية للمحروقات في هذه المرحلة لا يعد خسارة حقيقية للخزينة، بل هو استثمار لحماية الاقتصاد الكلي من الدخول في نفق مظلم من الركود التضخمي، مشيرا إلى أن خفض الضريبة إلى حد الصفر إذا لزم الأمر سيعزز من قدرة القطاعات الصناعية والسياحية على الاستمرار في الإنتاج وتقديم الخدمات بأسعار معقولة، ويحافظ على القوة الشرائية للمواطنين، مؤكدا أن الضريبة المرتفعة أصلا على المحروقات تؤثر سلبا على نمو القطاعات كافة، وأن المرحلة الحالية التي قد تكون قصيرة الأمد تتطلب إجراءات استثنائية لحماية الاستقرار الاقتصادي.

ويشير الكتوت إلى أن لجنة تسعير المشتقات النفطية التي تجتمع شهريا، أمامها فرصة في مراجعتها المقبلة لشهر نيسان لتطبيق هذه المقترحات، داعيا الحكومة إلى اتخاذ قرار جريء بترك هوامش الضريبة عند مستويات ضئيلة جدا أو تصفيرها لهذا الشهر، لإنقاذ الاقتصاد من الدخول في وضع أصعب، معترفا بأن ذلك قد يؤثر على الايرادات المقدرة في الموازنة، لكنه يؤكد أن كلفة حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار أو التراجع الحاد هي أولوية قصوى تتجاوز الحسابات النقدية الضيقة للخزينة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الإقليم.