خبراء: فرص غير مستغلة في قطاع الطاقة كانت كفيلة بتقليل أثر الأزمات الإقليمية

في ظل الارتفاعات العالمية بأسعار النفط والغاز، يعود الحديث ملف الطاقة مجددا إلى الواجه، وسط وجود مشاريع وفرص لم تستثمر بالشكل الكافي، كان من شأنها الحد من تأثر المملكة بالأزمات المتلاحقة. 

ورغم انقطاع الأردن شوطا كبيرا في تنوع مصادر الطاقة وتعزيز الاتفاقيات الدولية، إلا أن خبراء يرون أن هذه الجهود لم تصل بعد إلى مستوى الاستفادة القصوى.

تعد مشاريع الصخر الزيتي والطاقة المتجددة من أبرز هذه الفرص، إذ يؤكد وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة أن التوسع فيها كان من الممكن أن يقود إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء، ويحد من تداعيات الارتفاعات المفاجئة في أسعار الوقود عالميا.

من جهته، يشير خبير الطاقة محمد الزعبي إلى أن الأردن بدأ التفكير مبكرا في الطاقة المتجددة منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الاستثمار فيها لم يكن بالمستوى المطلوب، رغم توفر الإمكانات لتحقيق اكتفاء ذاتي يقترب من 90%، موضحا أن مساهمة الطاقة المتجددة اليوم تبلغ نحو 27% من استهلاك الكهرباء، وهي نسبة قابلة للارتفاع إذا ما أتيح للمواطنين امتلاك أنظمة طاقة صغيرة تستخدم كاحتياطي في أوقات الأزمات.

كما يبرز مشروع أنبوب النفط العراقي الأردني من البصرة إلى العقبة كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية المؤجلة، فرغم طرحه قبل 4 سنوات، لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، مع أنه كان كفيلا بتأمين مصدر مستقر للنفط، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل، إلى جانب تنشيط حركة ميناء العقبة، خصوصا في ظل التحديات الأمنية التي تواجه مسارات التصدير التقليدية، بحسب خبراء الطاقة.

تنفيذ مثل هذه المشاريع كان سيمنح الأردن قدرة أكبر على مواجهة الأزمات وتقلبات الأسعار، ويقلل من اعتماده على الاستيراد، معتبرين أن الظرف الراهن يشكل فرصة لإعادة تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المحلية والمتجددة.


الطاقة المتجددة.. تقدم دون طموح

رغم البداية المبكرة للأردن في تبني الطاقة المتجددة، إلا أن مسارها شهد تباطؤا قبل أن يستعيد زخمه خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس فجوة بين الإمكانات المتاحة وحجم الاستفادة الفعلية.

يؤكد الزعبي أن الأردن كان من الدول الرائدة إقليميا في تبني الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلا أن مسار التنفيذ شهد تباطؤا ملحوظا حتى العقد الأخير، حين بدأت هذه المشاريع تأخذ موقعا فعليا ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة، ومضيفا أن الخطط الأولية كانت متحفظة، إذ لم تتجاوز حصة الطاقة المتجددة 5%، قبل أن ترتفع تدريجيا إلى نحو 27–28% حاليا.

وتتوافق هذه الأرقام مع البيانات الرسمية لوزارة الطاقة والثروة المعدنية، التي تشير إلى ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة من أقل من 1% قبل عام 2014 إلى نحو 27% بحلول نهاية عام 2024، في إطار توجه حكومي لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز أمن الطاقة.

وفي تعليقه على إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي، يؤكد الزعبي أن الوصول إلى نسبة 90% كان هدفاً واقعياً، مع الإبقاء على نسبة محدودة من الاستيراد لضمان استقرار الشبكة، ما كان سيقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الخارج.

 

 

 

تشريعات مقيدة تحد من مشاركة المواطنين

تلعب البيئة التشريعية دورا حاسما في تسريع أو إبطاء نمو قطاع الطاقة، وهو ما انعكس بشكل واضح على وتيرة التوسع في الطاقة المتجددة في الأردن.

يرجع الزعبي تباطؤ التوسع في الطاقة المتجددة إلى جملة من التشريعات التي حدت من مشاركة المواطنين، لافتا إلى أن نظام صافي القياس الذي كان يسمح بإنتاج الكهرباء وطرح الفائض على الشبكة، استبدل لاحقا بنظام صافي البيع، مما قلص الجدوى الاقتصادية ودفع العديد من المؤسسات إلى التراجع عن الاستثمار.

ورغم ذلك، يشير إلى أن رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى مستويات أعلى يبقى ممكنا، مستشهدا بتجارب دول تصل فيها النسبة من 40 إلى 50% من الاستهلاك اليومي.

كما يدعو إلى تمكين المواطنين من امتلاك أنظمة طاقة صغيرة بقدرة تصل إلى 5 كيلوواط خارج الشبكة، تستخدم كحل احتياطي في حالات الطوارئ، بما يعزز مرونة النظام الكهربائي ويخفف الضغط عليه.

ويؤكد أن التطورات التكنولوجية، خاصة في مجال تخزين الطاقة، تجعل من إمكانية الاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة تصل إلى نحو  90% خلال العقدين المقبلين خيارا واقعيا، مع الحفاظ على استقرار الشبكة.

في المقابل، تواصل الحكومة العمل على تحديث الإطار التشريعي لقطاع الطاقة، بهدف تشجيع الاستثمار ورفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 30% بحلول عام 2030، بما يشمل توسيع نطاق إنتاج الطاقة الذاتية للمواطنين.

 

أنبوب البصرة العقبة.. مشروع مؤجل

وعلى الصعيد الإقليمي، يظل مشروع أنبوب النفط العراقي الأردني أحد أهم المشاريع الاستراتيجية المؤجلة، رغم تاريخه الممتد لأكثر من أربعة عقود من النقاشات، ويهدف المشروع إلى إنشاء خط أنابيب يمتد من البصرة إلى ميناء العقبة، ما يوفر للعراق منفذاً بديلاً للتصدير، ويعزز موقع الأردن كممر إقليمي للطاقة.

وفي 29 آذار 2026، أعلنت وزيرة الطاقة السابقة هالة زواتي أن العراق استكمل التحضيرات اللازمة للمشروع، بانتظار المصادقة النهائية من مجلس الوزراء العراقي، تمهيدا لتوقيع الاتفاق وبدء التنفيذ، ويتضمن الاتفاق تزويد الأردن بنحو 150 ألف برميل يوميا، إلى جانب فتح أسواق جديدة للنفط العراقي.

كما يؤكد وزير الطاقة الأردني الأسبق، الدكتور إبراهيم سيف، أن المشروع يقترب من مرحلة التنفيذ، وأن الجانبين يتعاونان على رسم المعالم الفنية الأولى للأنبوب، مع التأكيد على أهميته للجانبين العراق والأردن ومصر باعتباره مشروعا إقليميا يخدم الاقتصاد ويخلق فرص عمل، 

ومن جانبه يشير السفير العراقي لدى الأردن، حيدر منصور العذاري، إلى أن المباحثات الفنية بين الجانبين قد دخلت مرحلة متقدمة جداً وجدية، مع حرص القيادة العراقية على إنجاز منظومة المشروع بالتنسيق مع الأردن ومصر.

وبدوره يؤكد الخبير في مجال الطاقة عامر الشوبكي، أن فكرة مشروع أنبوب النفط من البصرة إلى العقبة ليست جديدة، بل تعود لأكثر من أربعة عقود، وكانت تهدف إلى إيجاد منفذ جديد للعراق لتصدير نفطه عبر ميناء العقبة، ما يوفر حلولا بديلة لتصدير النفط العراقي ويزيد من فرص العمل. وأوضح أن هذه الفكرة كانت دائماً مطروحة لدى العراقيين في محاولة لتطبيق خطط تصدير مزيد من النفط.

ويشير الشوبكي إلى أن العراق حاليا يصدر نحو 3.7 مليون برميل يوميا، مع خطط مستقبلية لزيادة الإنتاج قد تصل إلى نحو مليون برميل إضافي سنويا،م ما يعكس اعتماد العراق شبه الكامل على النفط في إيرادات الدولة، والتي تشكل نحو 95% من إجمالي الإيرادات، مضيفا إلى أن وجود أنبوب النفط إلى العقبة كان يمكن أن يوفر حلولا بديلة لتصدير النفط في ظل الأزمات الحالية، حيث يواجه العراق صعوبات كبيرة بسبب إغلاق منافذه التقليدية نتيجة الوضع الأمني والحرب الحالية.

 

 

بخصوص مساهمة المشروع في تقليل المخاطر الجيوسياسية على الأردن، يؤكد الشوبكي أن المشروع كان سيعود بالنفع على الأردن بعدة طرق، منها تشغيل العمالة المحلية، وتحقيق إيرادات من الرسوم المتعلقة بعبور النفط، بالإضافة إلى إمكانية حصول الأردن على كميات من النفط العراقي بشكل مجاني لتلبية احتياجاته اليومية التي تصل نحو 100 ألف برميل يوميا. 

كما كان من المخطط تطوير ميناء العقبة ليصبح ميناء نفطيا نشطا، مما يزيد من حركة الميناء وإيراداته، فضلا عن إمكانية إنشاء مصفاة لتصدير بعض المشتقات النفطية المستخلصة من النفط العراقي.

وفيما يتعلق بإمكانية إعادة النظر في المشروع أو إحيائه خلال الفترة المقبلة، يرى الشوبكي أن الظروف الحالية تجعل ذلك احتمالا واردا جدا، مشيرا إلى أن العراق يواجه الآن أزمة حقيقية في التصدير بعد إغلاق منافذه التقليدية، مضيفا أن انخفاض تأثير إيران على القرار العراقي في المستقبل قد يزيد من جدية العراقيين في التفكير مجددا في تنفيذ المشروع، خاصة في ظل الحاجة الماسة لإعادة تشكيل خريطة تدفقات النفط في المنطقة.