الأردن صوت العقل والاعتدال في منطقة مضطربة..هل يصبح نموذجا؟

 حين تنظر إلى خريطة الشرق الأوسط اليوم، يصعب أن تجد بقعةً محاطةً بهذا الكمّ من الاضطراب دون أن تمتص شيئاً منه. الأردن تفعل ذلك منذ عقود، وهذا لوحده يستحق التأمل..(كيف فعلت الممكلة ذلك)؟

لا يبدو الأردن، بمساحته المحدودة وشُحّ موارده الطبيعية، مرشحاً بديهياً لدور الدولة المحورية. لكن في منطقة تتعاقب فيها الأزمات — من حرب العراق إلى سوريا إلى فلسطين ولبنان والربيع العربي وجدت المملكة نفسها تؤدي دوراً أكبر من حجمها الجغرافي بكثير: ليس بالقوة العسكرية، بل بشيء أكثر ندرةً في هذه المنطقة، وهو الثبات المؤسسي، المبني على الدستور وحكم القانون، ونظام لم يكن متفردا أو مبنيا على سفك الدماء في تاريخه مستمدا ذلك من إرث الهاشميين.

ثمة إغراء دائم بتفسير الاستقرار الأردني على أنه محض حظ جغرافي أو رعاية دولية، غير أن هذا التفسير يُسقط من الحسبان عوامل داخلية حقيقية: منظومة أمنية تعمل باحترافية واضحة، قضاء يحتفظ بالاستقلالية وفصل السلطات، وبيروقراطية مدنية متماسكة نسبياً في محيط يتساقط فيه كثير من المؤسسات.

المواطن الأردني العادي يعيش تحت ضغوط اقتصادية حقيقية — ارتفاع في تكاليف المعيشة، وبطالة بين الشباب لا تُحلّ بمجرد الإعلان عن مبادرات. لكنه في الوقت ذاته يعيش في دولة لا يخشى فيها أن تختفي خدمة الكهرباء لأيام (كدول عربية كبيرة بالموارد والجغرافيا) أو أن يصحو على خبر انهيار العملة فجأة. هذا التمييز، وإن بدا بسيطاً، هو في جوهره ما تفتقده دول مجاورة كثيرة.

في سوريا التي تحاول اليوم أن تجمع شتات دولتها بعد سنوات من التدمير الممنهج، وفي لبنان الذي يمر بانهيار مركّب طال مؤسساته قبل اقتصاده، تبرز مسألة جوهرية: كيف تبدأ إعادة بناء دولة؟

النموذج الأردني لا يقدم وصفةً جاهزة — ولا ينبغي له ذلك، فالسياقات مختلفة والجروح أعمق في تلك الدول. لكنه يقترح مبدأ أساسياً: أن الاستقرار لا يُبنى من القمة عبر شخصيات كاريزماتية أو أيديولوجيات تعبوية، بل يُبنى من خلال مؤسسات تعمل كل يوم بصرف النظر عمّن يجلس في القصر. جهاز قضائي يمشي الملف فيه وفق قواعد لا وفق وجوه، وخدمة مدنية يعرف موظفها ماذا يعمل غداً بقدر ما يعرفه اليوم.

سوريا ولبنان في مرحلة إعادة تأسيس فعلية. والسؤال الذي يطرحه المراقبون ليس فقط من يحكم، بل كيف تحكم الدولة حين يغيب الحاكم أو يتبدّل. هذا السؤال تجيب عنه المؤسسة، لا الشخص.

في عمّان، بعيداً عن لغة التقارير الرسمية، تلتقي بشاب من ذوي الكفاءات يعمل في مشروع تقني ناشئ تلقّى دعمه من إحدى منظومات الريادة الحكومية. يخبرك أن ما حصل عليه لم يكن كافياً، لكنه كان موجوداً — وهذا في حد ذاته كان فارقاً. وتلتقي بامرأة سورية لاجئة تعيش في الزرقاء منذ اثني عشر عاماً، تتحدث عن الهدوء الذي يُتيح لها أن تفكر في المستقبل لا أن تعيش مقطوعةً عنه. هذه الحيوات الفردية هي في نهاية المطاف المقياس الحقيقي لأي نموذج حوكمة.

التنمية البشرية في الأردن لا تزال عملاً قيد الإنجاز — وهو ما لا يُخفيه المسؤولون الأكثر صراحةً. لكن الاستثمار في التعليم والصحة وبرامج الحماية الاجتماعية رسّخ نسيجاً اجتماعياً أصمد أمام ضغوط كان يمكن أن تُفككه.

في المشهد الإقليمي، تبدو الوسطية أحياناً كلمةً فضفاضة يوظفها كل طرف لصالحه. لكن حين يُختبر الأردن عملياً — في ملفات كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو العلاقة مع طهران وواشنطن في آنٍ واحد، أو إدارة ملف اللاجئين الذي يُحمّله ما يفوق طاقته — يتضح أن الوسطية هنا ليست موقفاً فلسفياً بل خياراً استراتيجياً تفرضه البراغماتية والحاجة.

هذا لا يعني أن الأردن يخلو من تناقضات أو انتقادات مشروعة. لكنه يعني أن ثمة نهجاً قابلاً للقراءة والتحليل، وهذا في حد ذاته نادر.

في اعتقادي حين تبحث دولٌ مثل سوريا ولبنان عن مرجعيات لإعادة بناء عقدها الاجتماعي، فإن البعيد جغرافياً ليس بالضرورة هو الأكثر إلهاماً. الأردن، بكل نقاط قوته وإخفاقاته، يقف على بعد ساعات قيادة ويمثل تجربة حيّة لا يزال بإمكان الجيران استقراء دروسها — إن توافرت الإرادة لذلك.