أردنيون يحلمون بسقف أسمنتي يقيهم المطر

أردنيون يحلمون بسقف أسمنتي يقيهم المطر

ليست حياة الترحال والعيش في الخيم التي طبع عليها بعض الناس هي ما يدفع أكثر من 100 عائلة "أردنية" لاختيار الخيمة مكاناً للسكن، ولكن سكناهم في هذه الخيم التي لا تمنع عنهم برد الشتاء وأمطاره يقف وراءه الفقر والعوز

وهذا ما تؤكده إحدى النساء التي تتمنى " لو غرفة وحدة " لتأويها هي وزوجها وأبناؤها.

أما محمد الذي ولد في هذا المكان فيقول " من وين نجيب مصاري، لو في أرض الواحد بسكن ببيت بس عشان المادة ما في قدامنا غير الخيم."
 
القصة بدأت منذ أعوام طويلة لبعض الأشخاص الذين ولدوا في هذا المكان، وكبروا فيه، وهم على وشك إنجاب أول أبنائهم في نفس المكان، حيث لا كهرباء، ولا شبكات صرف صحي، ولا أي شكل من أشكال الراحة والحياة الكريمة.

الفقر والبطالة هي ما يجمع أغلب سكان هذا التجمع من الخيم التي يتناثر بينها عدد من المنازل البسيطة هنا وهناك، فهذا لا يعمل لأنه مريض، وآخر لا يجد عملاً، والثالث يفترض مسبقاً عدم وجود فرص عمل حتى للمتعلمين فكيف سيتوفر عمل له وهو لم يكمل صفوف الدراسة الأولى.

أما من يعملون فإن المهنة الأساسية لغالبيتهم هي الزراعة والعمل في حقول الآخرين في مواسم الزرع والحصاد، وهي مهنة لا توفر لهم الكثير من المال ولا تسد رمقهم ورمق أبنائهم.

لا تعيش عائلات الخيم في وادي التيم ترف أن تمتلك دورات مياه، أو حتى أن يقف أحدهم أمام المغسلة ليغسل يديه أو يمسح وجهه، فالمياه تأتيهم بالصهاريج ليشتروا ال 3 أمتار بثمانية دنانير.

أما الكهرباء فيحصل عليها البعض ممن حوله من أهالي المنطقة الذين يتبرعون بتوصيل أسلاك الكهرباء إلى الخيم، ومن لم تتوفر له هذه الهبة يمضي الليل على ضوء الفانوس.

ولمشاهدة التلفاز يستخدم أهالي المنطقة بطاريات السيارات ليشحنوا بها التلفاز الذي يقدم لهم خياراً واحداً هو التلفزيون الأردني، في زمن العالم بين يديك بكبسة زر، وأصبح الإنسان يشعر أنه يتنقل بين دول العالم بمجرد الضغط على الريموت كنترول.

وفي حالة المرض فإن المركز الصحي الحكومي هو المقصد، لكن المركز لا يوفر الأدوية للأمراض المستعصية التي تبقى دون علاج لتسوء حالتها مع الأيام.

محمد مثال على هذه الحالات، فهو مريض بالصرع، ومع عدم توفر العلاج ساءت حالته، وازدادت النوبات، وهو الآن يقضي أيامه مربوطاً داخل الخيمة التي يشاركه فيها أخته وأمه التي لم تترك وسيلة لمداواته إلا وجربتها " والله داويت في لما كعيت وتعبت، وهذا هو مربوط في العريشة، لم أجد له علاجاً."

أما أم حسن فلديها ولدين من ذوي الإعاقة وعن حالها تقول " لا أستطيع إطعامهم ولا أستطيع أن أجلب لهم الملابس، لا أعرف ماذا أفعل، أتمنى ان يساعدني احد لأدعو له ليلاً نهاراً."

وزارة التنمية الاجتماعية التي تزور المكان بين الفينة والأخرى تقدم مساعدات لبعض العائلات لكن مبالغ هذه المساعدات قليلة وصلت في حدها الأعلى بين من التقيناهم إلى 148 دينار لعائلة مكونة من ثمانية أشخاص .

من بين هؤلاء الأشخاص تأتي حليمة وهي فتاة استطاعت أن تتحدى ما وجدت نفسها فيه من ظروف صعبة وأن تجتاز امتحان الدراسة الثانوية، وهي الآن طالبة في جامعة مؤتة، يساعدها في تسديد أقساطها فاعلة خير على حد تعبيرها، ورغم ما تتعرض له حليمة من انتقادات وسخرية في بعض الأحيان فهي مصرة على تحقيق هدفها.

حليمة هي الوحيدة التي تدرس في الجامعة من بين سكان الخيم في وادي التيم وعن هذا تقول حليمة " هناك بنات نجحوا في امتحان الدراسة الثانوية لكن أهلهن لم يسمحوا لهن بإكمال دراستهن لعدم توفر المال."

ربما لا يكترث أهالي وادي التيم بارتفاع أسعار أسطوانة الغاز، أو التهاب أسعار الكاز، لأن الغاز والكاز بالنسبة لهم ترف زائد،

فالحطب هو وسيلة التدفئة لديهم، وهو فرن إعداد الطعام الذي نادراً ما يتوفر، ومن أن يأتي الحطب " نجده أحياناً ملقى على جانب الطريق، أو نشتري" الشوال" بدينار.


أما الأمطار فهي ضيفهم الذي يشاركهم منامتهم ويقض مضاجعهم، ولا تمنعه جدران الخيمة من الدخول، ويأتي رجال الدفاع المدني ليعلموهم كيفية التعامل مع المياه، وتصريفها.

الخبز المغمس بالشاي، العدس والخضراوات، وفي أحيان قليلة جداً الدجاج، هذا هو ملخص طعام هؤلاء، فلا موائد ممدودة، ولا طعام زائد عن الحاجة.

وللأطفال قصة أخرى، فعلى الرغم من واقعهم المرير فإن البسمة لا تفارق وجوههم البريئة، وعلى الرغم من ملابسهم الرثة وأجسادهم الملوثة ، فإنهم يحلمون بمستقبل أفضل، عندما تدعوهم للتصوير يجتمعون بسرعة وهم يتضاحكون، وعندما تسألهم ماذا يريدون أن يصبحوا يجيبونك بأصوات متداخلة " أستاذ، مدرسة، لاعب كرة قدم......"

أحمد طفل بين أطفال الخيم، يميزه عنهم هدوؤه ومظهره المرتب، اقتربت منه لأسأله عن حياته، فقال لي أنه الابن الوحيد لعائلة لديها ثلاث بنات غيره، والده يعمل في البناء، ولدى سؤاله ماذا يريد أن يصبح في المستقبل قال " أريد أن أصبح طياراً" وهو ما أثار سخرية الأطفال الآخرين

وادي التيم جنوب مأدبا، هو المكان الذي تتناثر فيه خيم هؤلاء الفقراء الذي لم يجدوا لهم مسكنا ً سوى الخيم، ويطل عليهم من علي منزل تظهر عليه مظاهر الغنى ساكنه هو النائب الذي اختاروه ليكون ممثلاً لهم في البرلمان، دون بيع أصوات لأن الصوت أمانة وبيعه حرام، ولأن الانتخاب واجب وطني، على حد تعبيرهم!