أبرز ما تناوله كتاب المقالات في الأردن: التحديث السياسي، تحولات الإقليم وشهور التحديات العجاف

هيمنت أربعة ملفات رئيسية على مقالات الرأي والتحليل السياسي في الصحف الأردنية اليوم، تمثلت في مستقبل مشروع التحديث السياسي، وتراجع جودة النقاش العام في الفضاء الرقمي، والتطورات المتسارعة في المفاوضات الأميركية الإيرانية وانعكاساتها على الخليج، إضافة إلى التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية للأزمات الإقليمية على الأردن.

أبو رمان: الدعوات إلى المراجعة قد تتحول إلى بوابة للتراجع عن التحديث السياسي

تناول الكاتب محمد أبو رمان الجدل الدائر حول مشروع التحديث السياسي في الأردن، محذرا من تنامي أصوات تدعو إلى ما تسميه "مراجعة" مسار التحديث، بينما تخفي في جوهرها رغبة بالتراجع عنه أو تجميده.

ويرى أبو رمان أن المراجعات السياسية أمر طبيعي ومطلوب لأي تجربة إصلاحية، خاصة أن الأردن يخوض تجربة جديدة في بناء الحياة الحزبية والبرلمانية، مؤكدا أن تقييم التجربة بعد الانتخابات النيابية والجامعية يستدعي قراءة نقدية جادة للإيجابيات والسلبيات.

إلا أنه يميز بين المراجعة بهدف التطوير والمراجعة بهدف الإجهاض، معتبرا أن "بعض من يرفعون شعار المراجعات يستخدمونها كاسم حركي للتراجع عن مجمل التحديث السياسي"، وأن هؤلاء لم يكونوا أصلا من مؤيدي المشروع، لكنهم لم يستطيعوا معارضته بشكل مباشر بسبب ارتباطه بالرؤية الملكية لمستقبل الحياة السياسية.

ويؤكد الكاتب أن الدعوات لتجميد المشروع بحجة الظروف الإقليمية الراهنة تفتقر إلى المنطق السياسي، بل إن البيئة الإقليمية المضطربة تجعل الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحا لا أقل. فبحسب رؤيته، فإن التحديث السياسي يسهم في "تمكين الجبهة الداخلية وتعزيز التلاحم بين الدولة والمجتمع"، ويمنح المواطنين وقواهم السياسية دورا أكبر في صناعة القرار خلال المراحل الحساسة.

كما يشدد أبو رمان على أن مشروع التحديث أصبح اليوم أحد أبرز عناصر القوة الناعمة الأردنية في المنطقة، لأنه يقدم نموذجا للاستقرار القائم على المشاركة السياسية والاعتدال والإدماج، بدلا من الاعتماد على أدوات الإقصاء أو القبضة الأمنية.

وفي معرض دفاعه عن التجربة الحزبية، يرفض الكاتب الأحكام المتسرعة التي تصف الأحزاب بالفشل، معتبرا أن التجربة لا تزال في بداياتها، وأن الحكم عليها بعد فترة قصيرة يعد ظلما سياسيا ومنهجيا. ويشير إلى أن المطلوب ليس التراجع عن المشروع بل "دعم الأحزاب وتعزيز الجوانب الإيجابية والحد من الجوانب السلبية"، بما يضمن الوصول تدريجيا إلى نموذج الحكومات البرلمانية الحزبية الذي يشكل الهدف النهائي لمسار التحديث.

ملكاوي: النقاشات العامة تتحول إلى معارك هوية بدلا من تبادل الأفكار

من جانبه، سلط الكاتب موفق ملكاوي الضوء على أزمة متنامية في الفضاء العام، تتمثل في تراجع ثقافة الحوار وتحول النقاشات إلى حالة من الاستقطاب الحاد.

ويشير ملكاوي إلى أن كثيرا من القضايا الخلافية لم تعد تخضع للنقاش العقلاني أو اختبار الحجج والأدلة، بل أصبحت علامات انتماء أيديولوجي أو سياسي، حيث ينقسم الناس بسرعة إلى معسكرات متقابلة، ويدافع كل طرف عن موقفه باعتباره جزءا من هويته لا مجرد رأي قابل للمراجعة.

ويصف الكاتب هذا التحول بأنه جوهر الأزمة الراهنة، لأن الجدل الصحي يفترض وجود أرضية مشتركة تسمح للناس بتبادل الحجج ومراجعة المواقف عند ظهور أدلة جديدة، بينما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات للتعبئة والحشد أكثر منها فضاءات للتفكير.

ويعزو هذه الظاهرة إلى طبيعة المنصات الرقمية نفسها، التي تكافئ المحتوى الصدامي والعبارات الحادة، فيما لا تمنح التحليل الهادئ والمتوازن القدر نفسه من الانتشار والتفاعل. فالمستخدم، بحسب الكاتب، أصبح مطالبا بإعلان موقف فوري وسريع، لا بالتأمل والتفكير المتأني.

ويذهب ملكاوي إلى أن أحد أخطر مظاهر الأزمة يتمثل في تحويل الخلاف الفكري إلى حكم أخلاقي على الأشخاص. فمن يوافق الرأي يصبح "واعيا ونبيلا"، ومن يخالفه يتحول إلى "جاهل أو متواطئ أو صاحب مصلحة"، الأمر الذي يؤدي إلى قتل أي إمكانية لحوار حقيقي.

ويشدد الكاتب على أن الدفاع عن النقاش العقلاني لا يعني الحياد بين الحق والباطل، وإنما يعني الفصل بين نقد الفكرة وإلغاء صاحبها. فالمجتمعات، بحسب رأيه، لا تتقدم عندما يتحول الجدل إلى معارك بين "نحن" و"هم"، بل عندما يتم اختبار الأفكار على أساس الدليل والمعرفة.

ويخلص ملكاوي إلى أن استمرار هذا النمط من النقاشات يضعف التفكير الجمعي ويؤدي إلى نشوء "بيئات مغلقة" لا يسمع فيها الأفراد سوى صدى آرائهم المسبقة، مؤكدا أن استعادة أدبيات الحوار أصبحت ضرورة أخلاقية ومعرفية للحفاظ على صحة المجال العام.

الخيطان: اتفاق أميركي إيراني يقترب لكن أمن الخليج ما يزال خارج الحسابات

أما الكاتب فهد الخيطان فقد تناول التطورات المرتبطة بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، متوقفا عند المؤشرات التي توحي باقتراب التوصل إلى تفاهم يضع حدا للحرب ويثبت الهدنة القائمة.

ويرى الخيطان أن التصريحات التي أطلقها Donald Trump بشأن رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز عكست تفاؤلا كبيرا، لكنها سرعان ما بدت متقدمة على الواقع الفعلي للمفاوضات، بعدما تبين أن العديد من القضايا الجوهرية لا تزال عالقة.

ويلاحظ الكاتب أن الإدارة الأميركية تبدو أكثر استعجالا لإتمام الصفقة من الجانب الإيراني، في حين تتعامل طهران مع المفاوضات بهدوء وثقة، وكأنها مقتنعة بأن واشنطن لن تعود إلى الخيار العسكري مرة أخرى.

كما يشير إلى أن هذا الانطباع لا يقتصر على الإيرانيين، بل بات متداولا بين كثير من الخبراء والسياسيين، وحتى داخل الحكومة الإسرائيلية التي باتت تتصرف على أساس أن استئناف الحرب أصبح أمرا مستبعدا.

ويمنح الخيطان مساحة واسعة للحديث عن الدور القطري في الوساطة، معتبرا أن دخول الدوحة على خط المفاوضات ساهم في تحقيق اختراقات مهمة بعد تعثر الجهود السابقة، لا سيما في الملفات المالية المعقدة المتعلقة بالأموال الإيرانية المجمدة.

غير أن القضية الأكثر أهمية بالنسبة للكاتب لا تتعلق بفرص نجاح الاتفاق، بل بمضمونه. فهو يلفت الانتباه إلى أن ما تسرب من بنود التفاهم المقترح لا يتضمن، حتى الآن، ضمانات واضحة لأمن دول الخليج أو حماية مصالحها من تهديدات إيران وأذرعها الإقليمية.

ويحذر الخيطان من أن تجاهل هذا الملف قد يترك أثرا عميقا على طبيعة العلاقات الخليجية الأميركية، قائلا إن استبعاد ضمانات أمنية حقيقية من الاتفاق قد يجعل "جسرا تاريخيا من التحالف بين واشنطن ودول الخليج مهددا بالانهيار".

المعايطة: المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع والأردن يدفع حصته من الكلفة

وفي زاوية أخرى، تناول الكاتب سميح المعايطة تداعيات الأشهر الماضية على المنطقة، واصفا إياها بأنها "شهور عجاف" حملت أزمات متلاحقة لم تكد المنطقة تلتقط أنفاسها من واحدة منها حتى واجهت أخرى.

ويرى المعايطة أن وقف الحرب على غزة لم يفتح الباب أمام مرحلة استقرار حقيقي، إذ سرعان ما انتقلت المنطقة إلى مواجهة جديدة مع التصعيد الأميركي الإيراني وما تبعه من حرب استمرت أسابيع طويلة وخلفت آثارا سياسية وأمنية واقتصادية واسعة.

ويعتبر أن الحرب الأخيرة كشفت الكثير من الاختلالات داخل المجتمعات العربية، وأظهرت حجم الانقسامات والولاءات العابرة للحدود، في وقت كانت فيه دول المنطقة تواجه تهديدات مباشرة لأمنها واستقرارها.

ويؤكد الكاتب أن الملف الإيراني لن ينتهي بمجرد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، بل إن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد شكلا جديدا من الصراع بين إيران وعدد من الدول العربية، وخاصة الخليج والأردن، وإن كانت أدوات هذا الصراع ستختلف من دولة إلى أخرى.

وبحسب المعايطة، فإن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة، لأن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة التهديد العسكري إلى استخدام القوة بشكل مباشر، ما سيؤثر على طبيعة العلاقات الإقليمية وتوازنات القوى مستقبلا.

وفيما يتعلق بالأردن، يشدد الكاتب على أن المملكة كانت جزءا مباشرا من تداعيات الأزمات الإقليمية، وتحملت نصيبها من الكلف الأمنية والاقتصادية والسياسية. لكنه يرى في الوقت نفسه أن الدولة الأردنية نجحت في اختبار صعب يتعلق بقدرتها على إدارة الأزمات والتعامل مع التهديدات العسكرية والسياسية.

ويختم المعايطة بالتأكيد على أن الخبرة الأردنية المتراكمة في مواجهة الأزمات ساعدت البلاد على تجاوز مرحلة بالغة الصعوبة، إلا أن الأشهر المقبلة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، بين انفراج نسبي أو استمرار حالة عدم الاستقرار التي قد تتطلب أدوات وسياسات جديدة للتعامل معها.

تكشف مقالات الرأي الأردنية اليوم عن انشغال واضح بأربع قضايا مركزية: الدفاع عن استمرارية مشروع التحديث السياسي وعدم التراجع عنه، والتحذير من الاستقطاب الذي يضرب النقاشات العامة، ومتابعة التحولات الكبرى في العلاقات الأميركية الإيرانية وما تثيره من هواجس خليجية، وأخيرا قراءة تداعيات الأشهر المضطربة التي عاشتها المنطقة وانعكاساتها المباشرة على الأردن. وبين هذه الملفات جميعا، برزت فكرة مشتركة مفادها أن المرحلة المقبلة ستتطلب قدرا أكبر من التماسك الداخلي والقدرة على إدارة التحولات السياسية والإقليمية المتسارعة.