خطة البنوك الإسرائيلية لخفض حصة الخدمات المصرفية المراسلة الفلسطينية تهدد بانهيار اقتصادي في الضفة الغربية
داود كُتّاب
يلوح في الأفق انهيار مالي كبير في الضفة الغربية بعد أن قرر اثنان من أكبر البنوك التجارية الإسرائيلية، وهما هبوعليم ديسكونت، تعليق علاقات المراسلة المصرفية مع البنوك الفلسطينية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتؤكد دراسة أجراها المهندس الفلسطيني من غزة، الدكتور ضرار أبو سيسي، والتي اعتمدت إطارًا مؤسسيًا متكاملًا، أن هذه الخطوة تمثل نقطة تحول استراتيجية وأداة لضم اقتصادي ممنهج، وليست مجرد تعديل مصرفي تقني.
توصي الدراسة المكونة من 16 صفحة بإلغاء القرار، وممارسة ضغط دبلوماسي فوري، وبذل جهود لاستعادة تحويلات عائدات المقاصة بالتوازي مع آليات المساءلة القانونية الدولية. كما تدعو إلى تفعيل آليات الدعم المالي الإقليمية، التي تُوصف بأنها شبكة أمان مالي عربية، وإلى اتخاذ تدابير طارئة فلسطينية لتوحيد المؤسسات واستكشاف قنوات مصرفية بديلة مع الشركاء الدوليين أو الإقليميين. وفي الوقت نفسه، تُشدد الدراسة على الضمانات الإنسانية لمنع انهيار الخدمات الأساسية، بما في ذلك المساعدات الغذائية والطبية الطارئة.
تُقدّم السلطات الإسرائيلية الإجراء الإسرائيلي المتطرف، المقرر دخوله حيز التنفيذ بين 13 أغسطس و1 سبتمبر 2026، كرد فعل على المخاطر القانونية ومخاطر الامتثال المتعلقة بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. إلا أن تحليلاً اقتصادياً استراتيجياً للقرار يُحذّر من أن هذا الخفض سيتجاوز بكثير إدارة القطاع المصرفي، إذ سيُصبح أداةً قادرةً على شلّ التجارة، وتجميد المدفوعات الحكومية، وتسريع انهيار المؤسسات العامة، ما يُؤدي إلى عواقب وخيمة على الأسر العادية والقطاع الخاص والاستقرار الإقليمي.
تُعدّ المراسلات المصرفية الآلية التي تُتيح للبنوك الفلسطينية تسوية المدفوعات بالشيكل الإسرائيلي والوصول إلى البنية التحتية المالية الأوسع اللازمة للمعاملات التجارية. ولا تملك المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وصولاً مباشراً إلى قنوات الدفع الإسرائيلية أو الدولية؛ بل تعمل البنوك الإسرائيلية كوسيط.
من خلال هذه العلاقات، تُجرى معالجة طيف واسع من المدفوعات الأساسية، بما في ذلك تسوية المعاملات التجارية بين الشركات الفلسطينية ونظيراتها الإسرائيلية، ودفع أجور العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل والمستوطنات، والتحويلات المالية التي تُسهم في استمرار الإنفاق الأسري. كما تُعد هذه الآلية بالغة الأهمية للواردات الأساسية - كالوقود والكهرباء والمياه والأدوية وغيرها من السلع التي تعتمد على سداد مستحقات البائعين عبر نظام الشيكل. ويُشير التحليل إلى أن قطع روابط المراسلة سيُعيق تدفق المدفوعات بالشيكل، مما يُؤدي إلى تأخيرات أو إخفاقات في سلسلة التوريد.
يُصوّر التقرير القرار الحالي كنقطة تحوّل استراتيجية في العلاقات الاقتصادية الفلسطينية الإسرائيلية، المرتبطة بالإطار القانوني المُنشأ بموجب بروتوكول باريس لعام 1994. وبموجب هذا الإطار، لا تتمتع السلطة الفلسطينية بسيادة نقدية كاملة، إذ لا يُمكنها إصدار عملة مستقلة، بل تعتمد على النظام المصرفي الإسرائيلي باعتباره البوابة الرئيسية للنشاط المالي الخارجي. تستطيع السلطات النقدية الفلسطينية تنظيم جوانب من القطاع المالي، لكنها تفتقر إلى الأدوات اللازمة لإنشاء بنية تحتية مستقلة للدفع قادرة على استبدال الوساطة الإسرائيلية بسرعة. هذا الاعتماد الهيكلي يعني أن علاقات المراسلة المصرفية ليست مجرد علاقات تجارية بين البنوك، بل هي ركيزة تشغيلية أساسية في سير العمل الاقتصادي اليومي.
يُصوَّر توقيت القرار الإسرائيلي على أنه ذو تداعيات سياسية، إذ يأتي في خضم أزمات مالية ومؤسسية متزامنة. فمنذ مايو/أيار 2025، تم تعليق نظام تحصيل الإيرادات - الذي من خلاله تجمع إسرائيل الضرائب والرسوم الجمركية نيابةً عن السلطة الفلسطينية - مما ترك السلطة تعاني من عجز كبير. ووفقًا للأرقام الواردة في التحليل، تجاوز العجز المتراكم 4.5 مليار شيكل، بينما تبلغ الأموال التي تحتفظ بها إسرائيل والمتعلقة بإيرادات التخليص مليارات الدولارات. علاوة على ذلك، تراكمت في النظام المصرفي الفلسطيني كميات كبيرة من فائض الشيكل بسبب القيود التي تحول دون إعادة هذه الأرصدة بكفاءة إلى النظام المصرفي الإسرائيلي. ومن شأن قطع العلاقات المصرفية المراسلة المقترح أن يُفاقم هذا الخلل، إذ سيُحاصر السيولة داخل البنوك الفلسطينية ويُضعف قدرتها على إدارة عمليات الشيكل النقدي وتسوية المدفوعات الخارجية.
من الناحية الاقتصادية، يتوقع التقرير عدة اضطرابات متداخلة. أولها شلل في تسوية المعاملات التجارية وانهيار سلاسل التوريد. تُوصف إسرائيل بأنها الشريك التجاري الرئيسي للضفة الغربية، حيث تُستورد منها نسبة كبيرة من الواردات. في حال فشل تسوية الشيكل، قد يعجز المستوردون عن سداد ثمن الطاقة وغيرها من الضروريات. يعتمد الطلب على الكهرباء في الضفة الغربية بشكل كبير على الإمدادات من إسرائيل، كما أن الاعتماد على الوقود والغاز بالغ الأهمية. مع تراكم حالات التخلف عن السداد، قد يتوقف الموردون عن التعامل مع السوق الفلسطينية، مما يؤدي إلى نقص في السلع الأساسية، بدءًا من الطاقة وصولًا إلى الأدوية ومستلزمات الإنتاج الغذائي. يحذر التحليل من أن تراكم الديون بين المستوردين سيُسرّع من انسحاب الموردين، مما سيؤدي إلى تدهور سريع في توافر السلع الأساسية.
ثانيًا، ثمة أزمة سيولة داخل التداول النقدي للشيكل. تشير التحليلات إلى أن البنوك الفلسطينية تواجه بالفعل ضغوطًا من فائض الشيكل النقدي الذي لا يمكن إعادته بالكامل إلى الوطن عبر النظام الإسرائيلي. وبمجرد قطع العلاقات مع البنوك المراسلة، ستفقد البنوك قنوات أساسية لإدارة السيولة. وقد يترجم ذلك إلى نقص في الشيكل النقدي في مكاتب الصرافة وفروعها، وزيادة في تقلبات أسعار الصرف غير الرسمية، وتراجع الثقة في القطاع المصرفي، ومخاطر سحب جماعي للودائع مع محاولة المودعين سحب أموالهم قبل أن تصبح أرصدتهم غير قابلة للاستخدام.
ثالثًا، اضطراب سوق العمل ودخل الأسر. يشير التقرير إلى وجود ما يُقدّر بنحو 52 ألف عامل في الضفة الغربية يعملون في إسرائيل والمستوطنات، ويعتمدون على تحويلات رواتبهم عبر البنية التحتية المصرفية نفسها. في حال انقطاع هذه التحويلات، ستواجه الأسر خسارة فورية في الدخل خلال فترة تتسم أصلًا بارتفاع معدلات البطالة. ويربط التحليل هذه الصدمة بتفاقم انكماش الطلب في الاقتصاد المحلي، حيث تُقلّل الأسر إنفاقها على الغذاء والدواء والتعليم والرعاية الصحية.
رابعًا، يُمثل تهديد قدرة السلطة الفلسطينية على العمل كمُشغِّل ومُعيل. تعتمد السلطة اعتمادًا كبيرًا على التمويل المصرفي لتغطية العجز، ويُوصف دينها للقطاع المصرفي بأنه كبير. إذا أصبح التمويل المصرفي المحلي غير متاح أو غير موثوق به نتيجةً لخفض التمويل المصرفي، فإن قدرة السلطة على الاقتراض ودفع رواتب الموظفين ستتأثر سلبًا. ويؤكد التقرير على أن دفع الرواتب أمرٌ أساسي للإدارة العامة والاستقرار الاجتماعي، مشيرًا إلى أن السلطة كانت قد خفضت بالفعل تغطية الرواتب وقلّصت ساعات العمل في مراحل سابقة من أزمتها المالية.
يؤكد التحليل أيضاً أن الانهيار الاقتصادي سيحدث في بيئة سياسية تعاني أصلاً من شلل مؤسسي، ومشاكل تتعلق بالشرعية، وتصاعد في التوترات الأمنية. ويصف التحليل إدارة الضفة الغربية بأنها تواجه أزمات وجودية متعددة: ركود سياسي مزمن، وانقسام داخلي بين الفصائل الفلسطينية، وبيئة أمنية تتسم بتدخلات عسكرية متكررة، وتدمير للبنية التحتية، واعتقالات. في ظل هذه الظروف، قد يصبح قرار إغلاق البنوك عاملاً محفزاً يُعمّق حالة عدم الاستقرار، ويُؤجّج الضغوط المؤدية إلى الاضطرابات، ويُسرّع من تآكل الشرعية العامة.
من منظور الاقتصاد السياسي، يرى التقرير أن القرارات المصرفية قد تُستخدم كأدوات لتعزيز الاندماج أو ممارسة النفوذ القسري. ويزعم أن قطع العلاقات المصرفية قد يُضعف السلطة الفلسطينية اقتصاديًا، ويُمكّن من التعامل المباشر بين الكيانات الإسرائيلية والأفراد أو الشركات دون وساطة السلطة. وقد تُسهّل هذه التحولات النفوذ الإسرائيلي الفعلي على جوانب رئيسية من الحياة، مع تقليص نطاق السلطة الإداري. كما يستشهد التقرير بتحذيرات من مؤسسات دولية: إذ يُنقل عن البنك الدولي اعتباره حالة عدم اليقين في القطاع المالي الفلسطيني خطرًا بنيويًا قد يُفضي إلى انهيار اقتصادي شامل، بينما يُصوّر التقرير مسؤولين فلسطينيين يُحذّرون من أن عام 2026 قد يكون الأصعب ماليًا في تاريخ السلطة الحديث.
وُصفت التكاليف الاجتماعية المتوقعة بأنها واسعة النطاق. ويُعدّ موظفو الحكومة وعائلاتهم من بين الفئات الأكثر تضرراً، إذ سيؤدي توقف الرواتب إلى انخفاض سريع في دخل شريحة كبيرة من السكان. كما سيتأثر القطاع الخاص بشدة جراء شلل الاستيراد والتصدير واضطراب التحويلات المالية، مما قد يُجبر العديد من الشركات على التوقف عن العمل إذا لم تتمكن من الحصول على المدخلات أو سداد التزاماتها. ويحذر التقرير أيضاً من أن الفئات الضعيفة ستشهد أزمة إنسانية متفاقمة، مع ازدياد انعدام الأمن الغذائي نتيجة تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
بالنظر إلى المستقبل، تُقيّم الدراسة المكونة من 16 صفحة السيناريوهات المحتملة وتُحدد احتمالاتها بناءً على احتمالية وسرعة التداعيات. وتُقدم الدراسة أسوأ سيناريو مُحتمل، حيث يُؤدي خفض التمويل إلى انهيار كامل: توقف التجارة، وتآكل الثقة المصرفية، وتصاعد عمليات السحب، وازدياد الاضطرابات، وتفكيك السلطة الفلسطينية فعلياً. ويُقدّر التحليل احتمالية هذا السيناريو بنحو 55-60% في حال عدم وجود آلية بديلة. ويتضمن سيناريو ثانٍ تمديداً مؤقتاً أو تراجعاً عن القرار نتيجةً لضغوط دولية أو ظروف سياسية، ويُقدّر احتماله بنحو 20-25%. أما السيناريو الثالث فيتضمن بديلاً مصرفياً، كإنشاء ترتيب مقاصة مستقل أو الاعتماد على مسار مصرفي خارجي آخر، إلا أن التقرير يُشير إلى أن هذا البديل سيواجه عقبات كبيرة، بما في ذلك الوقت والموافقات والتكاليف التشغيلية، ويُقدّر احتمالية حدوثه بنحو 15-20%.
باختصار، يُصوّر التحليل تعليق العلاقات المصرفية المراسلة المزمع اتخاذه كتدخلٍ بالغ الأثر في البنية التحتية المالية للضفة الغربية، وهو تدخلٌ، في حال تنفيذه دون وجود آلية بديلة للدفع والتسوية، قد يُفضي سريعاً إلى انهيار اقتصادي متسلسل. فمن خلال تعطيل الاستيطان بالشيكل، ومنع تحويلات الأجور، وتهديد تدفق الواردات ورواتب الحكومة، يُمكن لهذا القرار أن يُعمّق هشاشة الوضع السياسي والمؤسسي أصلاً، وأن يُعيد تشكيل الحياة اليومية للفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية.
اقرأ الدراسة كاملة خطر الانهيار الفلسطيني تقرير اقتصادي استراتيجي.pdf













































