هل يوجد كرت ذاكرة داخل دماغك؟ أين يخزن الدماغ ذكرياتك؟

هل يوجد داخل دماغك شيء يشبه Memory Card؟ أين يخزن الدماغ ذكرياتك؟

هل يوجد داخل دماغك شيء يشبه Memory Card؟

مكان صغير يخزن كل شيء عشته في حياتك، من أول يوم في المدرسة، إلى وجه شخص تحبه، وصوت والدتك، ورائحة بيتك القديم، وحتى موقف محرج حدث قبل عشرين عاماً وما زلت قادراً على استعادته؟

لو كان الدماغ جهاز كمبيوتر، لكان البحث عن الذكريات مسألة بسيطة. نبحث عن القرص الصلب، نفتح مجلداً، ثم نجد الملفات.

لكن الدماغ لا يعمل بهذه الطريقة.

لا توجد شريحة ذاكرة مخفية داخل الرأس، ولا منطقة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: هنا توجد ذكرياتك.

والأغرب أن العلماء لم يعودوا يسألون فقط: أين توجد الذاكرة؟ بل يحاولون الوصول إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تترك الذكرى نفسها أثراً مادياً يمكن رصده داخل الدماغ؟

هنا يظهر مفهوم علمي بالغ الأهمية يسمى Engram، أو "أثر الذاكرة". ويشير إلى مجموعة من الخلايا العصبية والتغيرات في اتصالاتها التي ترتبط بتجربة معينة، ويمكن أن تشارك هذه الخلايا في ترميز الذكرى وتثبيتها واستعادتها لاحقاً. 

لنأخذ تجربة بسيطة.

تدخل غرفة لأول مرة. عيناك تلتقطان شكل المكان، أذناك تستقبلان الأصوات، أنفك يلتقط رائحة معينة، وربما تشعر بالخوف أو السعادة.

كل هذه المعلومات لا تذهب إلى ملف واحد.

الدماغ يعالجها من خلال شبكات ومناطق مختلفة، ثم يبدأ بربطها معاً لتكوين تجربة يمكن استعادتها لاحقاً.

وهنا يأتي دور منطقة صغيرة وعميقة في الدماغ تسمى الحُصين، Hippocampus.

الحُصين مهم بشكل خاص في تكوين الذكريات المرتبطة بالأحداث والتجارب، ويساعد على ربط عناصر مختلفة من التجربة، مثل المكان والزمان والتفاصيل الحسية. لكن القول إن الحُصين هو "مخزن الذاكرة" سيكون تبسيطاً شديداً.

الأدق أن نراه كجزء أساسي من شبكة تساعد الدماغ على تكوين الذكريات وربط عناصرها، بينما تشارك مناطق أخرى، خصوصاً مناطق واسعة من القشرة المخية، في تمثيل المعلومات التي تتكون منها الذكريات. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الذكريات ترتبط بشبكات من الخلايا العصبية، وليس بنقطة واحدة معزولة.

وهنا تبدأ القصة بالابتعاد تماماً عن فكرة الـ Memory Card.

تذكر وجه شخص مثلاً.

هناك معلومات بصرية مرتبطة بهذا الوجه، وربما صوت مرتبط به، ومكان تتذكر أنك رأيته فيه، ومشاعر صاحبت ذلك اللقاء.

عندما تستعيد الذكرى، لا يبدو أن دماغك يفتح ملفاً واحداً يحتوي كل هذه العناصر. بدلاً من ذلك، يعيد تنشيط شبكة مترابطة من النشاط العصبي.

وهذا ما يجعل الذاكرة أقرب إلى شبكة من العلاقات منها إلى ملف محفوظ في مجلد.

لكن كيف تتحول لحظة عابرة إلى ذكرى يمكن أن تبقى لعقود؟

الإجابة ترتبط بواحدة من أهم خصائص الدماغ، وهي اللدونة العصبية، Neuroplasticity.

عندما تتعلم شيئاً جديداً، يمكن للتجربة أن تغير قوة الاتصالات بين الخلايا العصبية. وتحدث تغيرات على مستويات متعددة، من المشابك العصبية إلى النشاط الجزيئي داخل الخلايا، ما يساعد على تثبيت آثار التعلم والذاكرة.

بمعنى آخر، الدماغ لا يخزن الذكرى مثل صورة على بطاقة ذاكرة.

الدماغ يغير نفسه بسبب ما تتعلمه وما تعيشه.

وهذه فكرة مذهلة بحد ذاتها.

أنت لا تحمل داخل رأسك صندوقاً مليئاً بذكريات جاهزة.

تجاربك تغير الشبكات العصبية التي يعمل بها دماغك، وهذه التغيرات تصبح جزءاً من الطريقة التي تتذكر بها العالم ونفسك.

ثم يأتي عامل آخر لا يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بالذاكرة: النوم.

تذهب إلى النوم، تنغلق عيناك، ويتوقف تفاعلك المعتاد مع العالم، لكن دماغك لا يدخل في حالة خمول كامل.

خلال النوم، وخصوصاً أثناء مراحل النوم غير الحالم، تحدث أنماط من النشاط العصبي ترتبط بإعادة تنشيط بعض التمثيلات العصبية التي ظهرت أثناء التعلم. ويرتبط ذلك بعمليات تثبيت الذاكرة وتنظيمها، من خلال تفاعل معقد بين الحُصين والقشرة المخية وأنماط كهربائية مختلفة في الدماغ.

بعبارة أبسط، قد يكون جزء من عمل الدماغ أثناء النوم هو إعادة معالجة ما تعلمته عندما كنت مستيقظاً.

لكن هنا تظهر مفاجأة أخرى.

الذاكرة ليست تسجيلاً كاملاً للماضي.

عندما تتذكر حدثاً وقع قبل عشرين عاماً، أنت لا تشغل فيديو محفوظاً في مكان ما داخل رأسك.

أنت تعيد بناء الذكرى.

وهذه العملية يمكن أن تتأثر بما تعلمته لاحقاً، وبالسياق الذي تستعيد فيه الذكرى، وبالذكريات الأخرى المرتبطة بها.

ولهذا يمكن لشخص أن يكون واثقاً جداً من ذكرى معينة، ومع ذلك تكون بعض تفاصيلها غير دقيقة.

الذاكرة البشرية ليست كاميرا.

إنها نظام حي وديناميكي يتغير مع الزمن.

والأكثر إثارة أن العلماء تمكنوا، خصوصاً في تجارب على الحيوانات، من تحديد مجموعات من الخلايا المرتبطة بذكريات معينة، ثم التلاعب بهذه الخلايا والتأثير في استدعاء تلك الذكريات. هذه التجارب ساعدت في تحويل مفهوم "أثر الذاكرة" من فكرة نظرية إلى موضوع يمكن دراسته على مستوى الخلايا والدوائر العصبية. 

ومع ذلك، لا تزال هناك مسافة كبيرة بين ما نعرفه وما نريد معرفته.

نحن نعرف أن الذاكرة تعتمد على تغيرات في الخلايا والاتصالات العصبية.

ونعرف أن الحُصين يؤدي دوراً أساسياً في أنواع مهمة من الذاكرة.

ونعرف أن القشرة المخية وشبكات عصبية واسعة تشارك في تمثيل المعلومات واستدعائها.

ونعرف أن النوم يمكن أن يساهم في تثبيت الذكريات وإعادة تنظيمها.

لكن لا توجد لدينا خريطة بسيطة تقول: هذه الخلايا تخزن وجه والدتك، وهذه المجموعة تحتفظ بأول يوم في المدرسة، وهذه الخلايا تخزن صوت أغنية سمعتها قبل عشرين عاماً.

الواقع أكثر تعقيداً.

فالذكريات ليست أشياء موضوعة في مكان محدد داخل الدماغ، بل أنماط من النشاط والتغيرات في شبكات عصبية تتفاعل مع بعضها، ويمكن أن تتغير مع مرور الوقت ومع كل مرة تستعيد فيها تجربة من الماضي. 

وهنا نصل إلى المفارقة الجميلة في الموضوع.

ربما كنت تتصور أن ذاكرتك موجودة في مكان ما داخل رأسك، تنتظر منك أن تفتحها عندما تريد.

لكن الصورة العلمية أكثر غرابة.

كل تجربة مهمة مررت بها يمكن أن تترك أثراً في شبكة الخلايا العصبية.

بعض هذه الآثار يضعف مع الوقت.

بعضها يصبح أكثر ثباتاً.

وبعضها يمكن أن يرتبط بذكريات أخرى.

وعندما تستعيد ذكرى قديمة، لا تعود ببساطة إلى الماضي، بل يعيد دماغك بناء تلك التجربة اعتماداً على الشبكات العصبية التي تحمل آثارها.

لذلك، عندما تغمض عينيك وتتذكر شخصاً لم تره منذ سنوات، فأنت لا تبحث عن Memory Card مخفية داخل دماغك.

أنت تجعل شبكة هائلة من الخلايا العصبية تعيد بناء شيء حدث في الماضي.

أنت لا تفتح الذاكرة، دماغك يعيد صنعها.