بيت جدي رباح... مبادرة تعيد الحياة للتراث في الشوبك
في أحد أحياء لواء الشوبك، يقف بيت حجري قديم شاهداً على عقود طويلة من تاريخ المنطقة، لكنه لم يبق مجرد مبنى تراثي مهجور. فقد تحول بفضل مبادرة شبابية إلى مشروع يسعى لإحياء الموروث الثقافي، وتعزيز السياحة المجتمعية، وربط الأجيال الجديدة بحياة الأجداد وعاداتهم، في وقت يواجه فيه القطاع السياحي تحديات كبيرة نتيجة تراجع أعداد الزوار.
صاحب المبادرة، محمد الرواشدة، قرر أن يمنح منزل جده "رباح" فرصة جديدة للحياة، بعد أن حصل على منحة من وزارة السياحة والآثار مكّنته من البدء بأعمال الترميم وتحويل المنزل إلى وجهة سياحية وتراثية تستقبل الزوار وتقدم لهم تجربة تعكس تفاصيل الحياة الأردنية القديمة.
ويقول الرواشدة إن فكرة المشروع لم تقتصر على ترميم المبنى، بل هدفت إلى إعادة إحياء نمط الحياة الذي عاشه الأجداد، من خلال توفير الأدوات المنزلية القديمة التي كانت تستخدم في الماضي، ليتمكن الجيل الجديد من التعرف عليها عن قرب وفهم طبيعة الحياة التي عاشتها الأجيال السابقة.
وأضاف أن المشروع يسعى أيضاً إلى فتح المجال أمام أبناء المجتمع المحلي للمشاركة فيه، خاصة أصحاب الحرف اليدوية والأفكار التراثية، ليصبح البيت مساحة تعرض فيها المنتجات التقليدية والمهارات الشعبية، بما يخلق فرصاً اقتصادية جديدة لأهالي القرية ويشجع على الحفاظ على المهن التراثية.
وأوضح الرواشدة أن طموحه يتجاوز حدود المنزل نفسه، إذ يأمل أن يكون المشروع نواة لمبادرات مشابهة تعيد ترميم البيوت القديمة في الشوبك، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية على مستوى اللواء ومحافظة معان، وصولاً إلى تعزيز مكانة الأردن كوجهة للسياحة التراثية والثقافية.
وأشار إلى أن المشروع أنجز حتى الآن نحو 60 بالمئة من خطته، إلا أن استكماله يحتاج إلى دعم مالي وفني، خاصة في ظل التراجع الذي يشهده القطاع السياحي بسبب الظروف الإقليمية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدد الزوار والإيرادات.
وقال إن انخفاض الحركة السياحية فرض تحديات كبيرة على استمرارية المشروع، مؤكداً أن استمرار الدعم سيمكن القائمين عليه من استكمال المراحل المتبقية وتحويل البيت إلى مركز تراثي متكامل يخدم المنطقة ويعزز حضورها على الخارطة السياحية.
ويعتمد المشروع على فكرة السياحة المجتمعية، التي تقوم على إشراك السكان المحليين في إدارة النشاط السياحي والاستفادة منه اقتصادياً، بدلاً من اقتصاره على زيارة المواقع الأثرية فقط، وهو نموذج يلقى اهتماماً متزايداً في العديد من المناطق الريفية التي تمتلك إرثاً ثقافياً وتاريخياً غنياً.
ويؤكد الرواشدة أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على حماية المباني القديمة، بل يشمل أيضاً توثيق القصص والعادات والأدوات وأساليب الحياة التي شكلت هوية المجتمع، معتبراً أن هذه العناصر تمثل جزءاً من الذاكرة الوطنية التي ينبغي نقلها إلى الأجيال القادمة.
ويبرز مشروع "بيت جدي رباح" نموذجاً لكيفية تحويل منزل تراثي إلى مساحة ثقافية وسياحية تجمع بين الحفاظ على الهوية وتحقيق منفعة اقتصادية للمجتمع المحلي، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى الاستثمار في السياحة المجتمعية باعتبارها أحد المسارات القادرة على تنويع المنتج السياحي الأردني.
ورغم الصعوبات التي فرضتها الظروف الاقتصادية وتراجع الحركة السياحية، يواصل القائمون على المشروع العمل على استكماله، على أمل أن تستعيد الشوبك نشاطها السياحي، وأن يصبح البيت محطة تستقبل الزوار الراغبين في التعرف على تاريخ المنطقة وتراثها، وتجربة تفاصيل الحياة التي عاشها الأجداد داخل منزل حافظ على روحه رغم مرور الزمن.












































