سليمان منصور... أيقونة العائلة المقدسة في مواجهة الاحتلال

كان يحلم بمشاهد بحره؛ بحر يافا وحيفا، لكن حرب الأيام الستة أسفرت عن تمدّد الاحتلال إلى ما بقي من فلسطين حيث ولد وعاش الفنان سليمان منصور الذي رحل أمس الاثنين. وظلّ مشهد جثث الجنود العرب في عام النكسة محفوراً في ذاكرته، كما رآهم وهو عائد مشياً على الأقدام من القدس إلى بلدته بيرزيت، مشاركاً أهلها في دفن شهداء الحرب، وسط أخبار كاذبة تبثها الإذاعات العربية عن نصر قريب، لتنكشف الحقيقة بعد أيام ويسود شعور عام بالصدمة والحزن.

إنها هزيمة يونيو/ حزيران 1967 التي وعاها منصور في العشرين من عمره، ولم يجد سبيلاً غير مقاومتها وهو لا يزال على مقاعد الدراسة في إحدى كليات الاحتلال، أكاديمية بتسلئيل للفنون والتصميم، رافضاً تعلّم التجريد الأسلوب السائد آنذاك. أراد "رسم أشياء أكثر واقعية من الحياة"، وفق مقابلة أجرتها معه مجلة "ساوث إيست ريفيو" عام 2024، مضيفاً عبارة موجزة تصف الهزيمة التي لم يتحمل مسؤوليتها الفلسطينيون، لأنهم لم يمتلكوا حينها جيشاً يقاتل العدو.

مقاومة مركبة

ذاق الفنان الفلسطيني اليتم باكراً، فوالده توفي بسبب السرطان قبل أن يتمّ الرابعة، ورحل جده حزناً على أبيه الذي ترك أطفالاً ستّة وزوجة ستغرق في الصمت، ولن تجد وقتاً لتتحدث مع أبنائها إذ كانت تقضي جلّه في حياكة الملابس لتوفير قوت يومهم. صورة الأم لم تغادر العديد من لوحاته، وملامح وجهها تشع بالهدوء والسكينة، وغالباً ما تحتضن أبناءها كأنها تحميهم أو تُشعرهم بالأمان أو تودعهم، وهي تقترب من هيئة مريم العذراء وهي تحمل طفلها المسيح. وسيشاركهم الأب في لوحة "العائلة المقدسة" التي نفذها بنسخ مختلفة، وهي تماثِل رسومات تجمع العذراء وابنها والقديس يوسف النجار، مع تكييفها بمفردات الحياة التي يستعيرها منصور من مدن فلسطين وأريافها.

لوحة "أطفال القدس" (1978) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

لوحة "أطفال القدس" (1978) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

في معظم هذه اللوحات يقترب منصور من الأيقونات المسيحية في تجاوز للبعد التزييني والزخرفي، في تركيز على عمق روحاني يشكّل أساساً مفاهيمياً في تجربته الممتدّة حوالي ستّة عقود، ونلحظها في أكثر من لوحة، يرسم فيها أماً بالزي التقليدي الفلسطيني ترفع ذراعيها حاملة ابنها الملفوف بكوفية سوداء ويديه مرفوعتان أيضاً مناجياً السماء التي تتوسطها قبة نصف دائرية بألوانها الزرقاء والصفراء.

يقترب من الأيقونات المسيحية في تجاوز للبعد التزييني والزخرفي

هنا، تظهر المرأة عنصراً مركزياً في أعمال عديدة، تحيل إلى الأم والمدينة وفلسطين، لكنها لا تتضرع إلى الإله دائماً فهي تغمر ابنها الذي يمسك وردة تلامس وجهها، ويتبادلان الكلام بأعينهما مثل لوحة "فلسطين الأم" (1986)، أو تظل نظراتها مشدودة لتراب الوطن الذي لا مناص من التجذر به مهما تجبّر المحتل، لكن الألوان الزاهية والمشرقة ستُفتقد في لوحات أخيرة، وأبرزها "أمهات غزة" وفيها نساء متشحات بالسواد يمسدن الأرض التي ضمّت أجساد أبنائهن وفي الخلف تحضر أجواء الدمار.

 


أمهات وآباء وأولاد في معظم أعمال منصور التي تغيب عنها الحبيبة غالباً، يتآلفون ويتفرقون وتجمعهم عائلة واحدة تجسد الاستمرار والبقاء. يحدّد الواقع واشتراطاته حضورهم وأفعالهم في البيت والحقل والشارع، والحلم أيضاً مثلما تقدّمه لوحة "أطفال فلسطين" التي رسمها عام 1978 قبل أن تُفقد مثل كثير من لوحاته، وفيها يجلس ثلاثة أطفال يقبض أحدهم على علم فلسطين، فوق سور ينظرون إلى عالمٍ يمرح فيه أطفال مع أهلهم في جماعات ترفع كل واحدة منها علم بلده؛ إنه العالم الذي يتشوق إليه ثلاثة فتية ولا يغادر أحلامهم.

جسدٌ يحفظه الطين

"يُمنع استخدام الأحمر، والأخضر، والأسود، والأبيض في لوحاتكم"، كانت هذه تعليمات الجيش الإسرائيلي عام 1980، بعد إغلاقه معرضه المقام في "غاليري 79"، واستدعائه بعد شهرين مع الفنانين الفلسطينيين عصام بدر ونبيل عناني للتحقيق، وبدأ أحد الضباط يناقشهم بطبيعة الفن الذي ينبغي عليهم رسمه من أزهار جميلة ونساء عاريات ومناظر طبيعية، لينتهي التحقيق بأمر واضح: "حتى لو رسمتَ شريحة بطيخ فسنصادرها".

لوحة "جمل المحامل" (1973) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

لوحة "جمل المحامل" (1973) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

شريحة البطيخ تكرّست رمزاً للمقاومة بعد الانتفاضة التي اندلعت سنة 1987، ولم يتوقف الأمر عند استلهام رموز تعبّر عن طبيعة الصراع مع الاحتلال رغم أهمية توظيفها داخل أعمال فنية بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية حتى اليوم. أنشأ منصور في ذلك الوقت مع فيرا تماري وتيسير بركات بالإضافة إلى نبيل عناني "جماعة التجريب والإبداع"، بوصفها جزءاً من رابطة الفنانين التشكيلين الفلسطينيين التي ساهم سليمان منصور في تأسيسها وترأسها خلال الانتفاضة الأولى. 

ارتأت الجماعة ضرورة مقاطعة المواد والبضائع الإسرائيلية والأميركية، استجابةً لنداء القيادة الوطنية الموحدة حينها، واستغلال خامات البيئة المحلية، كما نزعت إلى الخروج على القواعد المتبعة في الفنون الكلاسيكية الغربية، وهو ما دفع منصور إلى استذكار جدته التي كان يساعدها في صنع خلايا النحل من طين مخلوط بقش؛ الجدة تعمل بجد والطفل يلهو. مساحة اللهو ستأخذ طريقها إلى فنه، فبدأ يجفف الطين ويحفظه في قوالب مربعة يعيدها إلى أصلها الطين كلما استعمله في عمل مخلوطاً مع الماء والألوان ومواد أخرى، ليصنع مادة قوية جداً لكنها تبدو هشة في مظهرها محمّلة بدلالات مختلفة، في إشارة إلى الزمن الفلسطيني بكل مآسيه وانكساراته التي خلقت صلابة وصموداً وأملاً لا مكان فيها لليأس، وإلى وجود الإنسان بعامة في مواجهته تغيرات الجسد وتحولاته أمام حتمية الفناء.

لوحة "العائلة المقدسة" (2020) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

لوحة "العائلة المقدسة" (2020) لسليمان منصور (حساب الفنان على فيسبوك)

في أثناء تلوينه باستخدام هذا المزيج كان الطين يتشقق عند جفافه، ما تطلب منه جهداً مضنياً في سدّ التشققات. بعد طول تجريب استمر لخمس سنوات، استمتع منصور بتصدعات الطين وابتكر منها أعمالاً بتقنيات متعددة بين التركيب والنحت الغائر واللوحة، وفيها يحضر جسد الفلسطيني المتصل بأرضه، مع تمثيلات لرموز من حضارات المنطقة.

ممارسة تطوّرت في أعمال عدة منها "أم الأرض" و"إسماعيل" و"يوم الأم" و"الحمامة" وغيرها، ومثلت لغة بصرية خاصة يبث من خلالها رسائل سياسية واجتماعية دون التخلي عن قيمتها الجمالية، التي ستنتقل إلى فنانين آخرين سيدربهم في أواخر حياته، بالإضافة إلى تنظيم ورشات فنية تعكس رؤيته في توظيف هذه التقنية.

الجمهور واللغة الرمزية

حققت تجربة منصور انتشاراً ورواجاً منذ لوحته "جمل المحامل" التي نفذها عام 1973، ووضعت على ملصقات يوم الأرض مع بدء الاحتفال بهذه المناسبة، ودخلت معها إلى معظم بيوت الفلسطينيين والمناصرين للقضية الفلسطينية. تصور اللوحة الشهيرة رجلاً مسناً يمشي حافي القدمين بملامح غير واضحة، وهو يحمل قبة الصخرة فوق ظهره مربوطة بحبل يرمز إلى نكبة فلسطين، قبل أن تختفي في ظروف غامضة ويعيد رسمها بعد ذلك بنحو أربعين عاماً. يروي منصور كيف اختار رسم شخصية العتال الذي استمدها من حارات القدس، وهو يحمل أحمالاً كبيرة جداً أضعاف وزنه بثبات وصبر.

زاوج بين الرسم والنحت وتصميم الملصق السياسي والكاريكاتير

نجح منصور في صياغة لغة بصرية تستطيع الوصول إلى جميع فئات المجتمع، وهو ما يوضّحه في كتاب "على درب الغول: سيرة غيرية - مذكرات سليمان منصور" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2026) الذي أعدته الباحثة رنا عناني، طريق الفن في فلسطين يشبه القصص الشعبية؛ يخرج البطل وحيداً ليواجه أهوالاً تفوق طاقته. اختار الفنان الغولَ لتكثيف لحظة الاستعمار ومحاولاته كسر الإرادة، لافتاً إلى أن قيمة الفنان لا تكمن في تجنب السقوط، بل في الإصرار على استكمال الرحلة إلى "قصر السلطان"؛ الطريق للوصول إلى الحقيقة أو الحرية.

عبّر منصور عن رؤيته للفن الملتصق بالجمهور من خلال الرسم والنحت وتصميم الملصق السياسي والكاريكاتير الذي امتهنه في بدايات الثمانينيات، مواظباً على نشر رسومه الكاريكاتيرية في جريدة "الفجر" المقدسية ما بين عامي 1981 و1993. كما أقام العديد من المعارض الفردية في رام الله ونيويورك والشارقة والقاهرة، وحاز جوائز عدة منها: جائزة اليونسكو- الشارقة للثقافة العربية لعام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب للعام 2025 في القاهرة، وجائزة فلسطين للفنون التشكيلية عام 1998، والجائزة الكبرى في بينالي القاهرة التاسع في السنة ذاتها. وله كتاب مشترك مع الفنان نبيل عناني بعنوان "دليل فن التطريز الفلسطيني" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1989، وهو مرجع يحفظ 642 عرقاً (زخرفة) مطرزاً، مع شرح دلالاتها، وألوانها، ومناطقها الجغرافية الأصلية، وتاريخها وتطورها على مر التاريخ.

في المقابلة مع مجلة "ساوث إيست ريفيو" ذاتها، يرد منصور على تسميته بـ"فنان الانتفاضة" بأن "الناس يُبالغون في استخدام هذه الألقاب"، مضيفاً إنهم "بحاجة إلى أبطال. لذلك اختاروني. لا يُعجبني هذا. كفنان، لا أريد أن أُحصَر في قالب مُحدد"، موضحاً أنه حتى عندما ينجز أعمالاً لا علاقة لها بالسياسة يعتبرها المتلقي سياسية، ما يصعّب الأمر أحياناً، على فنان قدره أننه عاش تحت الاحتلال. حلم أن يرسم أشياء مختلفة، لكنه آمن بقدره.