الكوميديا الأميركية في مئة عام.. من تشارلي شابلن إلى "فريندز"

هل يمكن اعتبار قرن كامل أكثر القرون إضحاكاً في التاريخ؟ هذا هو السؤال الذي ينطلق منه الناقد الأميركي غاري بيرمان في كتابه الجديد "100 عام من الضحك: الكوميديا الأميركية في القرن العشرين" (بلومزبيري، نيويورك، 2026)، حيث يقدم رحلة واسعة عبر مراحل تطور الكوميديا الأميركية، من المسارح الشعبية والعروض المتنوعة إلى السينما الصامتة، ثم الراديو والتلفزيون والستاند أب، متتبعاً كيف تغيّرت طرق إضحاك الجمهور مع تغير وسائل الإعلام والمجتمع.

يتناول الكتاب أشكالاً عديدة من الكوميديا، بعضها أصبح بعيداً نسبياً عن جمهور اليوم، مثل "الفودفيل"، وهي عروض مسرحية حية تجمع عدداً كبيراً من الفقرات المختلفة في برنامج واحد. وبحلول عام 1903، كان هناك نحو ألفي مسرح للفودفيل في أميركا الشمالية، وكان الكوميديون في كثير من الأحيان نجوم العرض الأساسيين. ومن هذه البيئة خرجت أسماء أصبحت لاحقاً من أبرز نجوم برودواي وهوليوود، مثل جاك بيني، والإخوة ماركس.

ثم جاءت السينما الصامتة في بدايات القرن العشرين، وبرز فيها جون باني بوصفه أحد أوائل نجوم الكوميديا على الشاشة، قبل أن تتطور الكوميديا السينمائية من التهريج والحركات الجسدية السريعة إلى أعمال أكثر نضجاً في عشرينيات القرن الماضي. وأسهم تشارلي تشابلن، وباستر كيتون، وهارولد لويد في تحويل الكوميديا السينمائية إلى فن قادر على الجمع بين الإضحاك والابتكار الفني.

ومع نهاية عشرينيات القرن، دخل الراديو إلى المنازل وأصبح الكوميديون في مقدمة نجومه، لكنه في الوقت نفسه ساهم في تراجع الفودفيل؛ إذ لم يعد الجمهور مضطراً إلى مغادرة منزله للبحث عن الترفيه. كما دفع انتشار الراديو الكوميديين إلى البحث عن كميات هائلة من المواد الجديدة، ما أدى إلى ظهور كتّاب متخصصين يعملون معهم بشكل دائم.

ويسلّط بيرمان الضوء على مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ انتقلت الكوميديا بقوة إلى التلفزيون، وكان لنجاح مقدّم البرامج ميلتون بيرل دور كبير في جعل التلفزيون وسيلة الترفيه المنزلية الأولى في الولايات المتحدة. لكن النجاح لم يستمر بلا أزمات؛ ففي خمسينيات القرن الماضي ظهرت أحاديث عن "أزمة في الكوميديا" مع تراجع بعض النجوم وانفصال فرق شهيرة مثل "أبوت"، و"كوستيلو"، و"مارتن ولويس".

ومع ستينيات القرن الماضي، بدأت الكوميديا في كسر المزيد من المحظورات، خصوصًا المتعلق منها بالسياسة واللغة والموضوعات الاجتماعية. ووصل هذا التحول إلى التلفزيون مع مسلسل "الجميع في العائلة" الذي تناول قضايا حساسة بأسلوب ساخر، ووسّع حدود ما يمكن عرضه في الكوميديا التلفزيونية التي تنامت في العقد الأخير من الألفية، وشهدت إنتاجات ضخمة وشعبية مثل مسلسل "فريندز".

غاري بيرمان كاتب أميركي متخصص في تاريخ الكوميديا التلفزيونية وفن "الفودفيل" القديم، من أبرز أعماله كتاب "سنذهب لرؤية البيتلز" (2007) الذي يوثق تجربة معجبي فرقة البيتلز في الستينيات، وكتاب "أفضل الكوميديا البريطانية" (1999) الذي يستعرض أشهر المسلسلات الكوميدية البريطانية، إضافة إلى سيرة بعنوان "المهرج الكامل" عن حياة الكوميدي الأميركي إد وين.