من أول سيجارة في سن 12 إلى قرار الإقلاع.. كيف يستدرج الشباب إلى عالم التبغ؟

في الثانية عشرة من عمرها، لم تكن الشريفة نوفة بنت ناصر تدرك أن تجربة عابرة تحت ضغط إحدى زميلاتها، ستكون بداية لسنوات طويلة مع التدخين. 
وتستذكر بقولها بأن يومها شعرت بالدوار وتركت التجربة، لكنها لم تكن تعلم أن هذه اللحظة، ستعود لاحقا إلى حياتها  من خلال الأصدقاء والتجربة والفضول، للتحول تدريجيا إلى عادة يومية رافقتها مع دخولها الجامعة، حيث بدأت بشراء السجائر بنفسها بشكل رسمي عند بلوغها الثامنة عشرة.
قصة الشريفة نوفة ليست حالة فردية، بحسب مختصين، بل تعكس واقعا يعيشه آلاف الشباب الذين يبدأون التدخين في سن مبكرة، إذ تشير بيانات المجلس الأعلى للسكان إلى أن 83% من متعاطي التبغ في الأردن بدأوا التدخين قبل سن 24 عاما، فيما بدأ 38% منهم قبل سن 18 عاما.
وهو ما تحذر منه أيضا الجهات المعنية بمكافحة التدخين في الأردن والعالم، بالتزامن مع اليوم العالمي للامتناع عن التدخين الذي يرفع هذا العام شعار "فضح زيف المغريات"، في وقت تؤكد فيه الأرقام أن أكثر من نصف الأردنيين ممن تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر يتعاطون التبغ بمختلف أشكاله، مما يجعل الأردن من الدول ذات المعدلات المرتفعة في استهلاك التبغ إقليميا.

تروي الشريفة نوفة أن نقطة التحول في حياتها جاءت خلال سفرها خارج الأردن، حيث اصطدمت بواقع مختلف للتعامل مع التدخين، ففي أحد المطارات خلال توقفها في بانكوك، اكتشفت أن أماكن التدخين محددة داخل غرف مغلقة تشبه الصناديق الزجاجية المليئة بالدخان والروائح الخانقة، الأمر الذي جعلها تشعر للمرة الأولى بمدى الإزعاج الذي يسببه التدخين للآخرين وبحجم المعاناة التي يتحملها المدخن نفسه من أجل الحصول على سيجارة.
وتضيف أن تجربة أخرى عاشتها في اليابان عززت هذا الشعور، إذ كانت السلطات هناك تفرض قيودا صارمة على التدخين في الأماكن العامة، وتوقع غرامات مالية على المخالفين، ما جعلها تدرك أن التدخين ليس وسيلة للراحة كما كان يعتقد، بل عادة تفرض قيود على صاحبها وتجعله أسيرا لها.

 

 


هذا الشعور كان نقطة التحول، بحسب الشريفة النوفة، موضحة  أن قدرتها على التوقف لساعات طويلة خلال الرحلات الجوية ساعدتها على كسر قناعتها بأنها غير قادرة على الإقلاع، رغم أن الخوف من أعراض الانسحاب بقي العائق الأبرز، ولكن لاحقا اكتشفت وجود وسائل مساندة مثل بدائل النيكوتين والعلكة الطبية واللاصقات العلاجية، التي ساعدتها على تجاوز المرحلة الأولى من الإقلاع.
وتؤكد أن قرار الإقلاع لا يقوم على الإرادة وحدها، بل يحتاج إلى دافع واضح وخطة مساندة، سواء كان الدافع صحيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، مشيرة إلى أن وضوح الهدف يرفع فرص الاستمرار في القرار.
بيانات المجلس تظهر أن الذكور يشكلون 71% من متعاطي التبغ في الأردن، فيما تمثل الإناث 29%، في حين بدأ 38% من المدخنين التعاطي قبل بلوغ سن 18 عاما.

 

لماذا يبدأ الشباب بالتدخين رغم معرفتهم بمخاطره؟

أمين سر جمعية "لا للتدخين" الدكتورة لاريسا الور توضح أن شعار اليوم العالمي للامتناع عن التدخين لهذا العام "فضح زيف المغريات" يسلط الضوء على الأساليب الجديدة التي تعتمدها شركات التبغ لاستقطاب الأجيال الشابة، في ظل تراجع معدلات التدخين التقليدي بين اليافعين في العديد من دول العالم نتيجة ازدياد الوعي الصحي بمخاطر التدخين.
وتقول  الور إن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر إدراكا للأضرار الصحية الناجمة عن التدخين، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسب المدخنين من الفئات العمرية الصغيرة عالمياً، وهو ما اعتبرته شركات التبغ تهديدا مباشرا لاستمرارية أعمالها، خاصة أن صناعة التبغ تعتمد على استقطاب مستخدمين جدد باستمرار لتعويض من يقلعون عن التدخين أو يفقدون حياتهم نتيجة الأمراض المرتبطة به.
وتشير إلى أن هذه الشركات لجأت إلى تسويق منتجات جديدة مثل السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن وأكياس النيكوتين الفموية، مع تقديمها على أنها منتجات أقل ضررا، رغم أنها تبقي المستخدم أسيرا للنيكوتين، موضحة أن هذه المنتجات صممت خصيصا لتبدو قريبة من اهتمامات الشباب، إذ تأتي بألوان جذابة وأشكال تشبه الأجهزة الإلكترونية الحديثة، في محاولة لتحويل الإدمان إلى ما يشبه أسلوب حياة عصري.
وتؤكد أن الفئات العمرية الصغيرة تعد الأكثر عرضة لهذه الرسائل التسويقية، خاصة أن الدماغ لا يكتمل نموه بشكل كامل قبل منتصف العشرينيات، مما يجعل اتخاذ القرارات طويلة المدى أكثر صعوبة، ويزيد من قابلية اليافعين للإدمان مقارنة بالبالغين، مشيرى إلى أن الدراسات تشير إلى أن الغالبية العظمى من المدخنين بدأوا التدخين قبل سن الرابعة والعشرين، وهو ما يفسر تركيز شركات التبغ على هذه الفئة تحديدا.
تنسجم هذه التحذيرات مع بيانات المجلس الأعلى للسكان، التي تؤكد أن الفئات العمرية الشابة هي الأكثر عرضة للتجربة، حيث تشير الأرقام إلى أن الغالبية العظمى من المدخنين يبدأون قبل سن 24 عاما، وهي مرحلة لا يزال فيها الدماغ في طور النمو، خصوصا في المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك.

 

 


تكشف البيانات أن الفئات الأقل دخلا هي الأكثر تأثرا بالتدخين، حيث ينفق المدخنون من الأسر الفقيرة ما يعادل 25 ضعف إنفاقهم على الصحة، و10 أضعاف إنفاقهم على التعليم، ونحو مرة ونصف ما ينفقونه على الغذاء، ما يعمق دائرة الفقر ويربط التدخين بأعباء اقتصادية طويلة المدى.
كما يبلغ متوسط إنفاق المدخن الأردني نحو 78 ديناراً شهرياً على السجائر، وهو مبلغ يتضاعف أثره عند احتسابه سنوياً، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
الور تضيف أن التدخين لا يقتصر على كلفته المالية المباشرة، بل يمتد إلى أعباء صحية خطيرة، حيث ترتبط ثلاثة من أكثر أنواع السرطان شيوعا في الأردن بالتدخين، فيما سجلت 10,755 إصابة بالسرطان عام 2022، مع تقديرات بارتفاع كلفة العلاج إلى أكثر من 500 مليون دينار بحلول عام 2030.
وفي جانب السياسات، تؤكد الور أن رفع الضرائب على منتجات التبغ يعد من أكثر الأدوات فاعلية في الحد من التدخين، لأنه يقلل من قدرة اليافعين على الوصول إليه، ويشجع المدخنين على تقليل الاستهلاك أو الإقلاع.
كما ترحب بقرار وزارة الصحة القاضي بإخفاء منتجات التبغ داخل المحال التجارية، معتبرة أن هذا الإجراء يساهم في تقليل تطبيع التدخين أمام الأطفال، ويحرم المنتجات من عنصرها التسويقي الأكثر تأثيرا الظهور المباشر.
من جانبه، يقول مدير التوعية والإعلام الصحي في وزارة الصحة غيث عويس، في تصريحات له إن الوزارة أصدرت تعليمات جديدة تلزم بإخفاء منتجات التبغ خلف ستائر أو خزائن مغلقة، في إطار جهود الحد من انتشار التدخين.
ويضيف أن 38% من المدخنين في الأردن بدأوا التدخين قبل سن 18 عاما، وأن نسبة المدخنين بين البالغين تصل إلى 51%، مشيرا إلى أن تقليد الأهل والأصدقاء يعد من أبرز أسباب بداية التدخين في سن مبكرة، موضحا أن الوزارة تنفذ حملات تفتيشية وتوعوية بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية، إلى جانب تشغيل 31 عيادة متخصصة للإقلاع عن التدخين، استقبلت نحو 21 ألف مراجع خلال عامين، وحققت نسبة إقلاع بلغت 16%.

 


هذا وبالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة التبغ الذي يصادف في 31 من شهر أيار من كل عام، أطلقت مؤسسة الحسين للسرطان حملة “لا تختار هالطريق”، بهدف رفع الوعي بمخاطر التدخين بجميع أشكاله، والتشجيع على الإقلاع عنه، وتعزيز بيئة خالية من التبغ.