مسنة لوحدها.. كما البيلسان

محمد شما: ليس غريبا أن يخترق البرد اللوحات الحديدية التي تراكمت فوق بعضها البعض لتشكل بيتا يقع في "المهاجرين" فالحديد قاس كما حياتها.. فأي حديد يحميها من البرد!

محمد شما:ليس غريبا أن يخترق البرد اللوحات الحديدية التي تراكمت فوق بعضها البعض لتشكل بيتا يقع في "المهاجرين" فالحديد قاس كما حياتها.. فأي حديد يحميها من البرد!
والفقراء المجاورين لها لا يملكون حتى الفتات لمساعدتها..لتسير يوميا في رحلة إلى وسط البلد حيث تحتل موقعا على أحد الأرصفة في استراحة محارب بعد رحلة مشي طويل، ثم الطعام، حال إن أشفقت إحدى المطاعم عليها ثم المعاودة لعريشتها.     
 
يجتاح البرد جسدا، فعل الفقر فعلته فيه، وسنوات عاثت به، ليضحى تعبا كهلا لا يملك شعلة الاستمرار.. 
 
هي، لا تقوى على الحركة لكن خروجها من بقايا المنزل ليس إلا ضربا من الجنون؛ فالطريق طويلة بفعل خطوات متثاقلة بسبب حادثة دهس تعرضت له لتحطم قدمها اليسرى، تلك الحادثة ما كانت إلا ضربا آخر من جنون حياة لم ترحم مسنة تعيش وحدها كما البيلسان.
 
يتسلل البرد إلى جسدها حيث لا يقوى الأخير على المقاومة..بذلك لا تملك سُبلا للرد؛ لتخرج من حربها مهزومة، فلا يوجد أحد يمدها بالمساعدة، وسط مجتمع تنبت الجمعيات الخيرية فيه كالفطر بعد فصل شتائي أشبع الأرض مطرا.
 
ملابسها رثة لا تمدها بالدفء، وبيت يسمح للبرد بالدخول، وأقدام لا تقوى السير، ولا شال استطاع ان يخبئ خصلات شعر بيضاء متعبة، متساقطة على أكتافٍ ضيقة من حياةٍ ضاقت فقرا حتى شبعت..
 
ولم يمنع أنين صوتها اليومي الرطوبة من التسلل على جدرانٍ حديدية وصخور مجاورة، تختلط ملابسها المكومة على الأرض بعفونة منبعثة من تراب رطب لا يهوى العشب ان ينبت عليه، مشكلة أرضا فسيفسائية ليست جيدة لمنزلها...
 
فلا الزمن استطاع أن يثني إرادة حاول الفقر جاهدا منعها من الاستمرار، ولا حرب خطفت أولادها الأربعة من الحياة..فالروح تهوى الحياة حتى لو كانت حرباً.
 
مرغمةٌ على الإقامة في عريشتها نهارا والهجرة منها ليلا.. "لا أريد الموت داخلها" تقولها مرتين أو ثلاثة لست متذكرا. "من يساعد عريشتي" تطلب وتنسى من يساعد جسدها التعب.  
 
عاريةٌ أحزانها.. ولا تيأس من سؤال الناس عن من يساعدها؟ فهم لا يملكون الفتات ليقدمونه لها..هنا تجلس على ناصية إحدى الطرقات لساعات تحت الشمس والهواء البارد لأجل الانتصار على حرب الموت المجاور لعريشتها القاسية، رافضة الموت وحيدة.
 
"جميلة محمود أحمد الشيخ" تتجاوز الثمانين عاما..تمشي  في شارع سقف السير صباحا، حيث يد قابضة على عكاز قديم والأخرى على كيس يحوي أوراق طبية تؤكد انها مسنة وتعاني من مرارة الحياة..  
 
تعيش لوحدها في "المهاجرين" ولا داع لأسباب لتطلب المساعدة، فرؤية وجهها تكفي لسماعها تتحدث بطلاقة وكأنها صبية في ريعان شبابها، ولم يشفع حالها وسنوات عمرها الطوال من السماح لها بدخول قسم العظام في مستشفى البشير لمداواة ساق ثبتتها "أسلاك حديدية" زُرعت بعد دهس لم يرحمها قبل أربع سنوات.."يريدون 300 دينار، لا أملك منها سوى 30 قرشا..خليها على الله".
 
تستيقظ من عتمة يوم لا تجعلها تقول سوى "بعدني عايشة"..وما انحناء الظهر سوى نتيجة عمر يهوى الذل كلما كبر.        
 
"يا أمي ساعدني لأبني طوبه تسد البرد على عريشتي، عريشتي زينكو موتتني برد"..لا تملك الدمع كي تذرفه، ومعاناة سنوات خلت لم تترك حتى رصيدا إضافيا للبكاء.
 
جميلة لا تنتظر المال، إنما من يبني طوبا لعريشتها..مصرة على الحياة ولا تدرك انها لا حياة فعلا داخل "العريشة" هي لا تريد سوى طعام لتستمر في حياتها..  
 
جميلة ليست لوحدها، ففي الأردن تصل نسبة كبار السن فوق الستين (4، 6%) من عدد السكان والكثير منهم ما زالوا بانتظار الدور للحصول على معونة يصرفها صندوق المعونة الوطنية لا تتجاوز مبلغ 35 دينارا شهريا وإن حصلوا عليها فلا تكفي لتغطية الحاجات الأساسية من مأكل ومسكن وعلاج.
 هذا التقرير يتضمن صوت "جميلة" وفيه وجهت رسالة إلى أصحاب الضمائر الحية.........