فوضى المعلومات.. كيف تعيد الشائعات تشكيل وعي المجتمع؟

في ظل الأزمات والتوترات الإقليمية، تتصاعد وتيرة انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، خاصة في ظل التطور الرقمي المتسارع، الأمر الذي يعتبره مختصون في الجرائم الالكترونية أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي، بل باتت تمثل تهديدا حقيقيا للأمن المجتمعي والاستقرار العام.

ويحذر الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، من تصاعد حجم الأخبار الزائفة خلال الظروف الاستثنائية، داعيا المواطنين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية ووسائل الإعلام المهنية كمصدر رئيسي للمعلومات. 

كما يؤكد الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام أن الجهات المختصة، وعلى رأسها وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، تتابع المحتوى الرقمي بشكل مستمر لرصد الشائعات، مشددا على ضرورة عدم تداول الأخبار غير الموثوقة.

تقرير صادر عن مرصد "أكيد" لقياس مصداقية الإعلام في الأردن، يبين أن شهر آذار الماضي شهد تسجيل 142 شائعة، بمعدل يقارب خمس شائعات يوميا، وهو الرقم الأعلى منذ بداية عام 2024.

وتوزعت هذه الشائعات بين قطاعات متعددة، حيث تصدرت القضايا المرتبطة بالحرب والأحداث الإقليمية بنسبة 44%، تلتها السلع الغذائية بنسبة 19%، ثم الوقود والطاقة بنسبة 16%.

كما يظهر التقرير أن 96% من هذه الشائعات انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقابل 4% فقط عبر وسائل الإعلام التقليدية، مما يعكس الدور المتنامي للفضاء الرقمي في تضخيم المعلومات المضللة وتسريع انتشارها.

ويرى خبراء أن التفاعل العاطفي مع المحتوى يعد أحد أبرز أسباب انتشار الشائعات، إذ يسهم في تداولها بسرعة كبيرة دون التحقق من صحتها.

المتخصص في الجرائم الإلكترونية، الدكتور أشرف الراعي يوضح لـ عمان نت أن الشائعات تنتشر بسرعة أكبر خلال الأوقات الحرجة والأزمات مقارنة بالأوقات العاديةن مؤكدا أن هذه الظاهرة تتفاقم في ظل الظروف الإقليمية المتوترة، حيث تشهد المنطقة تصعيدات عسكرية وإعلامية، ما يجعل الشائعات اليوم تشكل خطرا غير تقليدي على المجتمع، وتستخدم أحياناً لبث معلومات غير دقيقة.

ويضيف أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على السلاح التقليدي، بل أصبحت تدار أيضا عبر حروب المعلومات، حيث تلعب الشائعات دورا محوريا في تشكيل الرأي العام، وفي بعض الحالات تؤثر على الاستقرار، مسببة حالة من القلق أو عدم الثقة أو اليقين لدى الناس.

 

الذكاء الاصطناعي وتضخيم التضليل

مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج المحتوى المضلل أكثر سهولة واحترافية، سواء عبر الصور أو الفيديوهات المفبركة، ما يزيد من تعقيد المشهد الإعلامي، بحسب الخبراء.

ويشير الراعي إلى أن الشائعات تستخدم في ما يعرف بالحرب النفسية، حيث يتم بث معلومات غير دقيقة ومضللة تهدف إلى التأثير على معنويات الناس، وإثارة الخوف والذعر، وتقويض الثقة بالمؤسسات والمجتمع، مضيفا أن هذه الشائعات تنتشر بشكل ملحوظ من خلال المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وغالبا ما يتم تضخيم الأحداث أو تحريفها، بل وخلق جدل واسع، وذلك بسرعة كبيرة، حيث يمكن لمعلومة واحدة غير صحيحة أن تنتقل بسرعة من شخص لآخر.

كما يؤكد أن بعض الأشخاص يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لنشر صور زائفة مرتبطة بهذا التصعيد الإقليمي، مما يزيد من تأثير الشائعات على الأمن الوطني والاستقرار المجتمعي، موضحا أن قانون الجرائم الإلكترونية يتحدث بشكل عام عن بث الشائعات عبر المنصات الرقمية، لكنه لم يغط بشكل محدد استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق.

ويرى أن بعض التشريعات نصت على استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وشددت على العقوبات، لأن هذه الأنظمة قد تبرمج على بث الشائعات بشكل مستمر، مما يجعل الأمر أكثر خطورة، مضيفا أن الاعتماد المتزايد على الوسائل التقنية يعزز من تأثير الشائعات ويضاعف انتشارها.

من جهته، يوضح مدقق المعلومات حازم طقاطقة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ساهمت في تسهيل إنتاج الشائعات، خاصة في أوقات الحروب، حيث تنتشر مقاطع وصور يصعب على المستخدم العادي التحقق من صحتها. 

ويشير إلى وجود أدوات رقمية يمكن أن تساعد في كشف المحتوى المفبرك، مثل المنصات التي تقيس احتمالية استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والفيديوهات.

 

 

البعد القانوني 

على الصعيد القانوني، لا يميز قانون الجرائم الإلكترونية بين نشر الشائعات عن قصد أو دون قصد، إذ تنص المواد القانونية ذات الصلة على معاقبة كل من ينشر أو يعيد نشر معلومات كاذبة تمس الأمن الوطني أو السلم المجتمعي.

وتصل العقوبات، وفق المادة 15، إلى الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو غرامات مالية تتراوح بين 5000 و20000 دينار. كما تفرض المادة 21 عقوبات مشددة تصل إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات في حال تلقي مقابل مادي لنشر محتوى مضلل.

يوضح الراعي أن الفرق بين نقل خبر غير دقيق والترويج المتعمد للشائعات بحسب القانون المعمول به لا يفرق بين تداول الأخبار الزائفة أو الشائعات، إذ نصت المادة 15 والمادة 21 من قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة من يرسل أو يعيد نشر معلومات كاذبة تهدد الأمن الوطني والسلم المجتمعي، سواء كان الفاعل قصدا أو غير قصدا. 

ويؤكد أنه حتى إذا كان الشخص غير مقصود، يظل عليه عبء إثبات عدم قصده عند إعادة نشر المعلومات، لذلك يشدد على أهمية التحقق من مصدر الخبر قبل نشره، والاعتماد على المصادر الرسمية والموثوقة.

ويشدد الراعي على ضرورة أن يتحقق المواطن من صحة الأخبار قبل إعادة نشرها، من خلال الاعتماد على المصادر الرسمية ووسائل الإعلام الموثوقة مثل القنوات المرخصة والراديو الرسمي، وتجنب الاعتماد على منصات التواصل الرقمي غير الرسمية، خصوصا في هذه المرحلة الحساسة، مضيفا أن مواجهة الشائعات تتطلب وعيا رقميا وثقافة قائمة على التحقق والتفكير النقدي، لا سيما للأطفال والشباب.

 

تأثير الشائعات على السلوك المجتمعي

لم يقتصر تأثير الشائعات على المجال المعلوماتي فحسب، بل امتد ليؤثر بشكل مباشر على سلوك الأفراد، خاصة في ما يتعلق بالسلع الأساسية. 

فقد شهدت الأسواق في فترات سابقة إقبالا غير مبرر على شراء بعض المنتجات، مثل المواد التموينية وأدوات الإضاءة، نتيجة تداول معلومات غير دقيقة حول نقصها.

ويرى خبراء أن هذا السلوك ناتج عن تضخيم المخاوف عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الشائعات إلى سلوك جماعي يؤدي أحيانا إلى خلق أزمات حقيقية، مثل نقص السلع نتيجة التهافت غير المبرر.

ويشير مدقق المعلومات حازم طقاطقة إلى أن كثيرا من الفيديوهات والصور والأخبار المتداولة تتعلق بالحرب والصواريخ، لكن الموضوع توسع لاحقا ليشمل السلع الأساسية وبعض المواد البسيطة، مما أثر على سلوك المستهلكين.

ويوضح طقاطقة أن الحكومة أكدت أن المخزون الغذائي في الأردن كاف، وأن الوضع آمن، إلا أن انتشار إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي عن توفر كميات محدودة من أدوات الإضاءة، مثل الشموع والفوانيس، أعطى انطباعا خاطئا للناس بأنهم بحاجة إلى الإسراع في شراء هذه المواد قبل نفادها، رغم أن المشكلة كانت مجرد ارتفاع في أسعار الطاقة وليس انقطاعاً كاملاً للكهرباء.

 

 

ويعتبر طقاطقة أن هذا النوع من الإعلانات يخلق حالة من الذعر الجماعي، حيث يبدأ الناس في التهافت على الشراء خوفا من فقدان الفرصة، حتى لو كانت احتياجاتهم الأساسية مغطاة، مما يؤدي بدوره إلى تفاقم نقص المواد، مضيفا أن هذا السلوك يظهر أيضا في الأخبار المتعلقة بالمواد الغذائية، حيث تشيع تقارير عن رفوف فارغة أو ازدحام في المولات، مما يعزز شعور المواطنين بأنهم متأخرون في تأمين احتياجاتهم، ويؤدي إلى شراء كميات أكبر من اللازم، وبالتالي التسبب في نقص حقيقي نتيجة لهذا التهافت غير المبرر.

ويشدد طقاطقة على ضرورة وجود توعية إعلامية متكاملة، بحيث يعرف المواطن كيفية تنظيم احتياجاته بشكل سليم، ويدرك متى يجب الاكتفاء بالكمية الضرورية، مع انتظار الإجراءات الحكومية لضبط الأسواق وضمان توفر المواد الأساسية للجميع.

في المقابل، تؤكد الحكومة الأردنية مرارا أن الوضع التمويني في المملكة مستقر، وأن المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية كافٍ لتلبية احتياجات المواطنين لفترات طويلة، كما أوضحت الجهات المعنية أن سلاسل التوريد تعمل بشكل طبيعي دون انقطاع.

واتخذت الحكومة إجراءات احترازية للحفاظ على المخزون، من بينها تنظيم بيع بعض المواد ومنع تصدير سلع محددة إلا بموافقات مسبقة، لضمان توفرها في الأسواق المحلية.