"ساندوهن" مبادرة رحلة الوصول إلى "عمل لائق"

 سبع سيدات وأكثر، كن يجتمعن كل صباح على تقاطع طرق  منطقة الفيصلية  في محافظة مادبا؛ ليبدأن رحلة الربيع والصيف  متنقلات بين مزرعة وأخرى؛ ليساهمن في تحسين  دخل أسرهن، مرة يقطفن الثمار وأخرى يزلن مخلفات البلاستيك حول النباتات، و يرتبن الخضروات في صناديق قبل توريدها إلى السوق.

 في أحد  صباحات ربيع عام  2023 كانت منى الوخيان وهي عاملة زراعية تشق طريقها مع مجموعة من العاملات نحو إحدى المزارع ، بعد أن دعتها عاملة لفرصة عمل في مزرعة ورد، تنفست الصعداء وأطلقت العنان لخيالها نحو تجربة أرحم من العناية بالباميا أو غيرها بحسب قولها.

لكن ما أن وصلن إلى المزرعة، اصطدم خيالها  وما ظنته بأنه أسهل لعاملات اعتدن الإنحناء لساعات،  بروائح تزكم الأنفاس  ما أن وصلن لتلك المزرعة، لم يكن هناك ورد، اقتربت وزميلاتها أكثر، أشار صاحب المزرعة لآخر الأرض حيث بيت بلاستيكي مغلق، وما أن فتح بابه لهن، حتى فهمن مصدر الرائحة، لقد كانت الأرضية مليئة بالزبل، وهو سماد يحضر من عدة مكونات بعضه من روث الحيوانات، قبل أن يسألنه، بادر قائلا:"مهمتكم تحضير الأرضية قبل زراعة الورد" هنا وقفت  منى بذهول.

 

الشرارة  الأولى لقرار المواجهة

دخلن على مضض، في محاولة لاختبار  قدرتهن على التحمل وتأمين لقمة العيش، لم تمض ساعة  حتى ارتفعت حرارة المكان ، فضاق ولم بعد يطاق كما تصف منى حين تصبب  العرق من جباه العاملات.

التفتت لتتفاجأ  بفتاتين تلهثان من التعب لم يتجاوز عمر الواحدة منهن  الخامسة عشرة، أمسكت إحداهما  هاتفها وهي تمسح العرق عن جبينها متوترة متصلة بوالدتها، بدأت تشكو لها قالت "المكان  ضيق لا هواء الرائحة خنقتني.." وعلى ما يبدو أن الأم تصبرها على المتابعة بحسب ما تروي منى ، ليجيئ رد الفتاة " مابرجع ما برجع مشان الله يا امي"  بينما واصلت اختها العمل جلست هي  جانبا تمسح دموعها، في تلك اللحظة قررت منى التوقف عن العمل. 

 

كانت الساعة تشير إلى العاشرة، لم تعد العاملات قادرات على الاحتمال نظرت إلى وجوههن واحدة تلو الأخرى منتظرة ردة فعل دون جدوى ، تقدمت للباب وهي تقول: " لازم نطلب استراحة أو نكمل بكرة" واجهت صاحب المزرعة بما يشعرن به من ضيق،  لكنه رد  رافضا ببرود .

أعادت عليه طلبها مؤكدة أن العاملات بحاجة ملحة لاستراحة، لكنه لم يستجب، عندها نظرت إليهن مرة أخرى  ليتخذن قرارا جماعيا بالمغادرة، ونبهتهن لصحتهن وحال الفتاتين، وانه من حقوقهن أن يحظين بظروف عمل لائق، لم تتجرأ أي منهن على المضي لو لم تبدأ منى، نهضن جميعا وغادرن دون أجر.

 

 

لم تكن مغادرتهن  احتجاجا عن عمل شاق فحسب، بل ما يزيده مشقة وهي  درجات حرارة عالية  بلا أدوات سلامة، ولا أوقات استراحة أو دورات مياه ولا حتى مياه للشرب، خاصة في شهري  تموز وآب وهو موسم  المزروعات الصيفية، إذ يصل متوسط مؤشر تغير المناخ 4 درجات للاسبوع الأخير من تموز ويبلغ شذوذ الحرارة في آب 5 درجات.

تشكل الإناث  14% من إجمالي القوى العاملة في  الزراعة في محافظة مادبا، وتحتل المحافظة المرتبة 13 بين محافظات المملكة من حيث إجمالي العاملين في القطاع، يتوزعن بشكل متباين بين العمل الدائم والموسمي والمؤقت.

 

 

   *منى الوخيان تقطف الباميا

قانون واضح أمام مخالفات صريحة 

مطالب منى  وزميلاتها هي استحقاق كفله النظام  المعدل لتنظيم العمل الزراعي  رقم (9) لعام 2025م المنشور في الجريدة الرسمية  في مادتيه( 4 - أ ) و(11) ويتسق مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادق عليه الأردن عام 1972م تنص مادته السابعة  على حق كل شخص في شروط عمل عادلة ومرضية تشمل الأجر المنصف والسلامة والصحة المهنية والراحة وفق البند (أ / ب / د).

 

تشرف فرق تفتيش وزارة العمل على إنفاذه، يؤكد محمد الزيود الناطق الإعلامي باسم الوزارة  أنها كثفت فرق التفتيش في النصف الأول من هذا العام  في حملة تمتد لمدة 21 يوما في كافة محافظات المملكة، ونفذت الوزارة 4 حملات تفتيشية متخصصة  في العام الماضي 2025م؛ لرصد مدى التزام أصحاب العمل  في القطاع وتطبيق شروط السلامة والصحة المهنية وضمان تنظيم عقود العمل وأوقات الاستراحة وحماية الأجور من خلال إشراكهم بالضمان الاجتماعي.

يضيف  الزيود:" تبذل الجهود من خلال تطبيق أحكام النظام  بالتنسيق مع مؤسسة الضمان الاجتماعي، بهدف تعزيز جاذبية القطاع وديمومة الإنتاجية وحماية العمالة الزراعية ذكورا واناثا" 

 

 

مبينا أن منصة "حماية" الإلكترونية المخصصة لإستقبال الشكاوى العمالية استقبلت في النصف الأول من العام الجاري 49 شكوى عمالية أكثر من 28 شكوى منها تتعلق بعدم الالتزام بدفع الأجور و3 شكاوى فقط تتعلق بعدم وجود عقد عمل وباقي الشكاوى الأخرى متنوعة بين عدم منح شهادة خبرة وعدم دفع اجر العمل الإضافي.

 

وعلى الرغم من مجهود الوزارة تشخص ليندا كلش مديرة منظمة تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان  ما يعكسه  إعلان  مبادرة "ساندوهن" تقول: "مبادرة ساندوهن تكشف عن فجوة إمتثال  واضحة بين الإطار القانوني والواقع الميداني" وتربط كلش سبب ضعف فعالية القانون بانتشار  العقود الشفوية والوساطة غير الرسمية (الشاويش)، خاصة في المزارع النائية والصغيرة،  وتفاوت في الأجور، تضيف:" إن  توفير مياه شرب نظيفة ودورات مياه ليست رفاهية بل الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية خاصة للعاملين في ظروف مناخية قاسية".

 

 

إطلاق مبادرة "ساندوهن"

من قلب معاناة العاملات وعدم امتثال بعض من أصحاب المزارع بما ورد في نظام العمل الزراعي قررت منى ألا تعود لمنزلها محبطة هذه المرة، تقول:" لم تغادر الحادثة ذهني، سألت نفسي كيف نحمي حقوقنا وسلامتنا، عملت في ظروف صعبة ساعات عمل طويلة، وهذه التجربة غيرت مسار العاملات في المنطقة" وتضيف بأنها وبعد أسابيع قليلة اجتمعت مع عاملتين من ثلاثة مناطق محتلفة في مادبا، هي من منطقة الفيصلية، ونوال من جرينة، وسمر من المأمونية، ناقشن سؤالا واحدا، وهو لمتى يبقى الحال على ما هو عليه؟ الخوف من طلب حقوقهن، الخوف من أن نتيجة الطلب تقابل بالطرد  من العمل.

بعد حوار هادئ  واستذكارا لنجاح  مبادرة سابقة  في الأغوار  الشمالية، قررن التوجه إلى عائشة الحواتمة  لطلبة المشورة وهي  ريادية وصاحبة مشروع زراعي محلي في مادبا ، أشارت عليهن بالتواصل  باسم العاملات مع مؤسسة "أهل" بحثا عن طريقة مختلفة للتغيير.

في مؤسسة أهل، تلقت تدريبات على التفاوض وكسب التأييد والتواصل المجتمعي، توضح نور الديسي، مرافقة وممكنة حملات مؤسسة "أهل"، أن دور المؤسسة يقتصر على "مرافقة الحملة، لتحويل المعرفة إلى عمل جماعي منظم وبناء تشاركية من خلال استراتيجيات التفاوض، انطلاقا من الإيمان بأن أهل القضية هم الأقدر على قيادة التغيير في قضاياهم" وتضيف بأن  العاملات يمتلكن معرفة دقيقة بالواقع، يرتكز من إقناع أصحاب المزارع  بأن تحسين ظروف العمل يصب في مصلحة الجميع.

 

 

 

ما يميز "ساندوهن"  بحسب الديسي كحملة تنظيم مجتمعي هو قيادة  العاملات أنفسهن، وهن من يحددن أولوياتها واستراتيجيته، وتعتمد على تقاسم المسؤوليات وبناء فرق قيادية بدلا من الاعتماد على أفراد، بدأت الرحلة بمسار تعلم حول التنظيم المجتمعي، ثم توسعت الدائرة باستخدام "التعليم الشعبي" قبل انطلاقها الرسمي بمرافقة "أهل".

 

تكتيك "لقمة هنية": قوة التفاوض الجماعي

بالتزامن مع تلك التدريبات،اعتمدت المبادرة على تكتيكات تفاوض مبتكرة، تضحك منى وهي تستعيد أول محاولة تفاوض أطلقت عليها اسم" لقمة هنية"  تقول:"اخترنا الوقت الي يكون فيه صاحب المزرعة رايق، قدمنا له وجبة غداء، وبعدها  بدينا نحكي معه عن حقوقنا ".

 

بدأت العاملات حديثهن حول حاجتهن إلى فترات استراحة وأدوات سلامة ودورات مياه، في البداية استغرب صاحب المزرعة مطالبهن، لكن النقاش انتقل إلى زاوية أخرى، ماذا لو كانت العاملة الأكثر راحة اكثر قدرة على الإنتاج والاستمرار في العمل؟ شيئا فشيئا وجدت الفكرة طريقها إلى رأسه ليقتنع.

 

تتأمل  منى المشهد قبل أن تضيف:" من هنا ولدت مبادرة "ساندوهن" عام 2024 من هذا الحوار البسيط" أما  التكتيك الموازي بحسب  منى، فتمثل  في توعية العاملات بحقوقهن، تزور العاملات في منازلهن، وأطلقت على هذا التكتيك اسم " ابريق شاي" إذ تتواصل مع إحدى العاملات لاستضافتها مع مجموعة زميلات، ثم تشرح لهن الحقوق وتشجعهن على التفاوض الجماعي، بدلا من المطالبات الفردية التي غالبا تكون أقل قدرة على إحداث تغيير.

تقول نوال الحسبان وهي إحدى العاملات والمفاوضات :" سعادتي لا توصف واعتبرها من أثر ساندوهن، رافقتني عاملات وقدت تفاوض مع صاحب كرم دوالي، وبعد أخذ وعطا وباسلوب اقتنع، ان الإنتاجية تبدأ من حقوق وراحة العامل" وتضيف بأن التفاوض الجماعي ينجح، وفي نهاية المطاف وزع  عليهن عبوات مياه وطواقي وكفوف، وفتح دورة مياه المزرعة.

ثمار الحراك

خلال ثلاث سنوات،  توسعت المبادرة مع انضمام مزيد من العاملات  في القطاع، إذ ارتفع عددهن من 35 عاملة إلى نحو 180 عاملة زراعية في مناطق مختلفة من محافظة مادبا،  ولم يقتصر أثرها على زيادة  في عدد المستفيدات، بل نجحت أيضا في إقناع ثمانية من أصحاب المزارع بتوفير أدوات السلامة المهنية ومنح وقت للاستراحة خلال ساعات العمل، فيما أنشأ ثلاثة منهم دورات مياه داخل المزارع.

ورغم أن هذه التحسينات قد تبدو  محدودة، فإنها بالنسبة للعاملات تمثل تحولا ملموسا في ظروف العمل، بعد سنوات من العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس دون تلك الحقوق. 

وتستعيد منى جانبا من تلك الظروف، بقولها:" في السابق كانوا ينقلونا في صندوق السيارة( البك أب) وكنا نقضي ساعات طويلة تحت الشمس، كنت أرجع للبيت منهكة ومحبطة، اليوم صرنا نعرف حقوقنا ونطالب".

 

تعلق كلش بأن قيمة المبادرة لا تكمن فقط في النتائج المباشرة التي حققتها داخل عدد من المزارع، بل وفي قدرتها على تعزيز وعي العاملات بحقوقهن وإيجاد مساحة للحوار بينهن وبين أصحاب العمل.

 

استدامة الحلول  وفق كلش 

وبينما نجح تكتيكهن والتفاوض، تدعو كلش لاستدامة ساندوهن وغيرها من مبادرات حقوقية؛ من خلال تسهيل الوصول  إلى العدالة وتقديم مساعدة قانونية، ودعم مالي  وتشجيع الحوار المباشر بين العاملات وأصحاب العمل، وبناء جسور تواصل مع الجهات الرسمية.

وتتمثل رؤيتها الإصلاحية في إطار قانوني لدورالشاويش ، والتوسع التدريجي في الشمول  بالضمان الاجتماعي، مع ربط الحوافز الحكومية (كالأسمدة والمياه) بالامتثال لتوثيق العقود، وتؤكد وجود تجارب دولية قابلة للتكييف في السياق الأردني، مستلهمة   النموذج الإسباني في إنشاء قواعد بيانات رقمية موحدة لتوثيق العقود وتتبع أيام العمل، والتجربة الإيطالية في اعتماد تفتيش ذكي قائم على تحليل المخاطر لتوجيه الرقابة نحو المواقع الأكثر عرضة للانتهاكات.

كما  وتقترح كلش إشراك وزارة الزراعة في الرقابة، ما  تصفه بخطوة محورية لمساندة وزارة العمل تقول:" بفضل معرفتها العميقة بخارطة المزارع النائية وأنماط العمل، يمكن لوزارة الزراعة تسهيل وصول المفتشين للمواقع الأكثر عرضة للانتهاكات وتحديد أولويات الرصد كما تساهم الوزارة عبر برامجها الإرشادية في تقديم الدعم الفني وتعزيز الامتثال الطوعي لأصحاب العمل".

 

اليوم، ومع  اقتراب نهاية يوم عمل جديد، تقف منى بين بساتين  أمضت سنوات طويلة تتنقل بينها  كعاملة موسمية، لم تعد العاملة التي غادرت مزرعة الورود غاضبة فقط من الظلم الذي تعرضت له ذات يوم، لقد حولت تلك اللحظة لإنطلاقة شجاعة عززت منها وعي العاملات في منطقتها.