رسائل متعددة من كتاب المقالات الأردنيين : لا للهلع، نعم لضبط السوق وحماية الاستقرار

عكست مقالات كتّاب الرأي في الأردن صورة مركّبة للمشهد الداخلي والإقليمي، حيث تداخلت التحذيرات من فوضى الأسواق مع قراءات استراتيجية للحرب الدائرة في المنطقة، ورسائل سياسية واقتصادية تتعلق بإدارة الدولة للأزمة، في وقت يتزايد فيه القلق من تداعيات الصراع بين إيران وإسرائيل على مختلف المستويات.

في هذا السياق، حذّر الكاتب ماهر أبو طير من ما وصفه بـ”عدوى خطيرة” بدأت تنتشر في الأسواق، مشيرًا إلى أن موجة رفع الأسعار التي طالت سلعًا مختلفة لا تستند إلى مبررات واقعية بقدر ما تعكس سلوكًا استغلاليًا. وقال إن “الناس يلمسون بأنفسهم أن أسعار سلع كثيرة ارتفعت بذريعة أنها مستوردة حديثًا، بينما الحقيقة أنها مخزنة منذ فترة”، معتبرًا أن ما يحدث هو حالة “يتهم فيها الجميع بعضهم البعض دون وضوح في الحقائق”.

وأضاف أن هذه الظاهرة لا تقتصر على المواد الغذائية، بل تمتد إلى قطاعات أخرى، في مشهد “يشبه العدوى التي تتمدد بين مختلف القطاعات”، محذرًا من أن الهلع المجتمعي قد يتحول إلى عامل مضاعف للأزمة، خاصة مع توجه البعض إلى التخزين المفرط. وشدد على ضرورة تدخل الجهات الرسمية عبر “زيارات مباغتة للمخازن والأسواق”، مؤكدًا أن “ترك الأمور دون حسم قد يؤدي إلى استنزاف المخزون وخلق أزمة مصطنعة لا أساس لها”.

وفي سياق متصل، رأى الكاتب سلامة الدرعاوي أن القرارات الحكومية الأخيرة الخاصة بترشيد الإنفاق تحمل دلالات أعمق من مجرد إجراءات مالية، معتبرًا أنها تمثل “إعادة ضبط لمنهجية إدارة المال العام”. وأوضح أن “التدرج في القرارات يعكس فهمًا لطبيعة الاقتصاد الأردني الذي لا يحتمل صدمات مفاجئة”، لافتًا إلى أن الحكومة بدأت “بنفسها في تقليص الهدر قبل مطالبة الآخرين بذلك”.

وأشار الدرعاوي إلى أن الحفاظ على انسيابية سلاسل التوريد ومنع فرض أعباء إضافية على كلف الشحن يعكس توجهًا واضحًا نحو “امتصاص الصدمات بدل نقلها إلى المواطن”، مؤكدًا أن إدارة الأزمة لا تقوم على رد الفعل، بل على “بناء سيناريوهات متدرجة تستند إلى خبرة سابقة في التعامل مع الأزمات”.

من جانبه، أشاد الكاتب أحمد عوض بسرعة تحرك الحكومة لاحتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، معتبرًا أن قرار عدم عكس الزيادة العالمية بالكامل على السوق المحلية “جاء في توقيت حساس لحماية المواطنين من موجة غلاء قاسية”. وأكد أن “امتصاص صدمة الطاقة يقلل الضغط على الأسر ويمنع انتقال التضخم إلى قطاعات أوسع كالنقل والغذاء والخدمات”.

وأضاف أن هذه السياسة، رغم كلفتها المالية، تبقى أقل كلفة من “ترك الأسعار ترتفع ثم محاولة معالجة آثارها لاحقًا”، محذرًا من أن أي موجة تضخم جديدة ستؤثر بشكل مباشر على الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود، في اقتصاد يعاني أصلًا من ضغوط معيشية متزايدة.

على المستوى السياسي والاستراتيجي، قدّم الكاتب محمد أبو رمان قراءة معمقة لرسائل رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، معتبرًا أنها تتجاوز الخطاب التقليدي نحو “بناء إطار وطني لفهم الحرب الراهنة”. وأشار إلى أن الرفاعي حذّر من “الأوهام الإقليمية التي تصنعها الدعاية السياسية”، داعيًا إلى التمييز بين الشعارات والحقائق.

وبيّن أبو رمان أن الرفاعي أعاد توجيه النقاش الداخلي نحو الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالأمن القومي، مثل تحديد التهديدات الرئيسية وإعادة تعريف المصالح الاستراتيجية في ظل التحولات الكبرى، محذرًا من أن “الاعتماد على الشعارات أو ردود الفعل العاطفية لن يكون كافيًا في مرحلة تتسم بزلازل سياسية قد تعيد تشكيل المنطقة”.

كما لفت إلى أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو هشاشة الأوضاع الداخلية في عدد من الدول العربية، حيث قد تتحول الأزمات المحلية إلى صراعات إقليمية واسعة، مؤكدًا أن “المرحلة المقبلة تتطلب وعيًا سياسيًا عميقًا وقدرة على قراءة التحولات بعيدًا عن الاستقطاب”.

وتكشف هذه القراءات مجتمعة عن حالة إدراك متزايد داخل الأردن لخطورة المرحلة، حيث تتقاطع التحديات الاقتصادية الداخلية مع تحولات إقليمية عميقة. وبين التحذير من فوضى الأسواق، والدعوة إلى إدارة حكومية حذرة، والبحث في موقع الأردن ضمن صراعات المنطقة، يتشكل نقاش عام يعكس سعيًا لتفادي الأزمات قبل تفاقمها، والحفاظ على التوازن في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.