حرية الصحافة في الأردن خمس درجات إلى الأمام...!


قد يبدو من السذاجة أن نناقش اليوم "حرية الصحافة" رغم اننا نحتفل فيها اليوم وكل عام في  3 أيار كما قرر العالم في ديسمبر 1993 ان يكون للصحافة يوما يؤكد فيه العالم ان مهنة المتاعب يجب ان ترتاح وتظل حرة ومستقلة، والمفارقة ان واقع الصحافة في كثير من المراحل قبل ذلك كان أفضل!

وكما هو الحال في العالم فإن  الصحافة لدينا في منطقتنا العربية  وجدت بكل سهولة من يتحكم فيها ومن يديرها بحسب المرجعيات "دينية أو سياسية أو اقتصادية " والتمويل "المستقل " بحسب قيمته أو شكلة، و لم يكن حال المسحورين والمتورطين فيها  أفضل.

 إذ أننا لم نكد نتنفس الصعداء بظهور طيف تنوع في التمويل وتفهم رسمي لضرورة التعددية وسماع صوت الآخر معارض أو منتقد او لديه وجهة نظر مختلفة، إلا وتصدمنا تحديات رقمية وأدوات ذكاء إصطناعي يراه كثير منا عالما مجهولا مليء بالطلاسم .

في الأردن بدأت جهات رسمية ومستقلة قبل سنوات البدء بالحديث عن التربية الإعلامية: والفرق بين الشائعات والأخبار المغلوطة والكاذبة وضرورة التحقق وعدم النشر إلا من مصادر موثوقة وذات علاقة  .. الخ أي كل ما تعلمناه من مبادئ المهنية والمصداقية الإعلامية.

 ونحن في خضم كل ذلك ظهر لنا من زاوية عمياء في هذا الدرب الشائك غول الذكاء الإصطناعي والعبث الهستيري بالمشهد الإعلامي بالمجمل والتغيرات البنيوية في مهنة الصحافة أصلا، وأظن أن هذا حال العالم بأجمع وليس محليا أو عربيا فحسب ومن هنا كيف اقرر وأقيم حرية الصحافة اليوم ومؤشرات القياس اليوم باتت رمادية ومتداخلة بل أن بعضها سقط بالتقادم الزمني من الأساس!.

في القائمين على الإعلام رما تنبهو لواقع الإعلام الحساس  اليوم سواء من حيث الشكل والمضمون، وكيف يؤثر ذلك  على حرية الصحافة بشكل جوهري وهو ما نتج عنه تحسن واقع الأردن على مؤشر تقرير صحفيين بلا حدود للعام 2026، لكن الواقع يقول ان هناك الكثير من العمل لا بد ان يتم وجهدا أكبر يجب أن يبذل في الأردن واقعيا ما زال في المنطقة الحمراء الداكنة  بالمركز 142 من أصل 180 أي ما زالت حرية الصحافة مقيدة أي ما زال الإعلام يحتاج لمساحة أكبر لتنفس الحرية.

صحيح أن  وزارة الإعلام والاتصال هي مسؤولة عن تنظيم القطاع ووضع السياسات والاستراتيجيات وتدفق المعلومات الرسمية الموثوقة وهو ما تقوم به: هناك  موجز شهري  يظهر أعمال الوزرات، وهناك  لقاء أسبوعي مع الصحفيين حول أهم موضوع  في الأردن في أسبوع ويتم بحضور ممثلي  الوزارات المعنية  فيه بما يعرف بمنتدى التواصل الحكومي، وأظن أن تنظيم الإعلام الرقمي كان من أبرز ما تم في الفترة السابقة للتفريق ما بين قطاع مواقع التواصل الاجتماعي وقطاع الإعلام وصناعة المحتوى الإعلامي .

لكن  الكرة ليست في ملعب الوزارة فقط فهناك أكثر من طرف في الأردن يتحكم بواقع الإعلام تنظيميا وشكليا وحتى مضمونا، إذ تتعدد دوائر الإعلام في دوائر صنع القرار وبالتالي يتوه القرار بينها، وتتعدد المرجعيات فيتوه الإعلامي بنيها، وتتقاسم المؤسسات الإعلامية جهات تنظيمية مختلفة فيبقى المستثمر في الإعلام  مترددا.

وهنا لا بد من التوقف وإتخاذ قرار :إذا أردنا بالفعل أن يكون الإعلام حرا ومنتجا لمحتوى حقيقي خال من المبالغات و التضليل والشائعات، وهل نرى فيه أيضا قطاع استثماري إبداعي واعد يحقق دخل و يرفع وعي ويخلق فرص عمل للخريجين والخريجات الذين كونو جسم صحفي موازي "صحفيين بالقطعة"  بدون مؤسسات أو مرجعيات واضحة .

 بعدها تأتي إجراءات سريعة ولكن يجب ان تكون "جراحة عميقة" لترتيب قطاع الإعلام تنظيما : تحسين مخرجات كليات الإعلام التي مازال بعضها يدرس مناهج من القرن الماضي لجيل بعضهم لا يستخدمون الورقة والقلم من الأساس، تحسين البيئة التشريعية والحد من القيود، توحيد المرجعيات، فصل المؤسسات التنظيمية عن تلك المعنية بالمضمون، التخفيف من القيود سواء المهنية  أو الشكلية والتنظيمية مثل تخفيض الرسوم  وغيرها.

رغم قتامة الواقع إلا أنني أرى ان هناك بارقة أمل واعدة هناك جيل من الصحفيين الرقميين بإمكانهم ان حصلوا على فرصة تغيير المشهد كامل يقابلهم جيل واعد من صناع القرار المتفهم في دوائر الدولة، يحتاجون بيئة تشريعية وتنظيمية وتمويلية شجاعة  من شأنها نقل واقع حريات الصحافة وكثير من القطاعات الأخرى من أحمر قاني إلى أخضر واعد .

بالمحصلة لا يجب إغفال أهمية التقدم خمس درجات في الأردن في ظل التراجع العالمي لحرية الصحافة بالمجمل والقيود التي تتعرض لها في دولة مثل الولايات المتحدة التي اخترعت مصطلح الحرية من الأساس ، وتغول رأس المال والمصالح على صناعة الإعلام ، بل في ظل تعرض صحفيين للقتل والتصفية في "دولة الإحتلال"  ومناطق أخرى من العالم.

إلا ان هذا لا يدفعنا للراحة والاسترخاء فالقادم يتطلب صحافة حرة تقف مع دولها وتحارب في جبهة تعد هي الأخطر على الإطلاق: ساحات الإعلام الرقمي .