تمكين: الحكومة تتنصل من واجباتها الاقتصادية والاجتماعية

حظر التجول

 

 

أصدر مركز تمكين للمساعدة القانونية ورقة موقف بين خلالها ملاحظاته على أمر الدفاع رقم (6) والبلاغ  الحكومي الذي يحمل الرقم (7)، وانتقد المركز البلاغ.

 

وقال  ان " الحكومة تتنصل من واجباتها التي هي حقوق أصيلة للشعب، ومن أهمها الحماية الاجتماعية والاقتصادية."



طالع كامل ورقة الموقف:

 

أعلنت الحكومة العمل بقانون الدفاع، رقم (13) لسنة 1992، الذي يمنحها الحق بتعطيل التشريعات السارية، لإحكام إجراءاتها في مكافحة وباء فيروس كورنا المستجد (كوفيد 19)، اعتبارا من السابع عشر من آذار 2020، لتصدر إثر ذلك في التاسع عشر منه، أول أمر دفاع، ليصل تعداد أوامر الدفاع حتى العشرين من أيار 2020 إلى 12 أمرا، أبرزها أمر الدفاع (2)، الصادر في العشرين من أذار 2020، وفيه أقرت الحكومة، فرض حظر التجوال الشامل في المملكة، فأدى إلى توقف العمل في مرافق ومنشآت القطاعين العام والخاص، وألقى بظلال سلبية على العمال وأصحاب العمل.

لكن الأمر رقم (6)، كان أكثر هذه الأوامر إثارة للجدل، لارتباطه بشكل العلاقة بين العامل وصاحب العمل، ووجه بانتقادات واسعة، كشفت عن عدم وضوح بعض بنوده، وإجحافه بحقوق العمال.  

وهو ما تعزز يوم الثلاثين من أيار 2020، حين صدر بلاغ حكومي يحمل الرقم (7)، لتتضمن بنوده: تخفيض أجور عاملي القطاع الخاص لشهري أيار وحزيران 2020، والإجازة لصاحب العمل في القطاعات الأكثر تضررا؛ الاتفاق مع العامل الذي يؤدي عمله في مكان العمل، أو عن بعد على نحو كلي، بتخفيض أجره الشهري بنسبة قد تصل إلى 30 % عن الشهرين المذكورين، وبتخفيض أجور العاملين غير المكلفين بعمل، ممن لا يتطلب منهم عمل، على ألا تتجاوز نسبة التخفيض 50%.

وبشأن القطاعات والأنشطة الاقتصادية الأكثر تضررا، فأقر البلاغ لها، تخفيض أجر العامل الشهري بنسبة تصل إلى 60 %، وألا يقل الأجر بعد التخفيض عن 150 دينارا شهريا، والسماح لصاحب العمل بخصم 50 % من رصيد الإجازات السنوية للعامل في العام 2020، والمستحقة للعمال غير المكلفين بعمل في موقع المنشأة، أو عن بعد، على نحو كامل لـ30 يوما متصلة، أو متقطعة فأكثر، في الفترة الممتدة بين بداية العمل بقانون الدفاع وحتى تاريخ العمل بالبلاغ رقم (7).

كما كشف البلاغ عن تمييز صريح ضد العمال المهاجرين، فاستثناهم من بند تجديد العقود وعدم الفصل من العمل، وأجاز تجديد العقود محددة المدة، والتي تنتهي بين 30 نيسان 2020 وحتى إعلان انتهاء العمل بقانون الدفاع (ما يتعلق بمواجهة الفيروس) بالنسبة للعاملين الأردنيين فقط.

وألزم صاحب العمل بإلغاء أي قرار سابق للبلاغ يخالف ذلك، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه بالنسبة للعامل الأردني حصراً، واعتبار العقد مجددا تلقائيا إلى حين انتهاء العمل بقانون الدفاع، إلا إذا اتفق الطرفان على تجديد العقد لمدة تتجاوز انتهاء العمل بالقانون.

وفي هذا الصدد، فإن تعليق "تمكين" على ما ورد في البلاغ (7)، وما تضمنه  أمر الدفاع (6)، وما صدر من بلاغات بشأن وقف العمل وحقوق العاملين خلال فترة التوقف، لم يكن له داع أو مبرر، في ظل وجود المادة (50) من قانون العمل الأردني، والتي تنص على أنه في حال "اضطر صاحب العمل، إلى وقف العمل بصورة مؤقتة، بسبب لا يعزى إليه وليس في وسعه دفعه، فيستحق العامل الأجر عن مدة لا تزيد على العشرة أيام الأولى من توقف العمل خلال السنة، وأن يُدفع للعامل نصف أجره عن المدة التي تزيد على ذلك، بحيث لا يزيد مجموع التعطيل الكلي المدفوع الأجر، على ستين يوما في السنة".

لكن الحكومة ممثلة بمجلس الوزراء، اختارت في الثامن من نيسان 2020، وقف العمل بهذه المادة، وتنفيذ الفقرتين (هـ) و(و) من البند (4) من أمر الدفاع (6).

وتنص الفقرتان؛ على أنه "لصاحب العمل في المؤسسات والمنشآت المصرح لها بالعمل بصورة جزئية بالنسبة للعاملين غير المكلفين بعمل، أو تلك المشمولة بقرار التعطيل ولم يصرح لها بالعمل، التقدم بطلب لوزير العمل، للسماح لها بدفع ما لا يقل عن 50 % من قيمة الأجر المعتاد لهؤلاء العمال، على ألا يقل ما يتقاضاه العمال من الأجر عن الحد الأدنى للأجور، وتحدد الأسس والشروط التي يتم بموجبها السماح لأصحاب العمل، بدفع ما لا يقل عن 50% من قيمة الأجر الأصلي، بموجب تعليمات يصدرها وزير العمل لهذه الغاية".

جاء البلاغ (7) اجتهادا من الحكومة، برغم أن المشرع أوجد في قانون العمل نصا واضحا لا لبس فيه بشأن التوقف عن العمل، ولو أنها اكتفت بتفعيله من البداية، لما وقعت في التخبط كما هو الحال الآن على المستويات التشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة، وكان يكفيها أن تصدر من القرارات ما تدعم به أصحاب العمل، لتنفيذ نص المادة (4) من الأمر، ولو فعلت ذلك لكانت قراراتها منسجمة مع التشريعات والقوانين من جهة، ومقبولة وواضحة من القطاعات كافة (عمال وأصحاب عمل) من دون أدنى اعتراض من جهة أخرى، لكنها تنصلت من واجباتها المتعلقة بالحماية الاجتماعية والاقتصادية للعمال وأصحاب العمل، ووضعتهم في مواجهة برغم تضرر الطرفين.

وفي سياق تخبط الحكومة هذا، وزج أصحاب العمل والعمال معها، جاء البلاغ الصادر في الحادي والثلاثين من أيار 2020، كمحاولة منها للعودة إلى تطبيق نص المادة (50) من قانون العمل، واعترافا منها بخطأ وقف العمل وتعطيله، لكنها فيما يبدو- وكالعادة؛ تأبى إلا أن تجتهد وترفض الاعتراف الصريح بالخطأ، غير أن ما بني على خطأ وباطل، لن ينتج عنه إلا أخطاء أخرى، فعودتها هذه، استتبت في التخبط والأخطاء والإشكاليات، ومنها:

 جاء في حيثيات البلاغ؛ التأكيد على توفير الحماية الممكنة في مثل هذه الظروف للعمالة الأردنية على وجه الخصوص، فكان التمييز بحمايتهم أول أخطاء البلاغ، وقد ترد الحكومة بأن حماية مواطنيها أولوية بموجب الدستور، وهذا صحيح، لكن في الوقت ذاته، فإن عدم التمييز على أساس الجنسية أيضا أولوية دستورية بموجب المعاهدات الدولية، بخاصة إذا كنا نتحدث عن إجراءات حماية للعمال، بسبب عملهم وظروف العمل في ظل الأزمة، وهي إجراءات تتعلق بعلاقة العامل مع صاحب العمل، ولا نتحدث عن تقديم معونات مباشرة من الحكومة لمواطنيها، برغم أن ذلك مطلوب، وواجب الدولة تجاه من يقيمون على أرضها، حتى لو كانوا غير مواطنين- على الأقل؛ لتأمين الحد الأدنى من العيش اللائق لهم.

 إن الاجراءات التي تضمنها البلاغ، لا تؤدي للنتيجة التي ادعتها الحكومة في مقدمته، كما سيتضح في البنود التالية لاحقا، وهي حماية العامل الأردني، بل على العكس تماماـ جاءت للانتقاص من حقوقه.

 بالنسبة لتجديد عقد العمل محدد المدة حتى تاريخ انتهاء العمل بقانون الدفاع، واشتراط أن تكون قد جرت العادة على تجديد العقد لـ3 مرات سابقة، فإن هذا المعيار جاء قاصرا عن تحقيق الحماية التي يريدها البلاغ، سواء بالنسبة للعامل أو صاحب العمل، فالبلاغ لم يفرق بين المدد المختلفة لعقود العمل، ومنها عقود محددة المدة بشهر أو شهرين أو ثلاثة، تجدد مرة بعد أخرى، ومجمل مدة العمل لا تتجاوز تسعة أشهر، سينطبق عليها ما تضمنه البلاغ، بينما من كان عقده لسنتين أو ثلاث أو خمس، وانتهى عقده خلال فترة الحظر، فسينتهي عقده وعمله، برغم أنه قد عمل لدى المنشأة خمس سنوات أو أكثر، لأنه لم  يجدد العقد لثلاث مرات، وفي هذه الحالة، فإن من عمل لتسعة أشهر، سيمتد عقده، ومن عمل لخمسة وأكثر من السنوات، لن يمتد وسيخسر فرصة عمله.

كذلك فإن تحديد العقود المنتهية بعد الثالث من نيسان 2020، لا معنى أو مبرر له، ما دامت إجراءات الحظر قد بدأت منذ السابع عشر من آذار 2020، وإذا كان الهدف رعاية العامل وتحقيق بعض الأمان له، فما الذي يختلف بين من انتهى عقده في السابع عشر من آذار 2020 أو الثالث من نيسان 2020، فكلاهما غُلّت يده عن البحث عن عمل جديد بسبب الحظر.

 إن تحميل أصحاب العمل، وعلى وجه الدقة، إجبارهم على دفع رواتب لعمال انتهت عقودهم، سواء عبر عودتهم للعمل جبرا عن صاحب العمل، أو من دون عودتهم بسبب الأزمة، أو بسبب إنتهاء الحاجة لهم، لا أساس له في القانون بأي حال من الأحوال، وسيكبد الخزينة تعويضات طائلة، إن لجأ اصحاب العمل إلى القضاء للمطالبة بالتعويض.

قد يَرِدُ بأن تنظيم عقود العمل محددة المدة؛ المرة بعد الأخرى لدى كثير من المنشآت، من قبيل التحايل على القانون لحرمان العامل من مزايا عقد العمل غير محدد المدة، أو من مزايا يعطيها النظام الداخلي للمنشأة للعاملين الأكثر خبرة واستمرارية بالعمل لديها، لكن معالجة الأمر بهذه الطريقة، بعيدة عن روح القانون والعدالة، فليست جميع الحالات متشابهة، أو لا يمكن القول دائما، إن تجديد العقد المحدد المدة مرة بعد مرة، هو دائما للتحايل على القانون، فكل حالة لها ظروفها بحسب طبيعة العمل والمنشأة، والمعيار الذي وضعه البلاغ غير عملي وليس موضوعيا، ولا يبرر بهذه الطريقة العقيمة إعادة العامل جبرا عن صاحب العمل، إذ كان الأجدر، البحث عن حلول أكثر عدالة وقانونية وموضوعية.

 إن استثناء العمال غير الأردنيين من ذلك التمديد، في غاية الغرابة، بخاصة وأنه يأتي في ظل الظروف الحالية، ولا تحكمه أسباب موضوعية، بقدر ما تحكمه الدعاية السياسية كما يبدو، حتى تظهر الحكومة عبره، بمظهر الراعي للمواطن.

 من ناحية صياغة النص؛ فإن استخدام مصطلح تجديد العقد، يعني تجديده لمدة مماثلة للمدة الأولى، وهذا سيخلق إشكالات، بخاصة بالنسبة للعقود الطويلة إن فسر على هذا النحو، فمن كان من أصحاب العمل عقده لسنتين مع العامل، سيجد نفسه مجبرا على التجديد لسنتين أخريين إن انتهى العقد خلال فترة الحظر المذكورة، وكان من الأفضل استخدام كلمة تمديد لا تجديد.

استثني العمال غير الأردنيين من أحكام هذا البلاغ، ولم يوضح فيما إذا كان هذا الاستثناء مقصورا فقط على هذا البلاغ، أم أنه يشمل أمر الدفاع رقم 6 بكامله، فمثلا؛ إذا كان الاستثناء مقصوراً على البلاغ الأخير، فذلك يعني أن أمر الدفاع (6) ما يزال ساريا بحق العمال غير الأردنيين، أما إذا كان الاستثناء شاملا للأمر كاملا من تاريخ هذا البلاغ، فهل وقف العمل بالمادة (50) من قانون العمل، أصبح لاغيا بحق العمال غير الأردنيين ويطبق عليهم منذ الاول من حزيران 2020 أم لا؟. 

وبشأن بند إجازة تخفيض الأجور بنسبة 30% بموافقة العامل وإرادته الحرة، وبشرط البدء بأجور أفراد الإدارة العليا في المنشأة، فهو حكما موجود بأمر الدفاع أصلا، ولا تغيير عليه يستوجب النص لجديد. 

 بالنسبة للمادة (28) التي تجيز فصل العامل في حالات معينة، فإن  إعطاء العامل الأردني ميزة اللجوء إلى وزارة العمل مباشرة، للشكوى والتحقق من حقيقة الفصل، وما إذا كان تعسفيا أو لم يكن، فيرد عليه بما يلي:

أ) تجاوز صارخ للسلطة القضائية صاحبة الولاية .

ب) لم تبين الآلية التي ستقوم بها وزارة العمل للتحقق والتثبت من طريقة الفصل وحق طرفي العلاقة، في الطعن بقرارها.

ج) من واقع التجربة المتكررة أثناء أزمة انتشار فيروس كورونا، ثبت عجز كوادر الوزارة عن ملاحقة المخالفين، وعدم وجود آلية تنفيذ فاعلة.

د) بفرض نجاعة وسرعة إجراءات الوزارة حول التثبت من الفصل التعسفي، وإعادة العامل ومعاقبة المخالف، فإنه من العجيب والمستغرب، استثناء العمال غير الأردنيين من هذه الوسيلة، وهم الأكثر حاجة لها، بخاصة غير العرب منهم، ممن يواجهون أساسا وقبل الجائحة، صعوبات لا حصر لها في الوصول إلى العدالة عبر التقاضي والمحاكم، فكيف في هذه الظروف، وتزداد تلك الصعوبات بحق العمال غير الأردنييين، إذا كانوا من غير الناطقين باللغة العربية، فكيف يطلب منهم اللجوء إلى القضاء، إذا كانوا لا يجيدون العربية،  ولا يستطيعون بطبيعة الحال المادي المتعثر، توكيل محامين.

وتزدادا الصعوبات أكثر بحق العمال المقيمين والعاملين في المناطق الصناعية المؤهلة، كذلك العمال اللاجئين في المخيمات؛ برغم ان العربية لغتهم، لكنهم يجدون صعوبة في التحرك والتنقل. 

10ـ بالنسبة لحق صاحب العمل في خصم 50 % من الراتب  بالنسبة للعاملين غير المكلفين بعمل، فقد شاب هذا القرار عنصرا جوهريا، وهو توضيح وبيان أي العاملين غير المكلفين بعمل هم المقصودون، وما هي المعايير التي على أساسها سيجري تكليف بعض العاملين وعدم تكليف بعضهم بالعمل، وفي كثير من الحالات فإن كلاهما سيحصل على الراتب ذاته  (إذا كانوا أصلا يحصلون على الحد الأدنى للأجور).

11ـ  أخيرا؛ وفيما يتعلق بالقطاعات التي اعتبرت أكثر تضررا فإن: هناك قطاعات اعتبرت أكثر تضررا (المدارس الخاصة)، برغم أن العمل فيها قد استمر عبر استراتيجية التعليم عن بعد، وبرغم عدم إعفاء طلبة هذه المدارس من الأقساط المستحقة خلال مدة الحظر أو تخفيضها، لذلك فلم يكن هناك مبرر لاعتبار هذا القطاع أكثر تضررا، ففيما قد يكون من الصحيح أن أقساط تلك المدارس قد لا تكون دفعت، لكنها بقيت في رصيدها بذمة أولياء أمور الطلبة، وستحصل كاملة ولو بعد حين، ويصبح تمكين أصحاب المدارس من عدم تكليف بعض العاملين بأي عمل، وصولا إلى إعطائهم فقط 40% من أجورهم لا مبرر له. 

وبعض القطاعات لا يمكن اعتبارها من الأكثر تضررا، وإن تضررت كمنشآت، فعلى الأقل لا تختلف كثيرا عن منشآت أخرى اعتبرت أكثر تضررا، فما الفرق بين العيادات الطبية وعيادات الأسنان الخاصة ومكاتب الهندسة (غير المشمولة) مثلا، ومكاتب المحامين والمكاتب العقارية والحسابات (المشمولة).

مرة أخرى نؤكد أنه لم تكن هناك ضرورة لتعطيل نص المادة (50) من قانون العمل ابتداء، ولو أنها فعلت من البداية، لما كنا بصدد كل هذا اللغط الذي أدخلتنا الحكومة في معمعته، فتطبيق القانون كان سيرضي الجميع وبحد أدنى من الاحتجاج.

كذلك؛ فإن استثناء العمال غير الأردنيين من هذا البلاغ، لا تبرير له وغير موضوعي وليس قانونيا، كونه ينطوي على تمييز في الحقوق العمالية ذاتها، وفي وسائل الوصول إلى العدالة، وإن كان البلاغ بصيغته الحالية لا يحقق هذا الضمان للعامل الأردني.

وفي الوقت ذاته، فإن لجوء الحكومة إلى أمان اقتصادي للعمال، بإجبار أصحاب العمل على تشغيل عمال انتهت عقودهم، مخالف للقانون، وسيكون موجبا للتعويض لاحقا.

مما سبق؛ يتضح تماما تنصل الحكومة من واجباتها التي هي حقوق أصيلة للشعب، ومن أهمها الحماية الاجتماعية والاقتصادية.