تداعيات الحرب على إيران تتسلل إلى جيوب العمال في الأردن: كلف طاقة أعلى ومعيشة أثقل

المرصد العمّالي الأردني – رزان المومني

لم تصل تداعيات الحرب بين إسرائيل وإيران إلى الأردن عبر المواجهة المباشرة، لكنها وصلت إلى حياة العمال عبر فاتورة الطاقة. ومع ارتفاع أسعار النفط، بدأت سلسلة من الزيادات تمتد من كلف النقل والإنتاج إلى أسعار الغذاء والخدمات، قبل أن تنعكس في النهاية على دخل العامل وقدرته على الإنفاق، الذي يجد نفسه أمام كلف متزايدة لم يكن طرفاً في أسبابها.

وبينما بقيت رواتب العمال على حالها، ارتفعت كلفة الوصول إلى أماكن العمل، وتبدلت أسعار احتياجاتهم الأساسية، فيما يواجه بعضهم تراجعاً في العمل أو الدخل مع ارتفاع كلف التشغيل.

ولا تظهر هذه الزيادة دائماً في كشف الراتب، لكنها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية لعمال يحاولون تدبير أجور محدودة أمام كلف معيشة متصاعدة. فخمسة قروش إضافية في أجرة رحلة، أو ارتفاع سعر سلعة أساسية، أو زيادة كلفة كل نقلة لسائق، قد تبدو أرقاماً صغيرة منفردة، لكنها تتحول مع تكرارها إلى ضغط متراكم على دخل العامل وأسرته.
 

يدفع أكثر ليصل إلى راتبه

كل صباح يبدأ عبدالله العمري، الذي يعمل في أحد محلات الخضار والفواكه في إربد، يومه بحساب مختلف عن السابق. مكان عمله لم يتغير، وعدد أيام دوامه بقي كما هو، وراتبه لم يرتفع، لكن الطريق إليه أصبح أكثر كلفة.

يعتمد العمري على النقل العام للوصول إلى عمله، وبعد تعديل التعرفة أصبحت الرحلة تكلفه خمسة قروش إضافية. وقد تبدو الزيادة محدودة عند احتسابها للرحلة الواحدة، لكنها تتحول إلى كلفة متكررة مع كل يوم عمل.

فإذا استخدم وسيلة النقل مرتين يومياً، فإن الزيادة تبلغ عشرة قروش في اليوم، ونحو 2.60 دينار شهرياً عند احتساب 26 يوم عمل. وإذا اضطر إلى استخدام أكثر من وسيلة للوصول إلى مكان عمله والعودة منه، ترتفع الكلفة تبعاً لعدد الرحلات.

لكن الـ2.60 دينار ليست الكلفة الوحيدة التي ينظر إليها عبدالله. فهو يدفع أصلاً نحو 60 ديناراً شهرياً بدل تنقلات، من راتب يبلغ 290 ديناراً، ما يجعل كلفة الوصول إلى العمل تقتطع جزءاً كبيراً من دخله.

يقول العمري لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن الطريق من وإلى العمل يشكل عبئاً سابقاً عليه، ومع الزيادة "زاد العبء"، وبالنسبة إليه لا تبدو الزيادة مجرد خمسة قروش في الرحلة، بل مبلغاً جديداً يضاف إلى ميزانية محدودة أصلاً، ويعني في نهاية الشهر مالاً أقل متاحاً للطعام أو الفواتير أو الالتزامات الأخرى.
 

كل شيء ارتفع.. إلا راتبه

ولا تصل فاتورة الطاقة إلى العامل دائماً بصورة مباشرة. أحياناً تظهر في سعر السلعة التي يشتريها، بعدما ترتفع كلفة نقلها أو إنتاجها أو تخزينها وتبريدها، لتنتقل الزيادة في النهاية إلى المستهلك.

هنا تبدأ قصة أحمد، الذي يعمل في أحد المولات في العاصمة عمّان ويتقاضى نحو 300 دينار شهرياً. بالنسبة إليه، لم يتغير الراتب، لكن ما يستطيع شراءه بهذا الراتب تغير بصورة واضحة.

يقول أحمد لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن "كل شيء ارتفع بشكل لافت، إلا الرواتب ما زالت كما هي"، وإن الأعباء أصبحت فوق طاقته. ومع ارتفاع كلفة المعيشة بدأ أحمد يعيد ترتيب احتياجات أسرته.

وكان أحمد ينفق نحو 100 دينار شهرياً على الغذاء والاحتياجات الأساسية، لكنه اضطر إلى تقليل شراء اللحوم، والتخفيف من الخروج، والاستغناء عن بعض الاحتياجات التي لم تعد ميزانيته تسمح بها، والاتجاه إلى شراء سلع أقل سعراً حتى وإن كانت جودتها أقل.

لم يعد الراتب البالغ 300 دينار يكفيه وأسرته المكونة من ثلاثة أفراد بالطريقة نفسها التي كان يكفيه بها سابقاً. فالمشكلة بالنسبة إليه ليست أن راتبه انخفض رقمياً، وإنما أن قيمة هذا الراتب في السوق تراجعت، وهو المعيل الوحيد لأسرته.

ما كان يستطيع شراءه دون حساب، أصبح يحتاج إلى المفاضلة بشأنه، وما كان يكفيه حتى نهاية الشهر أصبح ينفد قبل موعد الراتب.
 

الوقود يلتهم كلفة عمله

أما فيصل، فتظهر فاتورة الطاقة لديه في مكان مختلف. يعمل سائق مركبة لنقل الخضار والفواكه، ويزداد الضغط مع كون دخله مرتبطاً بالإنتاج اليومي وعدد النقلات التي ينفذها من الكروم إلى محلات الخضار والفواكه التي يتعامل معها.

بالنسبة إليه، الوقود ليس بنداً ثانوياً في ميزانية الشهر، بل جزء من تكلفة كل نقلة يقوم بها. وكل ارتفاع في سعر البنزين يعني أن جزءاً أكبر من المال الذي يحصل عليه من عمله يذهب لتغطية كلفة التشغيل.

يقول فيصل لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن ارتفاع البنزين "جعلني أفكر في عدد النقلات التي أنقلها من الكروم إلى محلات الخضار والفواكه التي أتعامل معها، وارتفاع البنزين مع إبقاء سعر النقلة التي أتقاضاها كما هو يشكل خسارة لي".

فإذا بقي أجر النقلة كما هو بينما ارتفعت كلفة الوقود، فإن ما يتبقى لفيصل بعد دفع كلفة التشغيل يصبح أقل. ولذلك لم يعد عدد النقلات وحده هو ما يحدد دخله، وإنما أصبحت كلفة كل نقلة تحدد أيضاً مقدار ما يبقى له منها.

يصل دخل فيصل الإجمالي إلى نحو 400 دينار في بعض الأشهر، قبل احتساب كلف الوقود والتشغيل، ويعتمد على عمله في تغطية نفقات أسرته المكونة من ثلاثة أفراد. لذلك فإن أي زيادة في كلفة التشغيل لا تبقى داخل المركبة، بل تنعكس في النهاية على قدرته على تغطية احتياجات أسرته.

 

الشوبكي: العامل يدفع ثمن الطاقة مرتين

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي والباحث في مجال الطاقة عامر الشوبكي لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى محصوراً في محطات المحروقات، بل ينتقل إلى النقل والإنتاج والغذاء والخدمات.

ويشير إلى أن سعر بنزين أوكتان 90 ارتفع من 820 فلساً للتر في آذار إلى دينار واحد في تموز، بزيادة تقارب 22 بالمئة، فيما ارتفع سعر الديزل من 655 فلساً إلى 850 فلساً، بزيادة تقارب 30 بالمئة، موضحاً أن المنشآت الاقتصادية تتحمل جزءاً من هذه الزيادة.

ويوضح أن ارتفاع كلف الطاقة قد يخفض عوائد المنشآت ويحد من قدرتها على التوسع والتوظيف. أما العامل، بحسب الشوبكي، فيتحمل أثر ارتفاع الطاقة مرتين؛ مرة من خلال كلفة وصوله إلى مكان العمل، ومرة أخرى من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

ويلفت إلى أن العامل الذي يستهلك نحو 50 لتراً من البنزين شهرياً، على سبيل المثال، يتحمل زيادة تقارب تسعة دنانير في فاتورة النقل خلال الأشهر الماضية، إلى جانب الزيادات غير المباشرة الناتجة عن ارتفاع كلف نقل الغذاء والسلع والإنتاج والتبريد والخدمات.

ويؤكد أن ثبات الأجر لا يعني ثبات قيمته، إذ إن كل ارتفاع في الأسعار يعني انخفاضاً فعلياً في القوة الشرائية للراتب، معتبراً أن التضخم يمثل "اقتطاعاً صامتاً" من دخل العامل.

ولا يرى الشوبكي أن حماية العمال يمكن فصلها عن حماية المنشآت؛ فارتفاع كلف التشغيل قد يحد من قدرة المنشآت على الاستمرار والتوسع، وقد ينعكس في النهاية على فرص العمل. لكنه يؤكد في المقابل أن حماية المنشأة وحدها لا تكفي.

ويقترح تخفيضاً مؤقتاً للضريبة المقطوعة على البنزين والديزل عند اشتداد الأزمة، وتقديم بدل نقل للعاملين من ذوي الأجور المنخفضة، وربط أي دعم أو تسهيلات تحصل عليها المنشآت بالتزامها بعدم تسريح العمال أو خفض أجورهم.

كما يدعو إلى توسيع حماية العمالة اليومية والموسمية، وتشديد الرقابة على تأخير الأجور والعمل الإضافي غير المدفوع، وتوفير مساعدة مؤقتة للعامل الذي تنخفض ساعات عمله أو دخله بسبب الأزمة.

ويشدد الشوبكي على أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً لا يعني بالضرورة أن رفع الأسعار محلياً "قدر محتوم"، إذ تملك الحكومة أدوات اقتصادية واجتماعية للتعامل مع الضغوط، من بينها تخفيض الضرائب والتدرج في التسعير والدعم الموجه.

ويرى أن العامل قد يكون آخر من يعرف تفاصيل تسعير الطاقة، لكنه أول من يدفع ثمنها، محذراً من أن حماية المنشأة من دون حماية الأجر والوظيفة لا تمثل حماية حقيقية للاقتصاد، لأن قدرة العامل على الشراء هي التي تبقي السوق والمنشآت ودورة النشاط الاقتصادي قائمة.
 

اتحاد النقابات: ارتفاع كلف الطاقة يستدعي مراجعة الحد الأدنى للأجور

بدوره، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن خالد الفناطسة لـ"المرصد العمّالي الأردني" إن ارتفاع كلف الطاقة يمثل تحدياً مباشراً للأمن المعيشي للعمال، ولا سيما ذوي الأجور المنخفضة، بسبب تأثيره المباشر على كلفة الوصول إلى العمل، وغير المباشر عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات وكلف الإنتاج والمعيشة.

ويشير الفناطسة إلى أن هذه الارتفاعات تنعكس على القوة الشرائية للأجور؛ فثبات الأجر الاسمي لا يعني بالضرورة ثبات قيمته الحقيقية، إذ تؤدي زيادة أسعار النقل والغذاء والخدمات والاحتياجات الأساسية إلى تراجع ما يستطيع العامل شراءه بدخله.

ويؤكد أن العمال ذوي الأجور المنخفضة هم الأكثر تأثراً، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من دخولهم يذهب إلى الاحتياجات الأساسية، فيما يزداد الضغط على العاملين في قطاعات النقل والصناعة والإنشاءات والزراعة والعمالة اليومية، إضافة إلى العاملين الذين ترتبط دخولهم بالإنتاج أو بعدد الرحلات.

ويلفت إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات رفع كلف الوصول إلى أماكن العمل، خصوصاً للعاملين الذين يقطعون مسافات طويلة يومياً أو يعملون في المناطق الصناعية والمناطق البعيدة عن مراكز المدن، كما يضغط بصورة أكبر على السائقين والعاملين الذين يعتمد دخلهم على النقل وعدد الرحلات.

ويرى الفناطسة أن الحد الأدنى للأجور البالغ 290 ديناراً يحتاج إلى مراجعة مستمرة في ضوء تطورات كلف المعيشة والأسعار، بحيث تعكس مستويات الأجور القدرة الفعلية للعامل وأسرته على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويحذر من أن ارتفاع كلف التشغيل قد يدفع بعض المنشآت إلى تقليص ساعات العمل أو العمل الإضافي، أو تجميد الزيادات، أو الاستغناء عن بعض العمال، مؤكداً أن معالجة تداعيات ارتفاع كلف الطاقة يجب ألا تتم على حساب العمال وحقوقهم.

ويدعو إلى دراسة توفير بدلات أو حلول نقل للعمال ذوي الأجور المنخفضة، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وإشراك الحركة النقابية في القرارات الاقتصادية ذات الصلة بالعمال، إلى جانب تقديم دعم للقطاعات والفئات الأكثر تضرراً وعدم المساس بالحقوق العمالية المكتسبة.

كما يؤكد أهمية استمرار الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج بشأن انعكاسات ارتفاع كلف الطاقة والأسعار على العمال والمنشآت، مشدداً على أن حماية العامل لا تتعارض مع حماية المنشأة، بل إن استدامة فرص العمل تتطلب أجوراً عادلة وظروف عمل مستقرة.