النكبة الفلسطينية في ذكراها الـ78.. أرقام متصاعدة وصراع يتجدد بأدوات جديدة

في ذكرى تمر كل عام لتعيد فتح جرح لم يغلق منذ 1948، تعود النكبة الفلسطينية هذا العام محملة بأرقام أكثر ثقلا وواقع أكثر تعقيدا، في وقت تتزايد فيه أعداد النازحين وتتسارع فيه وتيرة هدم المنازل ومصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بالتزامن مع حرب مدمرة على قطاع غزة خلفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ القضية الفلسطينية.

تشير التقديرات إلى أن نكبة عام 1948 إلى تهجير ما يقارب 800 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية، وتدمير أكثر من 530 قرية ومدينة فلسطينية.

كما تؤكد بيانات حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد الفلسطينيين حول العالم بلغ مع نهاية عام 2025 نحو 15.5 مليون فلسطيني، منهم 7.4 مليون في فلسطين التاريخية و8.1 مليون في الشتات، بينهم 6.8 مليون في الدول العربية.

ورغم مرور 78 عاما، تؤكد اللجنة الملكية لشؤون القدس أن حقوق الشعب الفلسطيني لن تسقط بالتقادم مهما طال الاحتلال وزادت نكباته، معتبرة أن الذكرى تمثل رسالة للعالم بضرورة الاعتراف الحقيقي بنكبة الشعب الفلسطيني، عبر وقف الانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار الأممي 194 الخاص بعودة اللاجئين وتعويضهم.

وترى أستاذة العلوم السياسية والباحثة في الشأن الفلسطيني الدكتورة أريج جبر أن المشهد الراهن يمثل إعادة إنتاج للنكبة ولكن بأدوات مختلفة، موضحة أن مركز الثقل انتقل من رمزية حق العودة إلى معركة أكثر إلحاحا تتمثل في البقاء على الأرض ومنع تفكيك الجغرافيا الفلسطينية.

وتشير إلى أن مشاريع استيطانية كبرى، من بينها مشروع  E1 ، تستهدف تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات منفصلة، بما يضعف فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة، مضيفة إلى أن السياسات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على السيطرة الأمنية، بل تتسع لتشمل ما تصفه بالهندسة الديموغرافية والجغرافية، من خلال التوسع الاستيطاني، وتكريس الفصل المكاني، وسحب الهويات المقدسية، حيث بلغ عدد الهويات المقدسية المسحوبة منذ 1967 وحتى 2024 نحو 14,869 هوية.

 

صمود مجتمعي في ظل تصعيد سياسي وميداني

ورغم الظروف السياسية والميدانية الصعبة، تشير جبر إلى أن الإحصاءات تظهر ارتفاعا في نسب التعليم واستخدام الإنترنت بين الفلسطينيين، معتبرة ذلك مؤشرا على شكل جديد من الصمود المجتمعي.

وترى أن العالم يعيش مرحلة عولمة متسارعة، مما يستدعي بحسب قولها استثمار الفضاء الرقمي في تعزيز الرواية الفلسطينية، وتثبيت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ورفض أي محاولات لإعادة صياغة الرواية التاريخية.

في قطاع التعليم بلغت الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نسبة معرفة القراءة والكتابة بين الفلسطينيين 97.9%، متجاوزة المعدلين العالمي والعربي البالغين 88% و89% على التوالي، بينما تقارب نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي 100% في الضفة الغربية، وهي النسبة نفسها التي سجلت في قطاع غزة حتى السابع  تشرين الأول 2023. كما شكلت الإناث 67.8% من الملتحقين بالتعليم العالي.

وتؤكد أن القضية الفلسطينية تتعرض لمحاولات تفكيك إلى ملفات جزئية مثل الجوع والأمن والأراضي، بينما المطلوب إعادة تقديمها كقضية كلية شاملة.

 

 

وترى أن الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة وقوى غربية، نجح في نقل الاهتمام الدولي بعيدا عن القضية الفلسطينية نحو ملفات إقليمية أخرى، مشيرة إلى أن ذلك ساهم في تراجع حضورها على الأجندة العالمية، مضيفة أن السياسات الإسرائيلية الحالية لا تقتصر على السيطرة الأمنية، بل تشمل ما تصفه بالهندسة الديموغرافية والجغرافية، عبر توسيع الاستيطان وتكريس واقع الفصل والتجزئة، مشيرة إلى أن مشاريع استيطانية كبرى، من بينها مشروع E1، تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات منفصلة، بما يعرقل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.، موضحة أن تصاعد التوجه نحو شرعنة البؤر الاستيطانية، الأمر الذي يعزز السيطرة الإسرائيلية على الأرض ويضعف فرص حل الدولتين.

كما أن هناك مساع إسرائيلية لإعادة النظر في الاتفاقيات السابقة بحسب جبر، بما في ذلك اتفاق أوسلو، إلى جانب التضييق على إدارة الأماكن المقدسة، وتفعيل قوانين مثل أملاك الغائبين، وطرح مشاريع تتعلق بعقوبات مشددة بحق الأسرى الفلسطينيين، معتبرة أن هذه الإجراءات مجتمعة تهدف إلى تفكيك الأساس السياسي الذي بني عليه مسار التسوية، وإعادة إنتاج الواقع بما يتجاوز فكرة حل الدولتين.

 

الموقف الأردني دعم سياسي وقانوني متواصل

ويبرز دور الأردن في الدفاع عن القضية الفلسطينية، حيث تؤكد جبر أن الأردن يتحرك في سباق مع الزمن لتثبيت الحقوق الفلسطينية، مستندا إلى الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

وتشير إلى أن الأردن يعمل على تعزيز الخطاب القانوني والسياسي الفلسطيني في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، إضافة إلى دعم الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.

كما تؤكد أن الموقف الأردني لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى معركة وعي تهدف إلى حماية الرواية التاريخية ومنع فرض حلول جزئية لا تعالج جذور الصراع.

في ذكرى النكبة أصدرت اللجنة الملكية لشؤون القدس الأمانة العامة، رسالة تذكر العالم بمعاناة وحقوق الشعب الفلسطيني.

ويؤكد أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس عبد الله توفيق كنعان أن ذكرى النكبة تمثل رسالة واضحة بأن الحقوق الفلسطينية لا تسقط بالتقادم، مشددا على التمسك بحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

ويشير إلى استمرار السياسات الإسرائيلية القائمة على الاستيطان والتهجير والاعتداءات المتكررة، خاصة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، إضافة إلى غياب العدالة الدولية وعدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.

من جهتها، دعت الحملة الدولية للدفاع عن القدس المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه المدينة، مؤكدة أن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى تهويد القدس وتغيير هويتها العربية.

وأدانت الحملة عمليات الهدم ومصادرة الممتلكات والاقتحامات المتكررة للمقدسات، معتبرة أنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، معلنة نيتها التوجه إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية للطعن في التشريعات الإسرائيلية المتعلقة بالقدس.

هذا ودعت فعاليات شعبية وحزبية إلى مسيرة جماهيرية تنطلق من وسط العاصمة بعد صلاة الجمعة، إحياء لذكرى النكبة، وتأكيدا على الدعم الأردني المستمر للقضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات، مؤكدين أن المشاركة في هذه الفعاليات تعبر عن وحدة الصف الأردني والتفافه حول القيادة الهاشمية في دعم الحقوق الفلسطينية.