القطامين: يجب أن لا تبقى الموازنة رهينة عوائد المحروقات والدخان
حذّر وزير العمل الأسبق والخبير الاقتصادي الدكتور معن قطامين من تداعيات اقتصادية تنتظر الأردن جراء الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات.
مؤكداً أن المملكة باتت تحتل المرتبة الأولى عالمياً في أسعار البنزين، في ظل تشابك عوامل الضريبة المقطوعة مع الارتفاع العالمي لأسعار النفط، المدفوع بتوترات إقليمية متصاعدة لم تُحسم فصولها بعد.
وصف قطامين، في مقابلة مطوّلة مع راديو البلد، وصول سعر لتر بنزين 90 إلى دينار أردني كاملاً بأنه "رقم مذهل"، مشيراً إلى أن المواطن القادم من محافظات كالطفيلة أو العقبة أو إربد أو المفرق بات يدفع ما لا يقل عن 25 ديناراً ثمناً للوقود في رحلة واحدة إلى العاصمة، دون أن يأكل أو يشرب أو يقضي أي حاجة، فضلاً عن المخالفات المرورية التي باتت تُضاف إلى العبء ذاته.
وقال ساخراً: "نحن في عندنا مشكلة كبيرة على مستوى العالم.. وفي موضوع أسعار النفط حققنا المرتبة رقم واحد عالمياً، وهي مش شغلة سهلة تحققها".
الضريبة المقطوعة.. الثقل الخفي فوق السعر العالمي
أوضح قطامين أن السعر الذي يدفعه الأردنيون لا يعكس السعر العالمي وحده، بل يُضاف إليه عبء الضريبة المقطوعة التي تجعل الفاتورة النهائية أثقل بكثير مما يدفعه المستهلك في دول أخرى. ولفت إلى أن هذه الضريبة تُشكّل رافداً محورياً للخزينة العامة، إذ تتجاوز عائداتها مليار دينار سنوياً، وهو ما يجعل أي تخفيف منها قراراً بالغ التعقيد من الناحية المالية.
وأضاف: "أنا عندي دكتوراه في الاستثمار ولحد اليوم مش فاهم شو معنى معادلة التسعير هذه وكيف تنحسب".
وحذّر الخبير الاقتصادي من أن أسعار النفط لن تعود إلى مستوياتها السابقة في المدى المنظور، حتى لو توقفت الحرب في المنطقة غداً، مؤكداً أن العقود المبرمة على المدى المتوسط والبعيد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط وتعقيدات سلاسل الإمداد، ستُبقي الأسعار مرتفعة. وتوقع خبراء دوليون، بحسبه، ألّا تعود أسعار النفط إلى مستوياتها السابقة قبل عام 2026 على أقل تقدير.
وشدد على أن ارتفاع أسعار المحروقات لن يقتصر تأثيره على ضخ الوقود في السيارات، بل سينعكس حتماً على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والغذاء والخدمات كافة، قائلاً: "الله يجيرنا من هاي السنة لأنك لسه في البداية".
الموازنة أسيرة المحروقات والدخان
كشف قطامين عن اختلال هيكلي عميق في بنية الإيرادات العامة، إذ تعتمد موازنة الدولة اعتماداً مفرطاً على عائدات الضرائب المقطوعة على المحروقات والدخان والاتصالات، مشيراً إلى أن هذين البندين وحدهما يُدرّان أكثر من ملياري دينار للخزينة.
ورأى أن هذه المعادلة تجعل المواطن رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، وتحول دون أي مرونة في التعامل مع الصدمات الخارجية، مؤكداً أن الحل الجذري لا يكون إلا بزيادة الإيرادات غير الضريبية عبر مشاريع حكومية منتجة وذات قيمة استراتيجية.
كما تطرّق إلى ملف الدين العام، محذراً مما وصفه بـ"الدائرة المفرغة"، حيث يجري الاقتراض لتمويل خدمة الدين لا الاستثمار، مما يُفاقم العجز ويُعيد دورة التداين من جديد.
وطالب بتحوّل جذري في توجيه الاقتراض نحو مشاريع استثمارية منتجة بدلاً من توظيفه في سداد الفوائد والرواتب. وأشار إلى نموذج مطار الملكة علياء بوصفه مثالاً ناجحاً يُدرّ على الخزينة ما بين 100 و150 مليون دينار سنوياً، مطالباً بتكرار هذا النهج في قطاعات حيوية أخرى.
ودعا قطامين إلى إعادة النظر الجذرية في السياسة الطاقية الأردنية، مستشهداً بتجربة دول أوروبية كهولندا التي وفّرت الكهرباء لقراها الريفية بالكامل عبر طواحين الرياح.
ورأى أن الأردن يمتلك إمكانات هائلة في مجال طاقة الرياح والطاقة الشمسية، غير أنها تُهدر بسبب السياسات الضريبية التي تُثبّط المستثمرين، في إشارة إلى الضرائب المفروضة على الألواح الشمسية وارتفاع تعريفة الكهرباء على سيارات الشحن الكهربائي.
وأكد أن رفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني بنسبة 10% سنوياً كفيل بتحرير الأردن تدريجياً من أسر السوق النفطية العالمية، داعياً إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لبلوغ هذا الهدف بأسرع وقت ممكن.
وأثار قطامين ملف الثروات الباطنية الأردنية بشيء من التحفظ والتساؤل، مشيراً إلى أن الأردن يمتلك احتياطيات من الليثيوم واليورانيوم والسيليكا، وأن هذه المعادن كانت موضع نقاش منذ عام 2014 دون أن تُترجم إلى واقع ملموس. ورحّب بالاتفاقيات الأخيرة في هذا الملف، لكنه طالب الحكومة بمزيد من الشفافية.
قائلاً: "أنا عندي غموض كبير في هذا الملف.. واحنا بحاجة لشفافية أكثر".
وحول رؤية التحديث الاقتصادي، مشيراً إلى أنها بُنيت على فرضية تحقيق نمو سنوي بنسبة 5.6%، غير أن الواقع لم يتجاوز 2.7%، أي ما يعادل نصف المستهدف.
وأشار إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يصل إلى مستهدفاته المحددة بأربعة مليارات دولار سنوياً، مؤكداً أن أي خطة تحديث لن تُؤتي ثمارها ما لم يتجاوز معدل النمو عتبة الـ5%، وهو ما يستلزم إصلاحات هيكلية جريئة لا تزال في انتظار التنفيذ.












































