أين تقف حرية الصحافة في الأردن اليوم؟
في الثالث من أيار من كل عام، مع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، يعود الحديث في الأردن حول واقع الإعلامية، في ظل ما تشهده من تغيرات وتحديات عديدة ما بين حرية التعبير والبيئة التشريعية، والتسارع الكبير في التحول الرقمي.
هذا العام، يأتي إحياء المناسبة تحت شعار صياغة مستقبل يسوده السلام حرية التعبير كأداة لتحويل المجتمعات، في وقت تشير فيه المؤشرات الدولية إلى تحسن طفيف في ترتيب الأردن، رغم استمراره ضمن فئة الوضع الصعب.
فبحسب التقرير السنوي الصادر عن مراسلون بلا حدود لعام 2026، تقدم الأردن خمس مراتب على مؤشر حرية الصحافة، ليصل إلى المرتبة 142 عالميا من أصل 180 دولة، بعد أن كان في المرتبة 147 في العام السابق.
وعلى الصعيد العالمي، تظهر بيانات المنظمة أن أكثر من 52% من دول العالم باتت ضمن فئتي الوضع الصعب أو الخطير، مما يعكس تراجعا عاما في بيئة حرية الصحافة عالميا.
فيما يتعلق بالانتهاكات، لا تتوفر إحصاءات رسمية معلنة حول اعداد الصحفيين الموقوفين سنويا في الأردن، إلا أن تقارير حقوقية توثق حالات فردية لملاحقات أو توقيفات على خلفية قضايا نشر، استنادا إلى قوانين مثل قانون الجرائم الإلكترونية.
ويكفل الدستور حرية الصحافة والتعبير، حيث تنص المادة 15 على أن، الدولة تكفل حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير وسائر وسائل التعبير، كما تؤكد أن حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة ضمن حدود القانون.
وتخضع حرية الصحافة في الأردن لعدد من القوانين، من أبرزها قانون الجرائم الإلكترونية الذي يتضمن نصوصا تجرم نشر ما يصنف كأخبار كاذبة أو محتوى يمس الأمن المجتمعي، إضافة إلى قانون المطبوعات والنشر ومواد في قانون العقوبات تتعلق بالذم والقدح وإثارة النعرات، وهي تشريعات يرى صحفيون وحقوقيون أنها قد تستخدم لتقييد العمل الإعلامي.
من جهته، يشير نقيب الصحفيين طارق المومني إلى وجود مؤشرات دولية تمنح بعض الدول مراتب متقدمة في حرية الصحافة، رغم تسجيلها حالات قتل وسجن لعدد كبير من الصحفيين خلال فترات زمنية قصيرة، مما يثير تساؤلات حول مدى دقة وموضوعية هذه التقارير، مؤكدا أن الأردن عبر تاريخه لم يشهد مثل هذه الانتهاكات، مضيفا أن الصحافة المهنية الملتزمة لم تكن يوما مقيدة في البلاد.
كما يعتبر أن بعض هذه المؤشرات تفتقر إلى الحياد والنزاهة، داعيا إلى مراجعة تصنيفات الدول التي توصف بأنها تتمتع بحرية صحفية رغم ما شهدته من انتهاكات جسيمة.
في المقابل، يرى رئيس تحرير موقع جو 24 باسل العكور في حديثه لـ عمان نت أن التحسن في ترتيب الأردن لا يعكس تقدما حقيقيا، بل قد يكون نتيجة تراجع دول أخرى، مشيرا إلى أن المملكة لا تزال ضمن مراتب متأخرة عالميا.
ويؤكد العكور أن التحديات التي تواجه مهنة الصحافة ليست محلية فقط، بل عالمية، حيث شهدت تراجعا في الالتزام بالمعايير المهنية، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر، التي كشفت عن انحيازات لدى بعض وسائل الإعلام الدولية.
ويرجع العكور استمرار تصنيف الأردن ضمن فئة الوضع الصعب إلى عدة عوامل، أبرزها التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي والفضاء الرقمي، والتي يعتبرها مقيدة للحريات، مشيرا إلى أن المسؤولية لا تقع على القوانين وحدها، بل تشمل أيضا بعض العاملين في المهنة الذين تراجعوا عن الالتزام بالقيم الصحفية لصالح مصالح شخصية.
ويضيف أن الأزمة مركبة، إذ تتحمل الجهات الرسمية جزءا من المسؤولية نتيجة محاولات التأثير على وسائل الإعلام، إلى جانب ضعف تمسك بعض الصحفيين باستقلالية المهنة.
الإعلام وبناء السلام
وحول دور الإعلام في بناء السلام، يشير العكور إلى أن الإعلام الأردني لا يمكنه وحده تحقيق هذا الهدف، مستشهدا بتجربة الصحفيين في غزة، حيث قتل أكثر من 260 صحفيا أثناء أداء عملهم.
ويرى أن هؤلاء الصحفيين قدموا نموذجا في الالتزام المهني، وأسهموا في نقل حقيقة ما يجري إلى العالم، في حين أن بعض وسائل الإعلام الدولية انحازت لروايات معينة، ما ساهم في تضليل الرأي العام.
أما فيما يتعلق بتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الإعلام، فيرى العكور أن لهذا التطور جانبا سلبيا، إذ بدأ العديد من الصحفيين والمؤسسات يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي في الحصول على المعلومات وصياغة الأخبار، وهو ما قد يؤدي إلى الاعتماد على معلومات مفلترة وخاضعة لخوارزميات معينة.
كما يحذر من أن الإفراط في استخدام هذه الأدوات قد يؤدي إلى فقدان الروح الصحفية واللمسة الإنسانية في العمل الإعلامي، مما يجعل المحتوى متشابها ويفتقر إلى التميز، فضلا عن احتمال احتوائه على معلومات غير دقيقة.
ومع ذلك، يؤكد ضرورة التعامل مع هذه التقنيات بوعي، وتوظيفها بما يخدم الإعلام ويعزز استقلاله.
وفي المقابل، أظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد الإعلام الأردني أن الجمهور لا يزال يثق بالصحافة التقليدية الملتزمة، ويعتبرها مصدرا موثوقا للمعلومات، خاصة عند البحث عن الأخبار الدقيقة المستندة إلى مصادر واضحة، ما يشير إلى استمرار أهميتها في المشهد الإعلامي.
وعن سبل تحسين واقع حرية الصحافة في الأردن، يشدد العكور على ضرورة العودة إلى الأسس والمبادئ المهنية، والتفكير بعمق في كل ما ينشر، باعتبار أن الصحافة ليست مجرد عمل روتيني، بل مسؤولية تتطلب الانحياز للحقيقة والالتزام بالقيم الأخلاقية.
كما يدعو إلى التوقف عن استغلال المهنة لتحقيق مكاسب شخصية، والعمل على تطوير الأدوات المهنية والاستفادة من التحولات الرقمية بشكل إيجابي، مع الحفاظ على استقلالية الإعلام ومصداقيته.
من جانبه يؤكد وزير الاتصال الحكومي الناطق باسم الحكومة أن احترام الحريات في الأردن ليس مجرد شعار، بل ممارسة راسخة تستند إلى توجيهات ملكية، مشيرا إلى أن الحكومة تسعى إلى تعزيز حرية التعبير ضمن إطار يوازن بين الحرية والمسؤولية.
ويضيف أن الاهتمام بالحريات يشكل جزءا أساسيا من المنظومة القيمية الوطنية، وهو ما ينعكس في تحسن بعض المؤشرات، رغم وجود اختلافات في منهجيات التقييم، معتبرا ذلك دافعا لمواصلة تطوير بيئة حرية الرأي والتعبير.
وشدد على أن الإعلام الأردني يقوم على مبدأ التوازن بين الحرية والمسؤولية، من خلال تقديم محتوى دقيق يبتعد عن الإشاعات والتضليل، ويحترم القانون وخصوصية الأفراد، مؤكداً أن الإعلام الحر والمسؤول يمثل ركيزة أساسية في تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وفي دعم الحوار الوطني المهني.












































