الأشخاص ذوو الإعاقة في الأردن.. من يهيئ الطريق إلى سوق العمل؟

من السهل أن يبدو إعلان وزير العمل عن تشديد الرقابة على تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة خطوة كبيرة وتستحق الاحتفال، حيث ستبدأ الوزارة بمرحلة من التوعية والإرشاد لأصحاب العمل، قبل الانتقال إلى تكثيف الجولات التفتيشية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المنشآت غير الملتزمة بنسب التشغيل.

المشكلة أن النقاش حول تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن يُختزل كثيرًا عند السؤال الأخير من السلسلة: لماذا لا توظف شركات القطاع الخاص الأشخاص ذوي الإعاقة؟ بينما السؤال الأهم: هل وفرنا أصلًا الظروف التي تسمح لعدد كافٍ من الأشخاص ذوي الإعاقة بالوصول إلى التعليم والتدريب والعمل، ثم الوصول إلى مكان العمل والاستمرار فيه؟

قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لا ينظر إلى الإعاقة باعتبارها مشكلة توظيف ويربط ممارسة الحقوق بإزالة العوائق المادية والحواجز السلوكية، ويعرّف إمكانية الوصول باعتبارها تهيئة المباني والطرق والمرافق والأماكن العامة والخاصة المتاحة للجمهور. كما يعتبر الترتيبات التيسيرية المعقولة وإمكانية الوصول والتصميم الشامل متطلبات أساسية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من ممارسة حقوقهم.

الشخص الذي نريد منه أن يتقدم إلى وظيفة يحتاج أولًا إلى أن يكون قد حصل على تعليم جيد، وأن يكون قادرًا على الوصول إلى المدرسة، وأن تكون المدرسة نفسها مهيأة. قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يحظر استبعاد الشخص من المؤسسة التعليمية بسبب الإعاقة، ويلزم وزارة التربية والتعليم، عندما يتعذر الالتحاق بسبب غياب الترتيبات التيسيرية أو إمكانية الوصول، بإيجاد البدائل المناسبة.

وتكشف أرقام امتحان الثانوية العامة واحدة من أولى العتبات التي تسبق الوصول إلى سوق العمل. ففي عام 2026، تقدم 455 طالبًا وطالبة من الأشخاص ذوي الإعاقة لامتحان الثانوية العامة، من أصل 196,050 مشتركًا، أي نحو 0.23% فقط من إجمالي المشتركين. ولا تعني هذه النسبة أن الأشخاص ذوي الإعاقة يجب أن يمثلوا النسبة نفسها من طلبة الثانوية، فالمقارنة بين عدد ممتحني الثانوية ونسبتهم من السكان ليست مقارنة إحصائية مباشرة، لكنها تكشف محدودية عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يصلون إلى هذه المرحلة التعليمية أصلًا. وإذا كانت سوق العمل تفترض في جزء كبير منها الوصول إلى التعليم الثانوي ثم التعليم العالي أو التدريب المهني، فإن السؤال لا يبدأ عند الوظيفة، بل عند عدد الأشخاص الذين استطاعوا الوصول إلى المسار الذي يقود إليها.

وهنا تصبح أرقام الثانوية العامة جزءًا من سؤال أكبر حول "عتبة الوصول" إلى سوق العمل. الشخص ذو الإعاقة لا يظهر فجأة عند إعلان الوظيفة؛ هناك مسار طويل يسبقه، يبدأ من المدرسة، ويمر بالتعليم والتأهيل والتدريب، ثم شبكة النقل وإمكانية الوصول، وصولًا إلى مكان العمل. وكلما سقط الأشخاص ذوو الإعاقة من هذا المسار في مراحله المبكرة، أصبح من الصعب معالجة ضعف مشاركتهم في سوق العمل عند نهايته فقط.

وعندما نصل إلى مسألة إمكانية الوصول وتصويب أوضاع المباني، تصبح مسؤولية وزارة الأشغال العامة والإسكان، وأمانة عمان الكبرى، والبلديات، والجهات المسؤولة عن الترخيص والتنظيم والبناء أساسية، وليست تكميليّة. والأردن لا يفتقر هنا إلى خطة أو إطار قانوني؛ ففي عام 2019 أطلقت وزارة الأشغال العامة والإسكان، بالتعاون مع المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الخطة الوطنية العشرية لتصويب أوضاع المباني القائمة والمرافق العامة للأعوام 2019–2029، تنفيذًا لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتطبيقًا لكودة متطلبات البناء الخاصة بإمكانية الوصول.

وبعد نحو سبع سنوات على إطلاق الخطة، نسأل اليوم عن تنفيذها ونتائجها. فالمادة 32 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لا تكتفي بإلزام وزارة الأشغال العامة والإسكان والجهات ذات العلاقة بوضع خطة لتصويب أوضاع المباني والمرافق القائمة، بل تلزم أيضًا بإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم في تنفيذ الخطة وتقييمها، وإصدار تقرير متابعة سنوي يُرفع إلى مجلس الوزراء، يبين الأماكن التي جرى تصويب أوضاعها والبدائل التي اتُخذت لتحقيق ذلك. هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: أين تقارير المتابعة السنوية؟ وما نسبة التقدم في تنفيذ الاستراتيجية؟ وكيف يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة، الاطلاع على نتائج هذا التقييم ومساءلة الجهات المعنية عن الالتزامات التي لم تُنفذ؟

أما بالنسبة إلى المباني والمنشآت الجديدة، فالمسألة أكثر وضوحًا؛ إذ تنص المادة 33 على عدم جواز المصادقة على المخططات والتصاميم أو منح الترخيص وإذن الإشغال للمباني العامة أو الخاصة والمنشآت والمرافق التي تقدم خدمات للجمهور ما لم تكن مطابقة لإمكانية الوصول. كما تلزم المادة الجهات ذات العلاقة بإلزام المؤسسات التي تقدم خدمات للجمهور بتصويب أوضاع منشآتها ومرافقها، وتجيز اتخاذ إجراءات بحق المؤسسات غير الملتزمة، بما في ذلك الإغلاق المؤقت أو الدائم.

وهنا السؤال الذي يستحق إجابة واضحة هو: ماذا عن المباني التي أُنشئت، ورُخّصت، وحصلت على إذن إشغال بعد نفاذ قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2017 وتحديث الكودة في 2018؟ هل كانت جميعها مطابقة فعلًا لمتطلبات إمكانية الوصول؟ 

كل ذلك يثبت أن القضية لا تتعلق فقط بما إذا كانت الشركة قد وظفت شخصًا ذا إعاقة، بل بما إذا كانت البيئة التي يعيش ويعمل فيها هذا الشخص قد صُممت أصلًا بطريقة تسمح له بالوصول إلى وظيفته. 

وقد تحمل جولات التفتيش على شركات القطاع الخاص مفاجأة من نوع آخر. فغالبية المكاتب التي سيدخلها مفتشو وزارة العمل غير مهيأة أصلًا للأشخاص ذوي الإعاقة، ليس بالضرورة لأن أصحابها يحملون موقفًا رافضًا تجاه تشغيلهم، بل لأن هذه المكاتب لم تُختبر يومًا من زاوية إمكانية الوصول، ولذلك لم تكتشف إدارتها ما الذي يعنيه فعلًا أن يكون مكان العمل متاحًا للجميع.

زرت عددًا من شركات القطاع الخاص مؤخرًا ضمن بحث حول دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل، وكان لافتًا أن عددًا من إدارات هذه الشركات أبدى مواقف مرحبة وغير إقصائية تجاه تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة. وأشارت بعض هذه الشركات إلى تحدٍ أساسي يتمثل في صعوبة الوصول إلى مرشحين من الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون المهارات المطلوبة للوظائف الشاغرة.

هنا قد يجد المفتش نفسه أمام مفارقة مهمة: صاحب عمل مستعد لتوظيف شخص ذي إعاقة ممن يمتلك المهارات والخبرات المطلوبة، لكن المبنى نفسه ليس مستعدًا لاستقباله. فبمجرد توظيف شخص يستخدم كرسيًا متحركًا، ستظهر سلسلة من التفاصيل التي لم تكن في الحسبان في المباني غير المهيأة هذه مثل: موقف السيارة، والمدخل، والمصعد، وفروق المناسيب داخل المكتب، ودورات المياه، وأماكن الاستراحة، ومسارات الإخلاء وغيرها. وهي تفاصيل قد تبدو صغيرة على الورق، لكنها تتحول إلى شروط أساسية لممارسة الشخص حقه في العمل عندما يصبح موجودًا فعلًا داخل مكان العمل.

وهنا تظهر مشكلات أخرى؛ إذ تشير الشركات إلى عدم معرفة كيفية تهيئة إجراءات التوظيف، أو تحديد الترتيبات التيسيرية المطلوبة، أو التعامل مع بيئات عمل لا يستطيع بعض الأشخاص ذوي الإعاقة الوصول إليها أصلًا.

وهذا ينسجم مع جوهر القانون نفسه؛ الالتزام بالتشغيل لا يعني التوظيف الشكلي. فالقانون لا يلغي ما تتطلبه الوظيفة من مؤهلات علمية أو مهنية، وفي الوقت نفسه يلزم جهات العمل بتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة التي تمكن الشخص من أداء العمل والاستمرار فيه والترقي داخله.

وتبقى هنا كلفة تهيئة بيئة العمل وتصويب أوضاع المباني القديمة عائقًا أمام بعض الشركات. لكن من الصعب تحميل أصحاب العمل وحدهم هذه الكلفة، خصوصًا أن جزءًا منها كان يمكن تجنبه لو طُبقت المادة 33 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ورُوقبت متطلبات إمكانية الوصول منذ تصميم المبنى وترخيصه. لذلك، إلى جانب تطبيق القانون، يمكن للحكومة أن تقدم حوافز للشركات التي تستثمر في تهيئة أماكن العمل، من خلال احتساب هذه النفقات ضمن المسؤولية المجتمعية، بحيث يصبح إصلاح ما تأخرنا في إصلاحه  مسؤولية مشتركة، لا عبئًا يقع على طرف واحد.

إذا أرادت الحكومة رفع نسبة تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة فعلًا، فعليها أن تتعامل مع الملف باعتباره مسؤولية حكومية عابرة للوزارات، لا ملفًا تابعًا لوزارة العمل وحدها.

وزارة التربية والتعليم مسؤولة عن ضمان الوصول إلى تعليم دامج ذي جودة في المدارس الحكومية والخاصة. والجهات المعنية بالتعليم العالي والتدريب والتأهيل المهني معنية بأن تكون مسارات التعليم والتدريب متاحة وقابلة للوصول. ووزارة الأشغال العامة والإسكان وأمانة عمان والبلديات والجهات التنظيمية معنية، كل ضمن اختصاصها، بأن تكون المباني والطرق والمرافق قابلة للوصول. ووزارة النقل معنية بأن يستطيع الشخص الوصول إلى مكان التعليم والعمل؛ فوجود مشروع مثل الباص السريع، لا يكفي وحده للقول إن منظومة النقل في الأردن أصبحت مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة.

وزارة العمل مسؤولة عن تنظيم سوق العمل، وعن إنفاذ القانون، وعن مساعدة أصحاب العمل والباحثين عن العمل على الالتقاء. أما المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فله دور أساسي في السياسات والمعايير والرقابة والتنسيق، مع إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في تصميم الحلول والسياسات التي تمس حياتهم.

حتى المبادرة التي أعلنها الوزير لتطوير منصة "سجل" وربطها ببيانات الأشخاص ذوي الإعاقة يمكن أن تكون مفيدة، لكنها لن تحل المشكلة وحدها إذا كانت المنصة تستطيع أن تجد وظيفة للشخص بينما لا يستطيع الشخص الوصول إلى مبنى الشركة، أو إذا لم يحصل أصلًا على التعليم والتدريب الذي يؤهله للوظيفة.

القانون يضع إطارًا واضحًا للتشغيل، ومن حق الأشخاص ذوي الإعاقة أن يطالبوا بتنفيذه. لكن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين أضيفت أسماؤهم إلى كشوفات المنشآت.

النجاح الحقيقي هو أن يستطيع طفل ذو إعاقة الوصول إلى تعليم جيد، وأن ينتقل بعد ذلك إلى التعليم العالي أو التدريب المهني، وأن يستخدم الشارع ووسائل النقل، وأن يدخل المبنى الذي سيعمل فيه، وأن يحصل على وظيفة تتناسب مع مؤهلاته، وأن يحصل على الترتيبات التيسيرية، وأن يترقى فيها مثل غيره.

وكل ما سبق لا يعفي شركات القطاع الخاص من مسؤوليتها عن البدء في توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا ينبغي أن تتحول تحديات التعليم أو النقل أو البنية التحتية إلى ذريعة لتأجيل هذا المسار. على الشركات أن تبدأ من داخل بيئة العمل نفسها، بكسر الحواجز البيئية والسلوكية التي تحد من اندماج الأشخاص ذوي الإعاقة، ومراجعة سياسات وإجراءات التوظيف، وتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة، وتهيئة بيئة عمل تتيح لهم الوصول والعمل والاستمرار والتطور على قدم المساواة. فإصلاح المنظومة مسؤولية مشتركة، لكن مسؤولية الحكومة تظل أساسية في ضمان أن تعمل هذه المنظومة مجتمعة، وأن تتحول الحقوق التي يكفلها القانون إلى واقع يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة الوصول إليه وممارسته.
 

وهذا ما يجعل قضية الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية وطنية لا مسؤولية وزارة العمل وحدها. وزير العمل يستطيع أن يفتح باب الشركة، لكن إذا أردنا أن يدخل الأشخاص ذوو الإعاقة من هذا الباب، فعلى الحكومة أن تتعامل مع هذا الملف باعتباره مسؤولية مشتركة بين مؤسساتها، وأن تضمن أن الطريق إلى هذا الباب، والبيئة التي تقف خلفه، مفتوحان وقابلان للوصول.