أحد الشعانين بين السّلام والتواضع…رسالةُ حياةٍ وأملٍ للمؤمنين
مع اقتراب احتفالات أحد الشعانين، تتجلّى أمام المؤمنين صورةٌ مميزةٌ ليومٍ يحمل في طيّاته أعمق الرموز الروحيّة والتّعاليم الأخلاقيّة، فهذا العيد ليس مجرّد طقسٍ دينيٍّ، بل يُمثِّلُ دعوةً يوميّةً للعيش وفق قيم السّلام والتواضع، وللتَّفكير في كيفيّة تطبيق هذه القيم في حياتنا اليوميّة وعلاقاتنا مع الآخرين، وفي وقت يشهد فيه العالم صراعاتٍ وتحدّياتٍ مُتعددةً، تأتي رسائل أحد الشّعانين لتعيد التّأكيد على الأمل والرّجاء، وتذكِّر المؤمنين بأنَّ الفرح الحقيقيّ ينبع من النّور الإلهيّ ومن جوهر الإيمان، لا من المظاهر الخارجيّة العابرة.
الأب جورج شرايحة: أحّد الشّعانين دعوةٌ للسّلام والتّواضع
التقَتْ مجلّة “ملح الأرض” الأب جورج شرايحة كاهن رعيّة الروم الكاثوليك في السلط، للحديث عن الرمزيّة العميقة لهذا اليوم في حياة المؤمنين، ودوره في تعزيز قيم السّلام والتّواضع في المجتمع الأردنيّ والمنطقة.
أكَّد الأب شرايحة خلال المقابلة أنَّ أحد الشّعانين يُذكِّر الجميع بالرّكائز الأساسيّة الّتي أراد يسوع المسيح أنْ يبني عليها مملكته، وهي السّلام والتواضع. ولفت إلى أنَّ الاحتفال بهذه القيم لا يقتصر على الكنيسة فقط، بل يمتدُّ إلى حياتنا اليوميّة وعلاقاتنا مع الآخرين، داعيًا المؤمنين لنشر الوداعة الّتي تفتح سُبل السّلام، ونبذ العنف والثّأر والانتقام وقال: “علينا أنْ نسلك بالتواضع، عالمين أنَّ كلَّ ما هو لنا إنّما هو هبةٌ مجانيّةٌ من الله وليس لأنّنا أفضل من باقي النّاس”.
الاب جورج شرايحة
وأشار الأب شرايحة إلى الدّور الروحيّ والفرحيّ لأجواء أحد الشّعانين داخل الكنائس، مؤكِّدًا أنّها تُشكِّل مُناسبةً لإحياء الفرح المسيحيّ الحقيقيّ وأضاف: “إنَّ الاحتفال بأحد الشّعانين ليسَ مُجرَّد مظاهر خارجيّةٍ، بل هو استقبالٌ لنور يسوع الأزلي في حياتنا، تذكيرٌ بجوهر إيماننا المسيحيّ القائم على هُوية المسيح المنتصر على الظّلام والموت والكآبة، لِبثِّ روح الفرح الحقيقيّ النّابع من الجوهر وليسَ من مظاهر الاستهلاك الماديّ الّتي تزول سريعًا”.
وفي ظلِّ ما تشهده المنطقة من صراعاتٍ وحروبٍ، بيّن الأب شرايحة أنَّ رسالة أحد الشّعانين تحمل أملًا يتجاوز الألم والمعاناة، وتعيد التأكيد على قيم السّلام وقال: “الإنسان يواجه إخفاقاتٍ وصعوباتٍ عديدةً في حياته لا يستطيع التغلُّب عليها دون أساسٍ إيمانيٍّ متينٍ وفهمٍ عميقٍ لأسباب الشرّ والمُعاناة. الرّجاء القائم على الثّقة بالله الكليّ القدرة هو الأمل بالغد المشرق، الله لن يسمح باستمرار الألم، وسيُلبي صلوات أبنائه الصّارخة إليه: ‘نجِّنا يا رب من كلِّ شدّةٍ ووجعٍ، وأنعم علينا بالسّلام’”.
واختتم الأب شرايحة حديثه للمجلّة مؤكِّدًا أنَّ أحد الشّعانين ليسَ مُجرَّد طقسٍ دينيٍّ، بل دعوةٌ يوميّةٌ للعيش وفق قيم السّلام والتواضع، وفرصةٌ لتذكير المؤمنين بأنَّ الفرح الحقيقيّ ينبع من النّور الإلهيّ الّذي يُضيء حياتنا ويمنحنا الأمل مهما اشتدَّتِ التحدّيات.
الأب خليل جعار: عيد الشّعانين ليسَ مُجرَّد ذكرى بل دعوةٌ للسّلام والمحبّة
ومن جهته سلَّط الأب خليل جعار، كاهن رعيّة اللّاتين في ماركا، الضّوء على الأبعاد الرّوحيّة العميقة لهذا العيد بمقابلةٍ مع مجلّة “ملح الارض“، مؤكِّدًا أنَّ رسالته تتجاوز الاحتفال التقليديّ لتُصبح دعوةً يوميّةً للعيش وفق قيم السّلام والمحبّة.
وأشار الأب جعار إلى أنَّ أحد الشّعانين يُخلِّد ذكرى دخول السيّد المسيح إلى مدينة القدس، مُتمِّمًا نبوءةً في سفر زكريا (9:9)، موضِّحًا أنَّ: “المسيح دخل القدس لا بموكب قوّةٍ وسُلطانٍ، بل بموكب سلامٍ وتواضعٍ، راكبًا على جحشٍ بسيطٍ، على عكس الملوك الّذين كانوا يظهرون بالنَّصر والجبروت” وأضاف: “بهذا الفعل المُتواضع، أراد المسيح أنْ يُعلِّمنا أنَّ الملكوت الّذي جاء ليؤسِّسه هو ملكوت حُبٍّ وسلامٍ، وأنَّه في عالمنا اليوم، حيثُ يكثر الألم والانقسام والخوف والحروب، علينا نحن أيضًا أن نحمل أغصان السّلام في قلوبنا وحياتنا، لا بالكلام فقط، بل بالأفعال”.
الأب خليل جعار
وأكَّد الأب جعار أنَّ عيد الشعانين ليس مجرّد ذكرى نحتفل بها داخل الكنيسة أو في مواكب التطواف، بل رسالةٌ حياتيّةٌ يجب أنْ تنعكس على حياتنا اليوميّة، في بيوتنا، أعمالنا، وعلاقاتنا مع الآخرين وقال: “الإيمان الحقيقيّ لا يقتصر على الاحتفالات والمسيرات، بل يظهر في أعمال الخير والكلمة الطيبة وروح السّلام”.
وأشار الأب جعار إلى أنَّ أحد الشّعانين هذا العام يحلُّ على عالمٍ مُضطربٍ، تمامًا كما دخل المسيح القدس في زمن الاحتلال الرومانيّ: “لكنَّ المسيح دخل المدينة ليسَ كقائدٍ أو مُحاربٍ، بل كملك سلامٍ، ليُعلِن أنَّ إرضاء الله وبناء ملكوته يتمُّ بالحُبِّ والسّلام لا بالعنف”.
وأوضح الأب جعار أنَّ عيد الشّعانين يحمل رسائل مهمّةً في ظلِّ التوترات الرّاهنة وأشار إلى أنَّ القوّة الحقيقيّة لا تُقاس بالسّلاح أو القوّة الجسديّة، بل بالقدرة على بناء السّلام. فكما قال المسيح “من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك”، تتجلّى قوّة المؤمن في نشر المحبّة والسّلام بدلًا من النّزاع والعُنف.
وأكَّد أنَّ الهتافات الّتي استقبل بها الشعب المسيح عند دخوله القدس، مثل “هوشعنا، أخلصنا يا بن داود”، كانَتْ صرخة أملٍ وسط ظروف الاحتلال الرومانيّ القاسية، وما زالت هذه الصّرخة تُمثِّل صلاتنا اليوم في مواجهة التحدّيات والصُّعوبات.
كما شدَّد على أنَّ أحد الشّعانين يُمثِّل فاتحة أسبوع الآلام الّذي يقود المؤمنين إلى فرح القيامة، موضِّحًا أنَّ الرّسالة المسيحيّة تُذكِّرنا بأنَّ الكلمة الأخيرة ليسَتْ لِلخوف والموت والدّمار، بل للرَّبِّ القادر على الحياة والقيامة، الّذي يمنحنا الرّجاء والأمل.
ولفَتَ إلى أنَّ عيد الشّعانين ليسَ مُجرَّد ذِكرى دينيّة، بل دعوةٌ عمليّةٌ لكلِّ مؤمنٍ لحمل غُصن الزّيتون والعمل من أجل المُصالحة بدلًا من الخِصام، ونشر الرّحمة عند المقدرة، وبناء جسور التّلاقي بدل الجدران الّتي تُفرِّق بين النّاس.
واختتم الأب جعار بالقول إنَّ الرّجاء المسيحيّ يُعلِّمنا أنَّ الحياة تنبثق من رحم الموت مع المسيح، قاهر الموت والخطيئة، مُشيرًا إلى أنَّ عيد الشّعانين يدعونا للفرح، لكن فرحًا حقيقيًّا ينعكس في حياتنا اليوميّة، ليُصبح المؤمن شهيدًا للمحبّة والسّلام في مُجتمعه.
القس سامر بطارسة: دعوة الشّعانين تظلُّ نداءً حيًّا للسّلام والتواضع
وفي السياق ذاته التقَتْ مجلّة “ملح الأرض“ القس سامر بطارسة، قس الكنيسة المعمدانيّة في الزرقاء، للحديث عن الرمزية الروحيّة العميقة لهذا اليوم، وما يحمله من دعوة عمليّة للسّلام في حياة الإنسان والمجتمع.
وأكَّد القس بطارسة أنَّ حياة السيّد المسيح تُشكِّل لوحةً روحيّةً فريدةً، تُجسِّد أعظم الحقائق الإلهيّة، وتحقَّق من خلالها عشرات النبوات الّتي سبقَتْ مجيئه وقال: “من الميلاد العذراوي كما ورد في سفر إشعياء، إلى ولادته في بيت لحم بحسب سفر ميخا، وصولًا إلى تفاصيل حياته وخدمته وموته وقيامته، كلُّ هذه الأحداث تؤكِّد أنَّ المسيح هو تحقيقٌ حيٌّ لوعد الله عبر العصور”.
وأضاف القس بطارسة أنَّ المسيح جاء مُخالفًا للتوقعات السّائدة آنذاك، حيثُ كان الشَّعب ينتظر قائدًا سياسيًّا أو عسكريًّا يُحرِّره من السّيطرة الرومانيّة: “لكنَّ المسيح قدَّم نموذجًا مُختلفًا تمامًا، فلم يمتطِ حصانًا كما يفعل ملوك الحروب، بل جاء وديعًا على جحشٍ، مُحقِّقًا ما جاء في سفر زكريا: أنَّ ملكوته يقوم على التواضع والخدمة، لا على القوّة”.
القس سامر بطارسة
وأشار القس إلى أنَّ حتّى تلاميذ المسيح لم يُدرِكوا في البداية عمق هذه الرّسالة، إذ كانَتْ لديهم تطلُّعات بشريّة نحو العظمة والمكانة وأضاف: “المسيح أعاد تعريف العظمة الحقيقيّة، موضِّحًا أنَّ القيادة في ملكوت الله تُقاس بالخدمة والبذل، كما جاء في إنجيل مرقس: من يريد أنْ يكون أوّلًا، فليكن خادمًا للجميع”.
وتابع القس بطارسة بالقول إنَّ رمزيّة أحد الشّعانين اليوم تتحدّى مفاهيمنا المُعاصرة عن القوّة والسّيادة، خصوصًا في عالمٍ يُمجِّد القوّة العسكريّة والسّياسيّة: “فالمسيح دعانا لنرى القوّة الحقيقيّة في القدرة على صُنع السّلام، وضبط النّفس، وخدمة الآخرين، رغم قدرته غير المحدودة”.
وأوضح القسّ أنَّ هُتافات الشّعب في يوم دخول المسيح أورشليم، “أوصنّا لابن داود! مُبارك الآتي باسم الرب”، تحمل أصلًا صرخة استغاثةٍ “يا رب خلّص”، لكنَّها أصبحَتْ إعلان تسبيحٍ وفرحٍ بالخلاص الّذي يُقدّمه الله للبشريّة وأضاف: “المسيح دخل ليُحقِّق هذا الخلاص، مُعلنًا محبّة الله لكلِّ إنسانٍ، كما يُقدّم نفسه فديةً عن البشريّة، فاتحًا باب الحياة الأبديّة لكلِّ مؤمنٍ به”.
وفي ختام حديثه، شدَّد القس بطارسة على أهمّيّة رسالة أحد الشّعانين في زمننا الرّاهن، قائلًا: “مع ما يشهده عالمنا اليوم من صراعاتٍ وألم، تبقى دعوة الشّعانين نداءً مُتجدِّدًا للسّلام السّلام يبدأ من الدّاخل، من علاقة الإنسان بالله، ثمَّ يفيض إلى الآخرين، عالمنا اليوم بأمسِّ الحاجة إلى هذا السّلام الّذي يُقدِّمه المسيح، رئيس السّلام”.
واختتم القس حديثه بتوجيه رسالةٍ لكلِّ إنسانٍ: “دعوة الشّعانين ما زالَتْ حيّةً اليوم، لتحمل الرّجاء لكلِّ عالمنا (مباركٌ الملك الآتي باسم الرّب)”.
من الأرشيف دخول المشاركين في احد الشعانين باب السباط
أحد الشّعانين رسالةُ أملٍ وسلامٍ لكلِّ يوم
يتَّضح أنَّ أحد الشّعانين يتجاوز كونه ذكرى دينيّة سنويّة، ليُصبح دعوةً عمليّةً وحيّةً للمؤمنين، يعيشونها يوميًّا في علاقاتهم مع الله ومع الآخرين. إنّه تذكيرٌ بأنَّ السّلام والتّواضع ليسا مُجرَّد شعاراتٍ، بل أسلوب حياةٍ يُترجَم بالفعل، والكلمة الطيّبة، وخدمة المحيطين. وفي عالمٍ يكثر فيه الانقسام والصّراعات، تبقى رسائل أحد الشّعانين منارة أملٍ وفرحٍ حقيقيٍّ، تدعو كلَّ إنسانٍ للتمسُّكِ بالقيم الروحيّة، وبناء جسور المحبّة والمُصالحة، والسّعي لنشر نور المسيح في كلِّ مكانٍ، مهما اشتدَّتِ التحدّيات.












































