التغطية الصحفية لحوادث الانتحار : أين أخطأنا

في الأشهر الماضية، أعادت حالات الانتحار المأساوية فتح نقاش مهم حول كيفية تناول هذا النوع من القضايا في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا النقاش ليس جديدًا، لكنه يزداد إلحاحًا كلما تكررت مثل هذه الحوادث وترافقت مع تغطية واسعة ومكثفة.
المسألة هنا ليست دعوة لتقييد حرية الصحافة أو الحد من النشر، بل محاولة لفهم أثر التغطية الإعلامية على الفئات الأكثر هشاشة، والتفكير بمسؤوليتنا الجماعية في كيفية تقديم هذه القصص.
ما الذي تقوله الأدلة العلمية؟
تشير دراسات عديدة في مجال الصحة النفسية إلى وجود ما يُعرف بـ “عدوى الانتحار” أو “التقليد”، وهي ظاهرة قد تحدث عندما تؤدي التغطية الإعلامية المكثفة أو غير المنضبطة لحالات الانتحار إلى زيادة احتمالية تكرارها في المجتمع.
توضح مراكز مثل Centers for Disease Control and Prevention أن بعض أنماط التغطية، خصوصًا تلك التي تتضمن تفاصيل دقيقة أو أسلوبًا عاطفيًا مفرطًا، قد ترتبط بارتفاع في معدلات الانتحار، خاصة بين الشباب.
كما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن طريقة تناول الخبر تلعب دورًا مهمًا؛ فبينما يمكن للتغطية غير المسؤولة أن تزيد من المخاطر، فإن التغطية الواعية يمكن أن تساهم في الوقاية من خلال نشر رسائل الأمل والتعافي.
المشكلة ليست في الخبر بل في طريقة عرضه
التحدي الحقيقي لا يكمن في نقل الحدث نفسه، بل في كيف نرويه: هل نذكر التفاصيل الدقيقة للحادثة؟ هل نكررها بشكل واسع ومكثف؟ هل نستخدم لغة قد تُضفي طابعًا دراميًا أو “ملهمًا” على حدث مأساوي؟
هذه الأسئلة مهمة، لأن الطريقة التي تُروى بها القصة قد تؤثر بشكل غير مباشر على أشخاص يمرون بظروف صعبة أو يعانون من هشاشة نفسية، وقد يجد بعضهم مع القصة  انعكاسًا لأفكاره.
وهنا يكمن الخطر.
أهمية التوازن والمسؤولية
الحديث عن الصحة النفسية ضروري، وكسر الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة خطوة أساسية. لكن في المقابل، يجب أن يكون هذا الحديث متوازنًا ومدروسًا يشمل تجنب عرض التفاصيل الدقيقة المرتبطة بآلية الانتحار
عدم تكرار القصة بشكل قد يخلق حالة من التركيز المفرط والامتناع عن تقديم القصة بأسلوب قد يُفهم على أنه “إلهام” وتضمين رسائل توعوية حول طلب المساعدة والدعم النفسي
هذه الإرشادات لا تهدف إلى منع النشر، بل إلى توجيهه نحو تقليل الضرر.
من المهم أن نتذكر أن هناك دائمًا شخصًا ما يقرأ بصمت. شخص قد يكون في لحظة ضعف، ويتأثر بما يراه أو يسمعه بشكل أكبر مما نتوقع.
وهنا تكمن مسؤوليتنا كإعلاميين، وصناع محتوى، وأفراد في المجتمع أن نكون واعين لتأثير الكلمة، وأن نستخدمها بما يخدم الحماية والدعم، لا زيادة الألم.
في النهاية، الكلمة يمكن أن تنقذ حياة ويمكن أن تساهم في أذى غير مقصود. والمسؤولية تقتضي أن نختار بحذر.