تحذير أردني من "الضم الناعم" بعد قرار إسرائيلي بإلغاء قانون الأراضي

الرابط المختصر

في خطوة وصفت بأنها تصعيد خطير يهدد مستقبل الضفة الغربية، صادق المجلس الأمني الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) على سلسلة قرارات من شأنها تعزيز مخطط الضم وتوسيع الاستيطان، أبرزها إلغاء قانون أردني كان يحظر بيع الأراضي لليهود، إلى جانب إدخال تغييرات واسعة على إدارة الأراضي وترخيص البناء في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأثار القرار ردود فعل غاضبة، حيث أدانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين هذه الخطوة، معتبرة أنها تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتصعيدا خطيرا يكرس سياسة فرض الأمر الواقع ويقوض فرص تحقيق حل الدولتين. 

وتؤكد الوزارة أن جميع الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعد باطلة وغير شرعية، محذرة من تبعات استمرار الحكومة الإسرائيلية في سياساتها التصعيدية.

ويقول الخبير العسكري والمحلل السياسي الدكتور نضال أبو زيد في حديثه لـ عمان نت إن الكنيست الإسرائيلي صادق على إلغاء القانون الأردني المعمول به في الضفة الغربية منذ عام 1953، مشيرا إلى أن هذا القرار كان متوقعا في ضوء تحذيرات أطلقها منذ شهر تشرين الثاني الماضي، تحدث خلالها عن وجود مشروع قرار مطروح بهذا الشأن.

ويوضح أبو زيد أن لهذا الإلغاء دلالات زمنية ومكانية مهمة، فعلى المستوى الزمني لفت إلى أن القرار جاء قبل 24 ساعة من اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والمقرر عقده غدا الثلاثاء، مما يعكس مرحلة من التفاوض والمقايضات السياسية بين الطرفين، قد تكون مرتبطة بفتح معبر رفح مقابل السماح لإسرائيل بإلغاء القيود القانونية التي كانت تحد من عمليات شراء الأراضي في الضفة الغربية.

أما على المستوى المكاني، فيشير أبو زيد إلى أن الاحتلال الإسرائيلي من خلال هذه الخطوة يكون قد استكمل عمليا مؤشرات ضم المنطقة "ج" التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، ما يمهد وفق وصفه للانتقال من الضم الجزئي إلى مشروع ضم شامل للضفة الغربية.

ويؤكد أبو زيد أن القرار يحمل رسائل سياسية مباشرة للأردن، موضحا أن القانون الأردني منذ عام 1953 كان يمنع بيع الأراضي مباشرة للأجانب، ويعاقب المخالفين بعقوبات تصل إلى الإشغال المؤقت، غير أن إلغاءه يفتح المجال أمام إسرائيل لشراء الأراضي بشكل مباشر، بما يعزز توسع النشاط الاستيطاني ويدفع باتجاه تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية.

ويضيف أن إلغاء هذا القانون يرتبط بخطوات إسرائيلية أخرى موازية، من بينها إلغاء قانون التقادم في مناطق مثل قلنديا شمال القدس، إلى جانب توسيع البؤر الاستيطانية في مناطق حساسة مثل معاليه أدوميم وبعض المناطق الواقعة شرق القدس.

ويشر أبو زيد إلى أن هذه التطورات تعكس تحولا واضحا في السياسة الإسرائيلية، حيث لم تعد تلتزم بالقرارات الدولية المتعلقة بالضفة الغربية، وانتقلت من فرض السيطرة التدريجية إلى العمل على فرض ضم كامل للأراضي المحتلة.

وينبه إلى أن البعد الأخطر يتمثل في انتقال الاحتلال من الهندسة الجغرافية إلى الهندسة الديموغرافية، عبر ممارسة ضغوط تدريجية على السكان الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة القسرية غير المباشرة، فيما يعرف بالتهجير الناعم، خصوصا بحق الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر أردنية، بما يشكل تهديدا مباشرا للسكان الفلسطينيين ويمس الدور الأردني التاريخي في القضية الفلسطينية.

 

 

 

 

وفيما يتعلق بالخيارات، يوضح أبو زيد أن الأردن أمام ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع القرار الإسرائيلي، تتمثل في تشديد الخطاب الإعلامي والسياسي تجاه إسرائيل، خصوصا فيما يتعلق بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى التلويح بحق العودة كرسالة سياسية قوية، إلى جانب التأكيد على أن فلسطين للفلسطينيين في مواجهة مشروع فرض الوقائع الجديدة.

أما على الصعيد الدبلوماسي والقانوني، فيؤكد أبو زيد أن الأردن والسلطة الفلسطينية يمتلكان أدوات متعددة، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 194 الذي يمنع أي تغييرات ديموغرافية في الأراضي المحتلة، إلى جانب الاتفاقيات الفلسطينية الإسرائيلية التي تمنع الاحتلال من إجراء تغييرات جغرافية أو سكانية في الضفة الغربية، سواء في المناطق المصنفة أ   أ و ب أو ج، باعتبارها مناطق خاضعة للتفاوض ضمن قضايا الحل النهائي.

ويشدد أبو زيد على أن اللجوء إلى مجلس الأمن يعد الخيار الأكثر جدوى بالنسبة للسلطة الفلسطينية، لإلزام إسرائيل بالقرارات الدولية، رغم أن الاحتلال غالبا ما يتجاهلها، مؤكدا في الوقت ذاته أن المواجهة العسكرية ليست الخيار العملي الأول، بينما يبقى الضغط الدولي والدبلوماسي المسار الأكثر فاعلية.

 

ما هو القانون الأردني الذي ألغاه الاحتلال؟

القانون الذي تم إلغاؤه هو قانون إيجار العقار وبيعه لغير الأردنيين رقم 40 لسنة 1953، وهو قانون صدر في فترة كانت فيها الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية، وينظم تملك غير الأردنيين للأراضي والعقارات.

وينظر إلى هذا القانون تاريخياً باعتباره أحد أبرز العوائق القانونية التي حدت من تملك الإسرائيليين للأراضي في الضفة الغربية.

وينص القانون على حظر تملك أو استئجار غير الأردنيين للأموال غير المنقولة لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، إلا بعد الحصول على موافقة خطية مسبقة من مجلس الوزراء بناء على تنسيب وزير المالية، كما يشترط أن يكون التملك لأغراض محددة مثل السكن الشخصي أو إقامة مشاريع اقتصادية تخدم المصلحة العامة، مع فرض قيود على المساحات المسموح بشرائها.

ويستثني القانون الرعايا العرب من الدول التي تعامل الأردنيين بالمثل، بينما يفرض قيوداً صارمة على الأجانب من جنسيات أخرى، وهو ما استُخدم سابقاً لمنع تملك اليهود للأراضي تحت صفة أجانب.

كما أن القانون يرتبط عملياً بقانون آخر صدر لاحقا وهو قانون منع بيع العقارات للأعداء رقم 30 لسنة 1973، والذي يحظر بشكل قطعي بيع العقارات للعدو أو الجهات التابعة له، ويعتبر ذلك جريمة تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

وبموجب القانون، فإن أي معاملة بيع أو إيجار تتم خلافا لأحكامه تعتبر باطلة بطلانا مطلقا ولا تُسجل لدى دوائر الأراضي ولا يُعتد بها أمام القضاء.

وفي السياق ذاته، قالت حكومة الاحتلال في بيان رسمي عقب جلسة الكابينيت إن هذه القرارات تهدف إلى إزالة عوائق قانونية وإدارية قائمة منذ عقود، بما يتيح تسريع عمليات التطوير والتوسع الاستيطاني.

وتضمنت القرارات رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية ونشرها للعامة بعد عقود من حجبها، في خطوة قالت وزارة المالية الإسرائيلية إنها ستعزز الشفافية وتسهل عمليات تسجيل وشراء الأراضي.

كما يقرر المجلس نقل صلاحيات ترخيص البناء داخل التجمع الاستيطاني في مدينة الخليل، بما يشمل الحرم الإبراهيمي ومواقع دينية أخرى، من بلدية الخليل إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، بما يسمح بتنفيذ مخططات البناء دون الحاجة إلى أي موافقة فلسطينية، ومنح الإدارة المدنية صلاحيات بلدية كاملة لإدارة شؤون المستوطنين بشكل مباشر.

وشملت القرارات كذلك إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي التي كانت متوقفة منذ نحو 20 عاما، بما يمكن من استئناف عمليات شراء الأراضي في الضفة الغربية بشكل منظم.

ويؤكد وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أن هذه الخطوات تعزز القبضة الإسرائيلية في الضفة الغربية، فيما شدد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على أن الحكومة ستواصل تعميق السيطرة الإسرائيلية على الأرض.