بين تحسن المؤشرات وقسوة الواقع… الأمن الغذائي في الأردن كما يراه المواطنون

الرابط المختصر

رغم الحديث عن تحسن مؤشرات الأمن الغذائي في الأردن خلال السنوات الأخيرة، إلا أن كثيرا من الأسر لا تلمس هذا التحسن في تفاصيل حياتها اليومية، واصفة واقعها المعيشي بأنه أكثر قسوة مما كان عليه في السابق، في ظل تسارع الغلاء وثبات الدخول.

تقول سيدة أربعينية من شرق عمان إن أسعار المواد الغذائية باتت تفوق قدرتهم على الاحتمال، موضحة بأن "كل شيء غالي مقارنة بالسنة الماضية، اليوم حتى 150 دينار ما بتكفي تموين آخر الشهر، ما في شيء رخيص، كل شيء ارتفع، والوضع صعب جدا."

أب لثلاثة أطفال يؤكد أن وتيرة الغلاء تتسارع فيما تبقى الرواتب على حالها، "الواحد صار مش ملحق لا أكل ولا شرب ولا فواتير، كل شيء غلي، والحياة صارت أثقل، الوضع تعبان جدا."

وتشير أم عاملة إلى أن خيار "الأرخص" لم يعد ترفا بل ضرورة، موضحة "نضطر دائما نشتري الأرخص، ونلف على المحلات ندور على السعر الأقل، بس عشان المصاري تكفي آخر الشهر، لو اشترينا شيء غالي ما بنكمل نص الشهر."

أما شاب في الثلاثينات فيرى أن المشكلة أعمق من مجرد أسعار، وتتعلق بعدم مواكبة الرواتب للتضخم، ويقول "كل سنة الأسعار أسوأ من اللي قبلها، التضخم بزيد والرواتب هي نفسها، المفروض يكون في ربط بين الراتب والتضخم، لأنه الواحد صار يحسب حساب رغيف الخبز."

وأم تقدم مثالا عن كلفة أبسط الوجبات: فطور بسيط لأولادك، خبز، حمص، فلافل، شوي لبنة أو بيض، بدك له سبع دنانير، والعشاء نفس الشيء، يعني 14 دينار باليوم من غير الغدا، نضربها بـ30 يوم… الله يكون بعون الناس، والله كل ما أشتري أكل أفكر باللي عنده عيلة كبيرة."

وتقول ربة منزل إن توفير غذاء صحي بشكل مستمر بات شبه مستحيل، فالأسعار بتغلى أكثر وأكثر، ما في شيء نزل سعره، حتى نوفر أكل صحي باستمرار لا، صعب جدا، يمكن مرة بالأسبوع بالكثير، والكميات ما بتكفي لنهاية الشهر إلا بتدبير قوي."

في مشهد يلخص قسوة الواقع، تصف أم كيف أصبحت وجبة العدس حلا يوميا للجوع بقولها إن "طنجرة العدس إذا انحطت الصبح، بتأمن فطور وغدا، وإذا جاع الطفل بعد اللعب أو الدراسة، بيروح عليها، يغمس خبز ويشبع ويرجع يكمل يومه".

 

 

أرقام رسمية تؤكد الضغوط المعيشية

تتوافق روايات المواطنين مع بيانات دائرة الإحصاءات العامة التي تشير إلى أن نحو 24% من الأسر الأردنية تواجه صعوبة في تغطية نفقاتها الشهرية الأساسية، وأن أكثر من 30% من دخل الأسرة يذهب للغذاء والسكن.

كما تكشف البيانات أن التضخم في الأردن سجل خلال عام 2024 نحو 2.1%، مدفوعا بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة تجاوزت 3%، فيما تظهر أرقام البنك المركزي الأردني أن متوسط الأجور لم يشهد زيادات حقيقية تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، مما أدى إلى تراجع القوة الشرائية للدينار الأردني.

في المقابل، تشير بيانات وزارة الزراعة والمجلس الأعلى للأمن الغذائي إلى أن الأردن سجل تحسنا تدريجيا في ترتيبه على مؤشر الجوع العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، فيما تفيد بيانات البنك الدولي بأن نسبة السكان الذين يعانون من نقص التغذية في الأردن أقل من 5%، وهي من أدنى النسب في الإقليم.

كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن الأردن يتمتع بدرجة عالية من توافر الغذاء مقارنة بدول المنطقة، بفضل استقرار سلاسل التوريد وارتفاع نسبة الاكتفاء الذاتي في بعض السلع الأساسية مثل الخضروات والدواجن.

هذا التقدم وفق ما تقوله الأسر، لا ينعكس على موائدها اليومية، إذ تؤكد أن 150 دينارا لم تعد تكفي تموين شهر كامل، وأن فطورا بسيطا قد يستهلك 7 دنانير، فيما تضطر عائلات إلى الاكتفاء بطنجرة عدس تمتد من الفطور إلى العشاء.

 

المؤشر لا يعكس كل شيء

 

يوضح مستشار الأمن الغذائي الدولي الدكتور مطيع الشبلي في حديثه لـ "عمان نت" أن مؤشر الجوع العالمي أداة قياس دولية معتمدة ترصد مدى انتشار الجوع وسوء التغذية في دول العالم، ويستند إلى أربعة عناصر رئيسية، نسبة السكان الذين يعانون من نقص السعرات الحرارية، ونسبة الأطفال دون الخامسة الذين يعانون من التقزم، ونسبة الأطفال الذين يعانون من الهزال، ومعدل وفيات الأطفال دون الخامسة.

ويؤكد الشبلي أن هذه المعايير معتمدة عالميا وليست اجتهادات محلية، ويرى أن الحديث عن تحسن ترتيب الأردن لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وثبات الدخول.

رغم أهمية ما يشير إليه وزير الزراعة حول تقدم الأردن من المرتبة 59 إلى المرتبة 54 بين 123 دولة، يرى الشبلي أن هذا الرقم لا يمكن اعتباره مبشرا بالمعنى الحقيقي، مضيفا  بأنه ما زلنا في منتصف الترتيب العالمي تقريبا، وليس في موقع مريح.

 

 

ويشير إلى أن المواطن الأردني بات يركز اليوم على سد الجوع أكثر من جودة الغذاء، معتبرا أن الناس لم تعد تشتري الطعام على أساس قيمته الغذائية، بل على أساس قدرته على الإشباع وتكلفته الأقل، حتى الخبز، الذي كان يهدر سابقا، أصبح اليوم سلعة ثمينة لا يرمى منها شيء، ومع ذلك فإن الكميات التي تشتريها الأسر لم تعد تكفيها.

بصفته مستشارا في استراتيجية الأمن الغذائي، أن الأمن الغذائي لا يقتصر على توفر الطعام، بل يقوم على سهولة الوصول إليه، وجودته، وقدرته على الإشباع، موضحا أن معظم المواطنين يستطيعون الوصول إلى الغذاء، لكن السؤال الحقيقي هل هذا الطعام مشبع؟ هل هو صحي؟ هل يتمتع بجودة غذائية مقبولة؟.

كما ينتقد الاعتماد على المؤشرات الرقمية فقط دون الرجوع إلى الواقع المعيشي، مشيرا إلى أن معدلات الفقر والبطالة في ارتفاع، وأن كثيرا من المواطنين يقولون إن رواتبهم لا تكفيهم سوى عشرة أيام في الشهر، مرجعا ذلك إلى تراجع القوة الشرائية للدينار الأردني في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار.

آخر أرقام رسمية، تبين أن معدل البطالة في الأردن يبلغ نحو 21.4%، فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن معدل الفقر تجاوز 15%.

 

من الأرقام إلى السياسات

وحول كيفية تحويل الأرقام إلى إجراءات حقيقية لتحسين الأمن الغذائي، يرى الشبلي أن الأردن يعاني من تضخم الدراسات والأبحاث التي لا تنزل إلى أرض الواقع، داعيا إلى النزول إلى الميدان وفهم الاحتياجات الفعلية للمواطنين قبل وضع السياسات.

ويؤكد أن نجاح أي استراتيجية يتطلب مواءمة حقيقية بين القطاعين العام والخاص وتعزيز المشاركة المجتمعية، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء مرتبط بارتفاع كلف الكهرباء والمياه والطاقة ومدخلات الإنتاج، مضيفا أن الأمن الغذائي لا يعتمد على القطاع الزراعي وحده، بل هو شبكة مترابطة تشمل الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم وغيرها، داعيا إلى تخفيض الضرائب عن مدخلات الإنتاج الزراعي مثل الأسمدة والبذور والطاقة، حتى تصل هذه المدخلات إلى المزارعين بأسعار أقل وينعكس ذلك على أسعار الغذاء للمواطن.

بيانات وزارة الزراعة، تشير إلى أن أكثر من 40% من كلفة الإنتاج الزراعي تذهب إلى مدخلات مثل الأسمدة والبذور والطاقة والمياه.

 ومع ذلك، يقول الوزير  صائب خريسات إن الأردن حقق تقدما حقيقيا في ملف الأمن الغذائي، رغم التحديات الإقليمية وارتفاع الأسعار عالميا، ونعمل على تعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.