الأردن وضرورة "إعادة ضبط المصنع"

الرابط المختصر

لطالما عُرف الأردن في محيطه الإقليمي بأنه "الدولة النموذج" التي تتقن فن الموازنة بين الاستقرار الأمني والانفتاح السياسي. ففي عقود مضت، كان سقف الحريات في المملكة، ولا سيما الحريات الصحفية، يمثل علامة فارقة جعلت من عمّان حاضنة للمثقفين والإعلاميين الباحثين عن مساحة من التعبير المسؤول.

 إلا أن القراءة الفاحصة للمشهد خلال السنوات الأخيرة تشير إلى تراجع مقلق في هذه المكتسبات، مما يستوجب وقفة لمراجعة المسار، أو ما يمكن تسميته "إعادة ضبط المصنع" للعودة إلى المبادئ الديمقراطية التي شكلت هوية الدولة الحديثة وخصوصا الحريات الإعلامية.

إن تراجع تصنيف الأردن في مؤشرات حرية الصحافة العالمية جاء بسبب قيود قانونية وإدارية حدت من دور الصحافة كـ "سلطة رابعة" تراقب وتكشف الخلل. إن العودة إلى تعزيز حريات العمل الصحفي ليست ترفاً، بل هي ضرورة وطنية، فالصحافة الحرة هي القادرة على كشف بؤر الفساد وتقديم مقترحات بناءة تساعد صناع القرار على رؤية ما قد تحجبه التقارير الرسمية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل تراجع الحريات عن تردي الوضع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن الأردني اليوم، ففي ظل معدلات التضخم المرتفعة وتزايد نسب البطالة، يحتاج الأردن أكثر من أي وقت مضى إلى "انفراجة سياسية" حقيقية تعيد الثقة المفقودة بين الشارع والمؤسسات الرسمية. 

وتأتي الثقة من خلال تعزيز النهج الديمقراطي والمشاركة الشعبية الفعلية وهذا لا يسهم فقط في تحسين صورة الدولة، بل يخلق شعوراً بالمسؤولية الجماعية تجاه التحديات الاقتصادية، حيث يشعر المواطن بأنه شريك في القرار وليس مجرد متلقٍ للأعباء.

 فإن الحكومة مطالبة اليوم باتخاذ إجراءات تخفيفية عاجلة تتجاوز الجوانب المالية المباشرة لتشمل إصلاحات بنيوية في إدارة الفضاء العام. 

يبدأ ذلك بتخفيف القبضة الإدارية عن منصات التعبير الرقمي التي باتت المتنفس الأساسي للشباب، مروراً بمراجعة شاملة للقوانين الناظمة للحياة السياسية والإعلامية وعلى رأسها قانون الجرائم الالكترونية  لتنسجم مع روح التحديث السياسي التي نادت بها الدولة، وصولاً إلى فتح قنوات حوار حقيقية وجادة مع النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صياغة الحلول الاقتصادية.

يمتلك الأردن  البنية التحتية اللازمة للحرية، فنحن لا نبدأ من فراغ، بل نطالب بالعودة إلى إرثنا التاريخي الذي تميز بالوسطية والتعددية والقدرة على احتواء الرأي الآخر. إن استعادة الأردن لمكانته المتقدمة في مستوى الحريات ستكون أكبر رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن المملكة قوية بمؤسساتها، ومنيعة بحرية شعبها، وقادرة على تحويل الأزمات الراهنة إلى فرص للنمو عبر بوابة الإصلاح السياسي الشامل الذي يضع كرامة الإنسان وحريته كأولوية قصوى.

تعزيز الجبهة الداخلية ركيزة مهمة من الركائز التي دعا لها الملك عبد الله الثاني لمواجهة أي أخطار خارجية قد تحدق في الأردن، لذا على الحكومة رفع ثقل الشعور بالتهميش والقيود عن كواهل الناس بالسماح لهم بالتعبير عن همومهم دون خوف، ومنح الصحافة الحرية لتكون لسان حال المظلومين، وتوسيع دوائر المشاركة السياسية، كلها عوامل تعمل كصمام أمان يمتص الاحتقان الشعبي الناتج عن الضغوط المعيشية.