الكرك فجوة بين الإنجاز والتنفيذ، مطالب عاجلة بحلول جذرية لأزمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية
سلّطت ندوة عقدها راديو البلد في محافظة الكرك الضوء على واقع المشاريع التنموية التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة، حيث عرض المشاركون صورة مركّبة تجمع بين نسب إنجاز معلنة في بعض القطاعات، وتحديات مستمرة تعيق تحقيق أثر ملموس على حياة المواطنين
و استضاف برنامج "ميداني" الذي يبث على راديو البلد ندوة موسّعة من محافظة الكرك، جمعت مختصين ونواب سابقين وأبناء المحافظة، للوقوف على واقع المشاريع الحكومية التي أُعلن عنها خلال الزيارة الميدانية عام 2024، وتشخيص الاحتياجات الحقيقية للمحافظة
وخلال الندوة التي أدارها ممدوح الحناحنة، أكد المهندس حسام الكركي، نائب مدير الإدارة المحلية اللامركزية، أن الحكومة نفذت عدداً من المشاريع ضمن موازنات الأعوام الماضية، مشيراً إلى أن نسب الإنجاز في بعض القطاعات وصلت إلى مستويات “جيدة”، خاصة في مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وقال الكركي، إن موازنة مشاريع عام 2024 بلغت نحو 8.9 مليون دولار، مشيراً إلى أن نسبة الإنجاز وصلت إلى ما يقارب 65%، مع تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية، من بينها مشاريع تتعلق بشبكات المياه وبعض برامج التدريب المهني، والتي قال إنها “حققت نسب إنجاز مرتفعة”.
وأوضح أن العمل ما يزال مستمراً على استكمال مشاريع حيوية في قطاع المياه، إلى جانب برامج تدريب مهني وتنموي، لافتاً إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في تسريع وتيرة التنفيذ وضمان استدامة التمويل.
في المقابل، قدّمت ازدهار فارس، عضو اللجنة الملكية لتطوير الكرك، قراءة نقدية لواقع المشاريع، معتبرة أن بعض المبادرات، خصوصاً في قطاع الصرف الصحي، ما تزال عالقة منذ سنوات رغم إدراجها ضمن الخطط الحكومية وطرح عطاءات متكررة.
وبيّنت أن مشروع الصرف الصحي، الذي بدأ الحديث عنه منذ عام 2019، لم يشهد تقدماً فعلياً على الأرض، مشيرة إلى أن كلفته التقديرية شهدت انخفاضاً دون أن ينعكس ذلك على التنفيذ، ما يعكس وجود إشكاليات إجرائية وفنية.
كما لفتت إلى غياب العدالة في توزيع مشاريع المياه، حيث تعاني بعض المناطق الزراعية والسكنية من نقص واضح في الآبار وشبكات التزويد، مقابل توفرها في مناطق أخرى، داعية إلى إعادة تقييم الأولويات وفقاً لاحتياجات كل منطقة.
من جانبه، تناول د. محمد العمرو، النائب الأسبق، واقع قطاع التعليم في المحافظة، موضحاً أن السنوات الماضية شهدت تنفيذ مشاريع إنشاء وصيانة لعدد من المدارس، إلى جانب إضافة غرف صفية جديدة، ما ساهم في تحسين البيئة التعليمية نسبياً.
وأشار إلى أن حجم الإنفاق على هذا القطاع كان ملحوظاً، إلا أن الزيادة المستمرة في أعداد الطلبة تفرض تحديات إضافية، تتطلب التوسع في بناء المدارس بدلاً من الاعتماد على الأبنية المستأجرة، إضافة إلى تعزيز الصيانة الدورية ورفع جودة الخدمات التعليمية.
وتطرّق العمرو إلى أهمية التعليم كركيزة أساسية للتنمية، مؤكداً أن الكرك تمتلك إرثاً تعليمياً وثقافياً مهماً، إلا أن الحفاظ عليه يتطلب استثماراً مستمراً في البنية التحتية والكوادر، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
وخلال النقاش، برزت قضية المياه كأحد أكثر الملفات إلحاحاً، حيث أشار المشاركون إلى أن شبكات المياه في المحافظة تعاني من تهالك واضح يعود إلى عقود، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الفاقد المائي بشكل كبير.
وفي السياق ذاته، شدد المشاركون على أن التحدي لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع أو رصد الموازنات، بل في ضمان تنفيذها ضمن جداول زمنية واضحة، وبجودة عالية، مع وجود آليات رقابة ومساءلة فعالة.
وأكدوا أن تراكم المشاريع غير المكتملة أو المتعثرة يضعف ثقة المواطنين، ويحدّ من الأثر التنموي المتوقع.
وأشار الحضور إلى أن محافظة الكرك تمتلك إمكانات واعدة في مجالات الزراعة والسياحة والصناعات المحلية، إلا أن استثمار هذه الفرص يتطلب بيئة خدمية متكاملة، تشمل بنية تحتية متطورة، وخدمات أساسية مستقرة، وعلى رأسها المياه والصرف الصحي.
مطالب وتوصيات المشاركين
وخرجت الجلسة بتحديد مجموعة من الأولويات والقضايا الأساسية التي تهم أبناء الكرك، بهدف إيصالها إلى أصحاب القرار والعمل على متابعتها بما يحقق تنمية حقيقية ومستدامة في المحافظة.
أجمع المشاركون على أن الصرف الصحي من أبرز المشكلات التي تعاني منها المحافظة إذ تفتقر المدينة بكاملها — شمالاً وجنوباً — إلى شبكة صرف صحي فعلية، وكذلك مدينة المرج والمناطق المحيطة بها. والمشروع مقرّر منذ عام 2019 بتكلفة أولية بلغت 22 مليون يورو قبل أن تُخفَّض إلى 11 مليون، وكل عام تُطرح عطاءات دون أن تُرسى بحجة أن العروض تتجاوز القيمة المرصودة، فيما تنساب المياه العادمة على المزارع وتلوّث البيئة وتهدد صحة الأهالي. وطالب المشاركون بإنجاز هذا المشروع فوراً باعتباره أولوية صحية وسياحية وبيئية لا تقبل التأجيل، مع الكشف عن الأسباب الحقيقية لتعطّله طوال ست سنوات رغم صدور قرارات حكومية وإرادات ملكية بشأنه.
وعلى صعيد المياه، أكد المشاركون أن شبكات المياه القائمة يتجاوز عمرها ستين عاماً ونسبة الهدر فيها تفوق ما يستهلكه المواطنون، فضلاً عن أن توزيع الآبار الجوفية غير عادل إذ تستأثر مناطق بعينها بالحفر بينما تعاني مناطق كالمزار و مؤاب من شح شديد. وطالبوا بإعادة تأهيل الشبكات بصورة شاملة لا ترقيعية، وضمان العدالة في توزيع الآبار على مختلف أرجاء المحافظة.
وفي ملف الصحة، أشار المشاركون إلى أن مركز الكرك الصحي الشامل الذي يخدم أكثر من 70 ألف نسمة لا يزال يراوح مكانه رغم سنوات من الوعود بتحويله إلى مستشفى مصغّر، كما أن سكان منطقة الأغوار البالغين نحو 50 ألف نسمة يضطرون إلى قطع مسافات طويلة عبر ثلاث مواصلات للوصول إلى مستشفى الكرك الحكومي. ودراسات توسعة المستشفى الحكومي تتجدد كل عام دون الانتقال إلى التنفيذ. وطالب المشاركون بإنشاء مركز صحي شامل حقيقي يخدم المدينة وضواحيها، وتطوير مركز الغور بما يناسب الكثافة السكانية، وضمان جودة الإشراف على المراكز المنجزة حتى لا تُسلَّم بمواصفات دون المستوى.
أما الطرق والبنية التحتية فقد أخذت حيزاً واسعاً من النقاش، وأبدى المشاركون قلقهم الشديد من إهمال المداخل الاستراتيجية للكرك، لا سيما مدخل الشمال وطريق وادي الموجب وطريق الأغوار البحر الميت الذي يمتد سبعة عشر كيلومتراً دون إنارة أو جزيرة وسطية أو صيانة كافية. وأشاروا إلى الخلط القانوني الحاصل بين صلاحيات وزارة الأشغال والبلديات داخل حدود التنظيم، مما يُضيّع المواطن بين جهتين كل منهما تُحيله إلى الأخرى. وطالبوا بعطاءات مركزية لإعادة تأهيل طريق الموجب وطريق الأغوار كاملاً بمواصفات سياحية تليق بهذا الممر الحيوي، وبتشريع يحسم التداخل في الصلاحيات بين الأشغال والبلديات.
وعلى صعيد السياحة، أبدى أبناء الكرك مرارة واضحة من تهميش محافظتهم سياحياً رغم امتلاكها قرابة 2000 موقعاً أثرياً وسياحياً، مشيرين إلى أن الكرك غير مدرجة في الخرائط السياحية الرسمية وأدلة الرحلات، بينما تتصدر البتراء وجرش وعجلون المشهد. وطالبوا بإعادة الحياة إلى قلب المدينة القديمة من خلال تفريغ الدوائر الحكومية منها وإعادة فتح أفرع مصرفية ومراكز خدمات داخلها، وإعطاء امتيازات للمستثمرين الذين يُحيون المحلات القديمة العائدة إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، وإدراج المواقع الأثرية في الكرك ضمن الخرائط السياحية الرسمية والبرامج الترويجية، وتسريع مشروع تطوير محيط قلعة الكرك ووادي بن حماد.
وفيما يخص التعليم، أقرّ المشاركون بوجود جهود ملموسة على صعيد الصيانة والبناء، غير أنهم أشاروا إلى إشكاليات جوهرية تتمثل في بطء تنفيذ المشاريع المدرسية وتراكم الدراسات دون تنفيذ، واكتظاظ الفصول الدراسية نتيجة تزايد أعداد الطلاب، ومخاوف جدية من تفشي المخدرات في المدارس والجامعات. وطالبوا بتسريع إنجاز المشاريع المدرسية المعلّقة وتعزيز الرقابة على البيئة المدرسية.
وفي ملف اللامركزية والحوكمة، رأى المشاركون أن اللامركزية كما تُطبَّق حالياً لا تعدو كونها نقلاً للمسمّيات دون نقل الصلاحيات والموازنات الحقيقية، إذ يظل مديرو الأشغال والبلديات في المحافظات بلا سلطة فعلية ولا أموال كافية، وتعود كل القرارات في نهاية المطاف إلى المركز في عمان. وطالب المشاركون بمنح مجالس المحافظات موازنات حقيقية وصلاحيات تنفيذية فعلية.
وفي سياق الحديث عن فرص العمل والاستثمار، شدد المشاركون على أن المشاريع الحكومية المنفذة حتى الآن هي في معظمها مشاريع خدمية آنية لا تخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، وأن المحافظة بحاجة إلى مشاريع استثمارية ضخمة تستوعب الشباب العاطل عن العمل، مشيرين إلى أن نسبة البطالة في الكرك تتجاوز 17 بالمئة. وطالبوا بأن تضطلع الشركات الكبرى العاملة في المنطقة كشركة البوتاس بدور أكبر في استيعاب أبناء المحافظة ودعم مشاريعها التنموية، مؤكدين أن عائدات هذه الشركات يجب أن تنعكس بصورة مباشرة وملموسة على جودة حياة أهل الكرك.
وأثار المشاركون بشكل لافت قضية المدينة الرياضية في الكرك، مشيرين إلى أن أربع إرادات ملكية صدرت بشأنها على مدى عشرين عاماً دون أن تتحوّل إلى مدينة رياضية حقيقية، وأنها لا تزال عبارة عن حديقة أطفال وملعبين لا ترقى إلى مستوى طموحات أهل المحافظة ولا تخلق أي حركة اقتصادية تُذكر. وطالبوا ببناء مدينة رياضية فعلية متكاملة المرافق تكون نواة لإنعاش المنطقة وتوفير فرص العمل للشباب.
وعلى صعيد مراكز الشباب، كشف المشاركون أن مركز الشباب في القصر يعمل في مبنى مستأجر بأجرة رمزية لا تتجاوز ديناراً واحداً سنوياً، وأن وزارة الشباب والبلدية لم تُعالجا هذا الوضع رغم مرور سنوات على رفع الشكاوى. وطالبوا بتخصيص مبانٍ لائقة لمراكز الشباب في مختلف أرجاء المحافظة بدلاً من الاعتماد على مبانٍ مستأجرة متهالكة.
وفيما يتعلق بالبيوت القديمة في قلب مدينة الكرك، أشار المشاركون إلى أن جلالة الملك أصدر توجيهات بصيانتها وترميمها منذ أكثر من سنة وثمانية أشهر، غير أن المسؤولين المحليين لم يتحركوا لتنفيذ هذه التوجيهات حتى اللحظة، وأن بعض هذه البيوت ذات القيمة التاريخية والحضارية آخذة في الانهيار، من بينها مبنى تاريخي ضخم يقع بجانب المسجد العمري الذي تساقطت أجزاء من جدرانه. وطالبوا بتفعيل آليات الترميم والصيانة فوراً.
وأشار المشاركون كذلك إلى إشكالية الإنارة في المدينة، مؤكدين أن مشروع الإنارة السياحية الذي كان يُضفي على الكرك الليلية بهاءً خاصاً توقف عن العمل، وأن المدينة باتت تعاني من شُح في الإنارة يُثبّط حركة التجارة الليلية ويُنفّر السياح. وطالبوا بإعادة تشغيل هذا المشروع وتطويره بما يتناسب مع المكانة التاريخية للمدينة.













































