خبيرات: تراجع ثقة الجمهور وتحوّل منصات التواصل يعيدان تشكيل غرف الأخبار ويهددان مهنيّة الصحافة

انطلقت في اليوم الثاني من الملتقى الإقليمي بعنوان إعلام مستقل مجتمع قوي بتنظيم من شبكة الإعلام المجتمعي الجلسة الأولى بعنوان "غرف الأخبار ما بين الاستقلالية في صناعة المحتوى وإدارة العلاقات العامة حكوميًا وشعبيًا"، بمشاركة إعلاميين وخبراء في الاتصال وصناعة المحتوى، وناقشت الجلسة تحوّلات المشهد الإعلامي والتحديات التي تواجه غرف الأخبار في ظل المنافسة الرقمية وتغيّر سلوك الجمهور، في ظل تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي على صناعة الأخبار وتشكيل الرأي العام.

وقالت المستشارة الإعلامية والمديرة العامة السابقة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية بيان التل إنَّ أزمة الإعلام اليوم ترتبط بفقدان البوصلة الأخلاقية وتراجع الالتزام بالمهنيّة، مؤكدة أنَّ الأخلاقيات ليست مرتبطة بسرعة نشر الخبر فقط، بل تُشكّل أساس العمل الإعلامي والحياة العامة، وأنَّ غيابها أدّى إلى تراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية.

وأضافت أنَّ أكثر من 70% من الشباب اتجهوا نحو منصات التواصل الاجتماعي والأفراد المؤثرين بدل المؤسسات الإعلامية التقليدية وأنَّ هذا التحوّل جاء نتيجة فقدان المؤسسات لثقة الناس ومهنيتها، ما أفسح المجال أمام الأفراد لإنتاج المحتوى بشكل مستقل عبر الصفحات والبودكاست ومنصات التواصل المختلفة.

وأشارت التل إلى أنَّ غياب الاستقلالية داخل المؤسسات الإعلامية يؤثر على ثبات السياسات الإعلامية وثقة الجمهور، موضحة أنَّ تغيّر الإدارات والسياسات بشكل متكرر ينعكس مباشرة على المحتوى المقدم للناس.

وانتقدت غياب التنوع الحقيقي الذي يمثل المجتمع الأردني في وسائل الإعلام، داعية الصحفيين إلى التمسك بالمهنيّة والحريّة والعمل الجماعي للدفاع عن أخلاقيات المهنة ودفع التغيير داخل القطاع الإعلامي.

من جانبها أكدت مستشار أول حكومة دبي لتميّز وريادة مؤسسية واتصال وإعلام استراتيجي ريم عبيدات أنَّ العالم يشهد تحولًا غير مسبوق في طبيعة الصراع؛ إذ لم يعد قائمًا فقط على الجيوش التقليدية، بل على امتلاك أدوات الوصول إلى الحقيقة والتحكم بالخوارزميات والبيانات، معتبرة أنَّ من يملك القدرة على إدارة الخوارزميات وتحليل البيانات هو من يمتلك النفوذ الحقيقي اليوم.

وقالت إنَّ البشرية تعيش اليوم داخل تدفق هائل من المعلومات لا ينتج بالضرورة وعيًا أعمق وأنَّ البشر يقضون أكثر من مليار ونصف سنة بشرية سنويًا على منصات التواصل الاجتماعي، فيما يتم تحميل مئات الساعات من الفيديوهات كل دقيقة على يوتيوب، إلى جانب إنتاج ملايين التعليقات باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وأضافت عبيدات أنَّ دور الإعلامي تطوّر من ناقل للمعلومات إلى باحث معمّق قادر على التعامل مع البيانات والمنصات الرقمية وفهم آليات عملها، مؤكدة أهمية فهم العالم الرقمي الجديد وكيفية بناء البيانات والـ"بيغ داتا"، خاصة مع تصاعد تأثير العلوم الإنسانية في مواجهة ما وصفته بالعاصفة البيانية.
وحذّرت من تنامي ظاهرة التضليل والمؤسسات المضللة، معتبرة أنَّ أخطر ما فيها هو قدرتها على إنتاج محتوى غث بكميات ضخمة تؤثر على وعي الجمهور وتشوّش الحقيقة.

فيما بيّنت خبيرة الاتصال الاستراتيجي والتطوير المؤسسي يُسر حسان أنَّ العمل داخل غرف الأخبار أصبح أكثر تعقيدًا في عصر الذكاء الاصطناعي، في ظل تغيّر مفهوم الخبر وتحوّل سلطة التأثير إلى المنصات والخوارزميات والجمهور.

وأوضحت أنَّ مواقع التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل غرف الأخبار من واقع التحرير التقليدي إلى واقع تحكمه المنصات الرقمية، ما خلق إيقاعًا متسارعًا على حساب التحقق والمهنيّة والمصداقية ونَّ الصحفي اليوم ينافس الهاتف المحمول الذي يوفّر كمًا هائلًا من المعلومات بشكل لحظي.

وقالت حسان إنَّ الصحفي لم يعد يكتفي بكتابة الخبر، بل أصبح مطالبًا بإنتاج محتوى متكامل يناسب مختلف المنصات الرقمية، بما يشمل الفيديو والصياغات المتعددة، وهو ما فرض مهارات وأدوارًا جديدة على العاملين في القطاع الإعلامي.

وأضافت أنَّ الذكاء الاصطناعي أتاح فرصًا واسعة للتطوير، لكنه في المقابل رفع مستوى الخطورة مع سهولة إنتاج الصور والفيديوهات والأصوات المزيّفة بسرعة أكبر من السابق، مؤكدة أنَّ التحدي الأساسي يكمن في الحفاظ على مهنيّة وسائل الإعلام ومصداقيتها أمام جمهور يريد الوصول السريع إلى الأخبار.

ودعت حسان إلى تعزيز وعي المواطنين تجاه المحتوى الرقمي، معتبرة أنَّ هذه المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية بشكل مشترك، في ظل التغيّر السريع في سلوك الجمهور وتفاعله مع الأخبار.

وقالت مؤسسة مختبر الابتكار الإعلامي العربي والمدير التنفيذي ورئيس تحرير منصة "العلم" الرقمية رنا الصباغ إنَّ الصحافة بالنسبة لجيلها لم تكن مجرد وظيفة، بل خيارًا شخصيًا محفوفًا بالمخاطر، قائمًا على الدفاع عن الحريّة وإيصال صوت من لا صوت لهم دون مجاملة للسلطة.

وأكدت أنَّ من أخطر التحديات التي تواجه غرف الأخبار اليوم تآكل الحدود الفاصلة بين الصحافة والعلاقات العامة، إلى جانب استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمهاجمة الصحفيين وتشويه سمعتهم.

وأضافت الصباغ أنَّ التحولات الرقمية طرحت تساؤلات جدية حول مستقبل مهنة الصحافة، خاصة بعد أن أصبح المسؤولون قادرين على الوصول مباشرة إلى الجمهور عبر منصاتهم الخاصة دون الحاجة إلى وسائل الإعلام التقليدية.

وتساءلت عمّن سيقوم بمحاسبة المسؤولين ووضع الروايات الرسمية تحت المجهر إذا تراجع دور الصحافة المهنية، مؤكدة أنَّ العالم يعيش أزمة فائض معلومات أصبحت فيها الحقيقة نفسها مستهدفة، خصوصًا مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج صور وفيديوهات مزيفة بدرجة عالية من الإقناع.

وشددت الصباغ على أنَّ الصحافة المهنية تصبح أكثر أهمية في زمن التضليل، لأنَّ دور الصحفي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يشمل تدقيق الأخبار والتحقق منها، وأنَّ الثقة بدأت تنتقل تدريجيًا من المؤسسات الإعلامية إلى المؤثرين، رغم أنَّ المؤثرين لا يعملون دائمًا وفق قواعد المهنة وأخلاقياتها.