الأردن الأخضر...مبادرات شبابية تواجه التغير المناخي من إربد إلى الزرقاء والبتراء
لم تعد قضايا البيئة في الأردن محصورة في حماية الأشجار أو زيادة المساحات الخضراء، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بجودة حياة المواطنين، والصحة النفسية، والمياه، والسياحة، ومستقبل المدن في ظل تحديات التغير المناخي التي تتزايد آثارها عاماً بعد عام.
وفي حلقة خاصة من برنامج "صوت شبابي" الذي يقدمه راديو البلد، جرى تسليط الضوء على مجموعة من المبادرات الشبابية التي تحاول إعادة الاعتبار للمشهد البيئي في عدد من المحافظات، إلى جانب مناقشة التحديات التي تواجه مدناً مثل الزرقاء ووادي موسى، حيث تتداخل قضايا المناخ مع التخطيط الحضري والسياحة والموارد الطبيعية.
الحلقة حملت قصصاً من الميدان، بدأت من محافظة إربد، حيث يقود الناشط البيئي عمار السخني مبادرات تطوعية لتشجير المدينة وتحسين المشهد الحضري، قبل الانتقال إلى نقاش أوسع حول ضرورة بناء شراكات بين الشباب والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص لضمان استدامة هذه الجهود.
عمار السخني... من الانتقاد إلى زراعة آلاف الأشجار
يروي عمار السخني أن فكرة المبادرات البيئية بدأت لديه كحلم، لكنها تحولت لاحقاً إلى عمل ميداني بعد أن قرر الانتقال من مجرد انتقاد الواقع إلى محاولة تغييره.
ويقول إن أبرز التحديات التي واجهها في البداية كانت صعوبة جذب المتطوعين، موضحاً أن التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي كان كبيراً، لكن المشاركة الفعلية على الأرض كانت محدودة.
وأضاف أن بعض المنشورات كانت تحصل على مئات التعليقات من أشخاص يبدون استعدادهم للمشاركة، لكن عند تنفيذ النشاط لا يحضر سوى عدد قليل، قبل أن يبدأ هذا الواقع بالتغير تدريجياً مع زيادة الوعي بأهمية العمل التطوعي.
وخلال الفترة الماضية، نفذ السخني عدداً من المبادرات في محافظة إربد، شملت دهان أكثر من 20 مدرسة، وتحسين عدد من الدواوير، وتنظيم مسابقات للأطفال لتعزيز ثقافة النظافة والعمل التطوعي، إضافة إلى مبادرات اجتماعية أخرى.
ويشير إلى أن إحدى الأفكار التي أطلقها كانت تحفيز الأطفال على تنظيف أحيائهم من خلال تقديم جوائز رمزية لهم، بهدف ربط الجيل الجديد بالمسؤولية تجاه المكان الذي يعيشون فيه.
600 شجرة في شارع البتراء و12 ألف شجرة في المحافظات
ويكشف السخني أن مبادرات التشجير توسعت خلال الفترة الأخيرة، حيث تمكن مع متطوعين من زراعة أكثر من 600 شجرة في شارع البتراء بمحافظة إربد خلال أسبوع واحد.
كما أعلن عن مبادرة جديدة تستهدف زراعة 12 ألف شجرة في مختلف محافظات المملكة، بواقع ألف شجرة لكل محافظة، مع تشكيل فرق محلية لمتابعة الأشجار بعد زراعتها وعدم الاكتفاء بزراعتها فقط.
ويؤكد أن فلسفة المبادرة تقوم على أن التشجير لا يعني وضع شجرة في الأرض ثم تركها، بل تحتاج الأشجار إلى متابعة وسقاية ورعاية حتى تصبح جزءاً من البيئة المحلية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى تجربة توزيع 500 شجرة مثمرة على المواطنين لزراعتها في منازلهم، بهدف تعزيز ثقافة الزراعة المنزلية، والاستفادة منها مستقبلاً.
وقال إن زراعة الأشجار المثمرة يمكن أن تساعد مئات الأسر خلال السنوات المقبلة من خلال إنتاج جزء من احتياجاتها من الحمضيات والفواكه.
"يد واحدة لا تصفق"... دعوة للشراكة مع البلديات
وشدد السخني على أن المبادرات الشبابية تحتاج إلى دعم المؤسسات الرسمية، خصوصاً البلديات، لأن التحدي الأكبر لا يكون فقط في زراعة الأشجار وإنما في توفير المياه والعناية اللاحقة.
وأوضح أن التعاون مع القطاع الخاص والمدارس والبلديات ساعد في تنفيذ عدد من المشاريع، مشيراً إلى أن بلدية إربد قامت بحفر مئات الحفر اللازمة لزراعة الأشجار في إحدى المبادرات.
كما تحدث عن مبادرة توفير المياه لري الأشجار من خلال تشجيع المواطنين على التبرع بتوفير صهاريج مياه كصدقة عن أرواح أقاربهم، مؤكداً أن هذه الفكرة ساعدت في توفير احتياجات الري لفترات لاحقة.
ودعا الشباب إلى عدم الاستسلام للأصوات المحبطة، قائلاً إن تجربة شخص واحد يمكن أن تتحول إلى عمل واسع إذا اجتمعت الجهود.
خبراء البيئة: المبادرات تحتاج إلى استدامة لا حملات مؤقتة
من جهته، أكد رئيس جمعية المحافظة على المياه والبيئة الدكتور أحمد الرسان أن المبادرات الشبابية تمثل تحولاً مهماً في طريقة تعامل المجتمع مع القضايا البيئية، لكنها تحتاج إلى أن تتحول من نشاطات مؤقتة إلى ثقافة مستدامة.
وقال إن نجاح أي مبادرة بيئية يتطلب وجود شراكة بين المواطنين، والجهات الحكومية، والبلديات، والقطاع الخاص، إضافة إلى توفير الدعم اللوجستي والتدريب والمهارات.
وأشار إلى أن حماية البيئة ليست مسؤولية وزارة أو جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تشمل جميع مكونات المجتمع.
وأوضح أن هناك العديد من المجالات التي تحتاج إلى مبادرات مستمرة، منها ترشيد استهلاك المياه، والحد من الرمي العشوائي للنفايات، وتقليل استخدام البلاستيك، وإعادة التدوير، وحماية التنوع الحيوي.
لكنه لفت إلى وجود مشكلة أساسية تتمثل بالسلوكيات السلبية تجاه بعض المشاريع البيئية، مشيراً إلى تعرض بعض الأشجار التي زُرعت في إربد للتخريب.
واعتبر أن معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى رفع الوعي البيئي، وتعزيز الانتماء للمكان، إلى جانب تطبيق القانون والرقابة لمنع الاعتداء على المشاريع العامة.
الزرقاء... مدينة صناعية تبحث عن رئتها الخضراء
انتقلت الحلقة بعد ذلك إلى محافظة الزرقاء، حيث ناقشت واقع المساحات الخضراء في واحدة من أكثر المدن كثافة سكانية وصناعية في الأردن.
وأشار تقرير أعده الزميل ليث حبش إلى أن سكان الزرقاء يعانون من نقص الحدائق العامة والمساحات المفتوحة، ما يؤثر على خيارات الترفيه المجاني وعلى جودة الحياة اليومية.
وقال عدد من الشباب في التقرير إن قلة الحدائق دفعت كثيراً من الناس إلى الاعتماد على المولات والمقاهي كأماكن بديلة، وهي خيارات لا تناسب جميع الفئات.
كما أشاروا إلى أن الحدائق ليست مجرد أماكن للترفيه، بل توفر مساحات للتواصل الاجتماعي والراحة النفسية وممارسة النشاط البدني.
نقص المساحات الخضراء وتأثيره على الصحة النفسية
بدورها، أوضحت المرشدة النفسية أنطوني هندلة أن غياب المساحات الخضراء يرفع مستويات التوتر والقلق لدى الأفراد، لأن الطبيعة تساعد الإنسان على الاسترخاء وتقليل الضغط النفسي.
وقالت إن الأشجار والمناظر الطبيعية تساعد على تخفيف الإرهاق الذهني الناتج عن ضغوط الدراسة والعمل والاستخدام الطويل للشاشات.
وأضافت أن الحدائق توفر أيضاً أماكن للتفاعل الاجتماعي والنشاط البدني، وهما عنصران مهمان للصحة النفسية.
هلا مراد: الزرقاء لم تكن هكذا... الإنسان غيّر شكل المدينة
وقالت خبيرة سياسات البيئة والمناخ هلا مراد إن الزرقاء تحمل خصوصية بيئية مختلفة، فهي مدينة صناعية وسكانية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تضم مناطق طبيعية مهمة مثل السخنة وبيرين والعلوك.
وأوضحت أن صورة الزرقاء الحالية باعتبارها مدينة إسمنتية جاءت نتيجة نمط التخطيط الذي ركز على السكن والصناعة، دون إعطاء المساحات الخضراء أولوية كافية.
وأضافت أن المنطقة كانت تاريخياً غنية بالزراعة، مشيرة إلى أن سكان المنطقة كانوا يعرفون أنواعاً مختلفة من الأشجار المثمرة التي كانت منتشرة حول سيل الزرقاء.
وقالت إن تغيير استخدامات الأراضي وتحويلها إلى مناطق عمرانية وإسفلتية أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وظهور ما يعرف بـ"الجزيرة الحرارية"، حيث تمتص المباني والطرق الحرارة وتعيد إطلاقها، ما يزيد من حرارة المدن.
التشجير ليس تجميلاً... بل حماية للمدينة
وأكدت مراد أن وجود الأشجار داخل المدن ليس هدفه فقط تحسين الشكل العام، بل له دور في تخفيف الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وتوفير بيئة مناسبة للكائنات الحية.
وأشارت إلى تجربة تشجير عدد من الشوارع في الزرقاء منذ عام 2008، والتي نجحت بسبب تعاون السكان مع المبادرة، مؤكدة أن مشاركة المجتمع شرط أساسي لاستمرار أي مشروع بيئي.
كما دعت إلى إعادة التفكير في تصميم الشوارع، بحيث يتم توفير مساحات للأشجار دون إعاقة حركة المشاة أو استخدام الأرصفة بشكل خاطئ.
الزرقاء تحتاج إلى خطة بيئية طويلة الأمد
وقالت مراد إن حجم التحديات البيئية في الزرقاء يتطلب جهوداً أكبر، خصوصاً أنها تضم نسبة كبيرة من الصناعات الأردنية، إضافة إلى منشآت صناعية كبرى ومناطق كانت تعاني من التلوث.
وأكدت أن المدينة بحاجة إلى زيادة التشجير، وحماية المناطق الطبيعية الموجودة فيها، مثل بيرين والعلوك، والعمل على إعادة الاعتبار لسيل الزرقاء.
كما اقترحت الاستفادة من فكرة "الرئات الحضرية الصغيرة"، وهي تحويل الأراضي غير المستخدمة بين الأحياء إلى حدائق صغيرة مستدامة تخدم السكان.
البتراء ووادي موسى... عندما يهدد المناخ موقعاً عالمياً
في الجزء الأخير من الحلقة، انتقل النقاش إلى منطقة وادي موسى والبتراء، حيث جرى بحث تأثير التغير المناخي على أحد أهم المواقع التراثية والسياحية في العالم.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة خلال العقدين الماضيين وصل إلى نحو درجتين مئويتين، ما أثر على الغطاء النباتي والزراعة والموارد المائية.
وتضم منطقة وادي موسى أكثر من 27 ألف دونم من الأراضي الزراعية، وتعتمد أجزاء من الحياة الزراعية فيها على مصادر مائية طبيعية أبرزها عين موسى.
عين موسى... ذاكرة مائية عمرها قرون
وأوضح الباحث في التراث المادي حسن الحسنات أن عين موسى شكلت عبر التاريخ عنصراً أساسياً في حياة المنطقة، وكانت سبباً في ازدهار الزراعة واستقرار السكان.
وأشار إلى أن توزيع مياه العين بين أبناء المنطقة كان يتم وفق نظام دقيق حافظ عليه المجتمع المحلي عبر أجيال طويلة.
وأكد أن المنطقة تمتلك مصادر مائية أخرى، لكنها تحتاج إلى إدارة وحماية لضمان استمرارها.
التغير المناخي ليس السبب الوحيد
وقالت هلا مراد إن الحديث عن مستقبل وادي موسى يجب ألا يختزل فقط في التغير المناخي، لأن هناك عوامل بشرية أخرى مرتبطة باستخدام المياه والضغط على الموارد الطبيعية.
وأوضحت أن زيادة الضخ الزراعي والسياحي على الينابيع تحتاج إلى تنظيم وإدارة أكثر فاعلية.
كما أشارت إلى أن الفيضانات المفاجئة أصبحت من أبرز التحديات، مستشهدة بفيضان عام 2018، الذي كشف الحاجة إلى أنظمة إنذار مبكر وخطط تكيف مع المناخ.
وأكدت أن البتراء لا تمثل قيمة سياحية فقط، بل تجمع بين إرث إنساني وطبيعي يحتاج إلى خطط شاملة للحماية.
وختمت بأن الحفاظ على البتراء ووادي موسى مسؤولية تتجاوز الحدود المحلية، لأنها تمثل جزءاً من التراث العالمي.
البيئة ملف يومي وليس قضية موسمية
الحلقة خلصت إلى أن مواجهة التغير المناخي في الأردن لا تبدأ فقط من المشاريع الكبرى، بل من تفاصيل يومية، من شجرة تُزرع وتُروى، وشارع يحافظ سكانه على نظافته، ومدينة تعيد التفكير بطريقة بنائها.
وبين مبادرات الشباب في إربد، وتحديات الزرقاء، ومخاطر المناخ على البتراء، تظهر صورة واحدة: البيئة أصبحت جزءاً من مستقبل المدن وحياة الناس، وليست ملفاً جانبياً يمكن تأجيله.












































