221% زيادة في حالة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت: لماذا لا يكفي الحظر لحماية أطفالنا؟
في وقت تكشف فيه التقارير العالمية أن واحداً من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت هو طفل دون 18، يُظهر تقرير حالة حقوق الطفل الأول، الصادر مؤخراً عن المجلس الوطني لشؤون الأسرة، ارتفاعاً في نسب بلاغات الاستغلال الجنسي الواقع على الأطفال بنسبة 221 بالمئة خلال السنوات الثلاث الماضية.
تحمل هذه النسبة تفسيرين: من جهة، يمكن قراءتها كمؤشر على ارتفاع الوعي وتعزيز آليات الرصد والتبليغ، ما يعني أن مزيداً من الحالات باتت تُكشف بعد أن كانت مخفية. لكن من جهة أخرى، وهو الأهم، فإن هذه النسبة تمثل ناقوس خطر حقيقياً، لأن الجرائم من هذا النوع تُعد من أكثر الجرائم التي تعاني من نقص التبليغ عالمياً، حيث تشير تقديرات منظمة اليونيسف إلى أن ما يتم الإبلاغ عنه لا يتجاوز في أفضل الأحوال 5% إلى 10% فقط من الحجم الفعلي. بمعنى آخر، ما نراه هو على الأرجح مجرد قمة جبل الجليد، بينما يبقى الجزء الأكبر من المعاناة مخفياً خلف الشاشات، تحت وطأة الخوف والوصم ومخاوف تتعلق بآليات الإبلاغ الآمنة.
تتزامن هذه المعطيات مع إجراءات حكومية تمثلت في تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع تصاعد دعوات شعبية لتشديد الرقابة، وصلت في بعض الأحيان إلى المطالبة بحظر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لمن هم دون سن السادسة عشرة. وهنا يفرض نفسه السؤال الأكثر أهمية: هل نحن بحاجة إلى قانون يقيّد الوصول إلى الإنترنت، أم نحن بحاجة إلى جعل الفضاء الرقمي مكاناً آمناً للأطفال؟
الحقيقة أن الفضاء الرقمي الحالي صُمم بعقلية المستخدم البالغ ويُدار بمنطق النمو التجاري أولاً. الخوارزميات لا تعطي الأولوية لما يحمي الطفل، بل لما يجذب انتباهه ويطيل بقاءه. أدوات الأمان غالباً ما تكون مخفية أو معطلة بشكل افتراضي، وأنظمة الإبلاغ بطيئة أو غير فعالة. أما جمع البيانات، فيتم على نطاق واسع، حتى عندما يتعلق الأمر بمستخدمين صغار السن.
هذه ليست ثغرات تقنية عابرة، بل خيارات تصميمية متعمدة. الضرر الذي يتعرض له الأطفال ليس مفاجئاً، بل هو متوقع ويمكن الوقاية منه. وهنا تحديداً تبرز أهمية التحول من نقاش "الوصول" إلى نقاش "التصميم". عالمياً، بدأ هذا التحول يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل على مستوى التشريع. من أبرز الأمثلة على ذلك التجربة البرازيلية، من خلال ما يُعرف بقانون (ECA Digital)، التي لم تتجه نحو الحظر الشامل، بل نحو تحميل الشركات مسؤوليات واضحة في بناء بيئة رقمية آمنة؛ فالسلامة والخصوصية يجب أن تكونا جزءاً من تصميم المنتج منذ البداية، لا إضافة لاحقة بعد وقوع الضرر أو بعد أن يضغط الرأي العام.
هذا التوجه يُترجم إلى التزامات عملية واضحة: إجراء تقييمات دورية لتأثير المنصات على حقوق الطفل، والاستثمار في الإشراف البشري والاستجابة السريعة، وليس الاكتفاء بالأنظمة الآلية. كما يشمل إنهاء التصاميم الاستغلالية التي تدفع الأطفال إلى الإدمان، وتقليص جمع البيانات إلى الحد الأدنى، ومنع بناء ملفات تعريفية عن الأطفال لأغراض تجارية. إضافة إلى ذلك، تُلزم هذه المقاربة الشركات بتوفير آليات إبلاغ واضحة وسهلة الوصول، وضمان سبل انتصاف فعالة عند حدوث الضرر، إلى جانب قدر عالٍ من الشفافية في التعامل مع المخاطر والإخفاقات.
ما تفعله هذه التجارب التشريعية هو نقل النقاش من "حسن النية" إلى "المسؤولية القانونية". لم يعد مقبولاً التعامل مع سلامة الأطفال كجزء من مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات، أو كميزة إضافية يمكن تحسينها لاحقاً. شركات التكنولوجيا تحقق أرباحاً بمليارات الدولارات من وقت المستخدمين وبياناتهم، بما في ذلك الأطفال، وفي ظل هذا الواقع لا تبدو حجة "عدم توفر الميزانية" أكثر من ذريعة واهية.
بالعودة إلى السياق المحلي، قد يكون من السهل اللجوء إلى حلول سريعة مثل الحظر أو التقييد العام، لكنها حلول تتعامل مع النتيجة لا مع السبب. الأطفال سيجدون دائماً طرقاً للوصول، لكن السؤال الأعمق هو: إلى أي إنترنت نسمح لهم بالوصول؟ هل نتركهم في بيئة رقمية مصممة لاستغلال انتباههم وبياناتهم وضعفهم، أم نعمل على إعادة تشكيل هذه البيئة لتكون آمنة بطبيعتها؟
فالمشكلة لم تعد في وجود الأطفال على الإنترنت، بل في شكل الإنترنت الذي نتركهم فيه.












































