1800 مريض على قوائم الانتظار… وتوجه لإدراج التبرع بالأعضاء عبر تطبيق "سند"

في قصة إنسانية تجسد أسمى معاني العطاء، قدمت سيدة أمريكية إلى الأردن قبل سنوات، لحضور ولادة ابنتها المتزوجة من أردني، وكانت السيدة قد أوصت مسبقا في الولايات المتحدة بالتبرع بأعضائها بعد الوفاة.

وعندما تعرضت لوفات دماغية، تواصلت عائلتها بالجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، تنفيذا لوصيتها، حيث تم التبرع بكامل أعضائها، ليستفيد منها 7 مرضى أردنيين، في مثال مؤثر على أن العطاء الإنساني لا تحدّه الجغرافيا ولا الحدود.

وفي موقف إنساني آخر يعكس الروح لإنسانية، اختار الوزير الأردني السابق مثنى الغرايبة وزوجته أناهيد فياض التبرع بقرنيتي نجلهما الراحل كرم، مانحين بذلك بصيص أمل لشخصين فقدا نعمة البصر، في خطوة جسدت قدرة الألم الإنساني على التحول إلى حياة جديدة للآخرين.

تبرز هذه الخطوات أهمية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، باعتباره عملا إنسانيا قادرا على إنقاذ حياة الآخرين أو تحسينها بشكل كبير، كما يعكس ثقافة التضامن والتكافل في المجتمع. ومع ذلك، ما تزال ثقافة التبرع بالأعضاء بحاجة إلى مزيد من التوعية والتشجيع لتعزيزها في المجتمعات المحلية.

تأسست الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء عام 1997 تحت رعاية الملكة رانيا العبد الله، وتعمل على نشر الوعي حول أهمية التبرع بالأعضاء، وتسهيل عمليات الزرع بما يساهم في إنقاذ حياة المرضى.

إلى جانب الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، توجد جمعية أخرى تعنى بهذا المجال وهي جمعية أصدقاء بنك العيون الأردني والوقاية من فقدان البصر برئاسة الأمير رعد، والتي تتولى حاليا مسؤولية الترويج للتبرع بالأعضاء، وخاصة قرنيات العين.

وبحسب بيانات الجمعية، فقد تبرع حوالي 6000 مواطن أردني بقرنياتهم منذ تأسيسها، وتم توزيعها مجانا على المستشفيات الحكومية، فيما بلغ عدد المسجلين للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة أكثر من 70,000 أردني.

 

 ثقافة التبرع بحاجة إلى الانتشار

يشير نائب رئيس الجمعية الأردنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، أحمد جميل شاكر، إلى أن ثقافة التبرع بالأعضاء في الأردن ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدعم والانتشار، ورغم ذلك، لوحظت زيادة كبيرة في أعداد المتبرعين، وخصوصا القرنيات، نظرا لسهولة التعامل معها، إذ يمكن استخدامها خلال 6 إلى 8 ساعات بعد الوفاة.

ويوضح شاكر أن التبرع بالقرنيات لا يواجه صعوبات كبيرة، لكن باقي أعضاء الجسم لا يمكن التبرع بها إلا في حالات الوفاة الدماغية، بينما في حالات الوفاة الطبيعية يمكن التبرع بالقرنيات فقط ، مشيرا إلى أن العديد من الأشخاص يتواصلون مع الجمعية للتبرع بأعضاء أحبائهم، رغم أنهم لم يكونوا قد سجلوا أو أوصوا مسبقا بالتبرع من قبل المتوفى نفسه، فقد حصلت عدة حالات، مثل ما حدث مع معالي مثنى الغرايبة، حيث اتصل أقارب المتوفى مباشرة للتبرع بقرنياته، ما ساهم في إنقاذ حياة أشخاص آخرين.

حول أهمية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في إنقاذ حياة المرضى، يوضح شاكر أن في حالة الوفاة الدماغية يمكن أخذ الكليتين والكبد والقلب والرئتين والقرنيتين، وهو ما قد ينقذ حياة سبعة أشخاص على الأقل.

ويشير إلى أن أكثر الأعضاء المطلوبة في الأردن هي القرنيات، حيث توجد قوائم انتظار طويلة، إذ ينتظر حوالي 1800 شخص زراعة القرنيات، وحتى القرنيات المستوردة من الخارج عن طريق بنك العيون الأردني، والتي تصل قيمتها إلى نحو 1200 دينار، أصبحت غير متوفرة في الوقت الحالي، حتى مقابل المال.

ويؤكد أن القرنيات المحلية توزع على المستشفيات الحكومية مجانا، مضيفا أن جمعية أصدقاء بنك العيون بدأت نشاطها منذ الثمانينات، وكانت صعوبة الحصول على القرنيات كبيرة نتيجة ضعف ثقافة التبرع، لكن خلال السنوات الماضية تم جمع حوالي 6000 قرنية من أحبائهم المتوفين، وإذا حسبت قيمتها المالية، فهي تعادل نحو 8 ملايين دولار، بالإضافة إلى قيمتها المعنوية الكبيرة التي لا تقدر بثمن.

 

 

 

خطوات التبرع بالأعضاء

ينظم القانون الأردني عملية التبرع بالأعضاء لضمان حقوق جميع الأطراف، ويحظر بشكل قاطع بيع وشراء الأعضاء البشرية ويعاقب عليها القانون بصرامة.

وتنص المادة (4)  من القانون على جواز التبرع بالأعضاء من الأحياء بعضو من جسده لأحد أقاربه وفق الشروط الطبية التي تضمن سلامة المتبرع والمتلقي.

أما المادة (5) فتجيز التبرع بعد الوفاة ويتم التبرع بعد الوفاة الموت الدماغي بناء على وصية الشخص أو موافقة الورثة الشرعيين.

ويتيح القانون التبرع بين الأقارب بالكلى أو جزء من الكبد بين الأقارب حتى الدرجة الخامسة، ويخضع الأمر لشروط السلامة الطبية لضمان عدم الإضرار بالمتبرع أو المتلقي.

أما التوصية بالتبرع بعد الوفاة يمكن لأي شخص كتابة وصية بالتبرع بأعضائه بعد الوفاة، هذه الوصية غير ملزمة إذا رفضت العائلة تنفيذها، لكنها تعتبر عملا إنسانيا خالصا يمكن للشخص التسجيل فيه عبر إرسال اسمه الرباعي ورقمه الوطني إلى الجمعية.

ويشير شاكر إلى أن التحديات الرئيسية تكمن في الحاجة لمزيد من التوعية والتثقيف، مقارنة ببعض الدول العربية التي ما تزال تواجه جدلا حول جواز التبرع بالأعضاء، مضيفا أن هناك جهودا لإنشاء مركز وطني لزراعة الأعضاء بالتعاون مع أطباء أردنيين مقيمين في الولايات المتحدة.

كما يوضح أن الجمعية تعمل على إدخال ثقافة التبرع بالأعضاء ضمن المناهج المدرسية، خاصة في الصف العاشر، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وتوظيف الباحثين الاجتماعيين في المستشفيات للتواصل مع عائلات المتوفين لحثهم على التبرع بالأعضاء، وبالأخص القرنيات.

ويضيف شاكر أن الجمعية تعمل على تعزيز ثقافة التبرع بالأعضاء من خلال التعاون مع تطبيق سند، الذي يقدم خدمات متنوعة للمواطنين، بما في ذلك تسهيل إجراءات التبرع بالأعضاء، معتبرا هذا التعاون إنجازا مهما وعملا إيجابيا يسهم في توسيع نطاق التبرع وجعل العملية أكثر سهولة وفاعلية للمواطنين.

 

الأبعاد الدينية للتبرع

على الصعيد الديني، أصدرت دائرة الإفتاء العام والمجامع الفقهية العربية والإسلامية جواز التبرع بالأعضاء، معتبرة هذا العمل عملا إنسانيا نبيلا وصدقة جارية، حيث ينقذ حياة الإنسان بدلا من أن تذهب الأعضاء هباء.

ومن أبرز هذه الفتاوى حكم التبرع بقرنية العين، قرار رقم (2) بتاريخ 11/4/1984، وحكم التبرع بجزء من الكبد، قرار رقم (166) بتاريخ 28/7/2011، وجواز التبرع بالأعضاء عامة، قرار رقم (865) بتاريخ 25/7/2010.

وتنص الشريعة الإسلامية على عدة شروط للتبرع، لنقل القرنيات من الأموات إلى الأحياء، منها التأكد من وفاة المتبرع، وعدم تشويه الجثة، وغلبة الظن بنجاح عملية الزرع، وموافقة الورثة أو وصية الميت.

أما في حالات التبرع من الأحياء، فيشترط أن يكون المتبرع كامل الأهلية، وألا يترتب على التبرع ضرر بحياته، وأن تكون عملية الزراعة الوسيلة الطبية الوحيدة لإنقاذ المريض، مع الالتزام بعدم وجود أي مقابل مادي.

وفي السياق ذاته، تؤكد المسيحية على قيمة العطاء ومساعدة الآخرين، وينظر إلى التبرع بالأعضاء كعمل إنساني نبيل يعكس الرحمة والمحبة تجاه الآخرين.

كما تدعم الكنائس المختلفة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، باعتباره وسيلة لإنقاذ حياة المرضى وتحقيق الخير، ولا يعد مخالفا للمبادئ المسيحية طالما يتم التبرع برضا المتبرع أو بموافقة عائلته، ودون أي استغلال مادي.