نظام الطيبات بين الوعي الصحي وتقديس الأفكار!

خلال الفترة الأخيرة تصاعد الجدل على منصات التواصل حول ما يُعرف بنظام الطيبات، وهو نمط غذائي يقدمه بعض المؤثرين باعتباره أسلوب حياة متكامل يعد بتحسين الصحة والوزن والطاقة العامة للجسم. 

ومع الوقت لم يعد النقاش يدور في إطار صحي أو علمي، اذ تحول تدريجياً إلى مساحة من اليقين المطلق، حيث يُعامل هذا النظام لدى بعض المتابعين وكأنه الحقيقة النهائية التي لا تحتمل النقاش أو المراجعة وصلت أحيانا إلى تقديس النظام الغذائي.

هذا التحول لا يمكن فصله عن آليات التفكير الجمعي في البيئة الرقمية، يبحث الأفراد عن إجابات جاهزة في عالم مليء بالتضارب. الحاجة إلى اليقين والرغبة في تبسيط القضايا المعقدة تدفع كثيرين إلى تبني نموذج واحد يفسر كل شيء، حتى لو كان الواقع الصحي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

فقد أجريت حديثا مع عدد من الأشخاص حول النظام وتحول النقاش إلى مساحة جدل واضحة بين التجربة الفردية والانطباع العام. بعض غير المصابين بمرض السكري تحدثوا عن نتائج إيجابية من حيث فقدان الوزن، وربطوا ذلك بشكل أساسي بتقليل تناول الخبز والحد من الكربوهيدرات اليومية، وهو ما انعكس على انخفاض استهلاكهم للسعرات الحرارية. 

في المقابل، ظهرت روايات أخرى أكثر تحذيراً، إذ أشار بعض المرضى الذين أوقفوا أو قللوا استخدام علاجاتهم الدوائية مثل الإنسولين دون متابعة طبية إلى تدهور في حالتهم الصحية، ما أعاد طرح أسئلة حساسة حول حدود الاعتماد على الأنظمة الغذائية خارج الإشراف الطبي ومدى خطورة تعميم التجارب الفردية. 

في خضم هذا الجدل، ساهمت وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي -مطلق نظام الطيبات- في فتح الباب أمام موجة واسعة من التأويلات وانطلقت تفسيرات تربط الوفاة مباشرة بالنظام الغذائي نفسه، وأخرى ذهبت أبعد من ذلك نحو فرضيات تتحدث عن ضلوع شركات غذائية أو أطراف خفية.

 هذه السرديات، رغم غياب أي دليل طبي أو تحقيق رسمي يدعمها، انتشرت بسرعة كبيرة، وأصبحت جزءاً من النقاش العام، ما عزز حضور نظرية المؤامرة حول النظام وساهمت في انتشاره.

طبيا يؤكد أطباء التغذية أن التعامل مع أي نظام غذائي باعتباره مناسباً للجميع هو تبسيط مخل للواقع. الجسم البشري ليس نموذجاً واحداً، بل منظومة تختلف من شخص لآخر بحسب العمر، النشاط البدني، الحالة الهرمونية، الأمراض المزمنة، وحتى الخلفية الوراثية.

 لذلك لا يوجد نظام غذائي واحد يمكن اعتباره مثالياً بشكل شامل، بل هناك مبادئ عامة تقوم على التوازن، تنويع مصادر الغذاء، تقليل السكريات المصنعة، واعتماد نمط حياة صحي مستدام.

ويحذر مختصون في التغذية والصحة العامة من تحويل الأنظمة الغذائية إلى قوالب مغلقة، لأن هذا النوع من التفكير قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي. فالتشدد الغذائي قد يخلق علاقة مضطربة مع الطعام، تقوم على الخوف والالتزام الصارم بدل الفهم والمرونة، وقد يدفع البعض إلى إهمال إشارات جسدية مهمة أو اتخاذ قرارات غير صحية بناء على قناعات غير علمية.

في الجانب الاجتماعي، تلعب منصات التواصل دوراً محورياً في تضخيم الظواهر الغذائية وتحويلها إلى قناعات شبه مقدسة. فالتجارب الفردية الناجحة تُعرض بأسلوب بصري مؤثر وسريع الانتشار، ما يخلق انطباعاً زائفاً بأن النتائج عامة ومضمونة. ومع التكرار، يتحول النظام الغذائي إلى فكرة يصعب نقدها داخل الفضاء الرقمي، حيث تضعف المسافة بين التجربة الشخصية والحقيقة العلمية.

أما على مستوى التفكير الجمعي، فإن بعض النقاشات تأخذ منحى تفسيرياً مفرطاً، حيث يتم ربط أحداث صحية أو وفيات بسرديات غذائية أو تفسيرات غير مثبتة علمياً. وفي حالة نظام الطيبات، جرى تداول مزاعم تربط بينه وبين حالات صحية معقدة أو وفيات لأشخاص يُقال إنهم توقفوا عن تناول أدويتهم وخصوصا مرضى السكري.

هذا النمط من الربط يعكس بيئة خصبة لنظرية المؤامرة، حيث يُستبدل التحليل العلمي بسرديات جاهزة تبحث عن سبب واحد شامل لكل شيء.

المختصون في الصحة العامة يشددون على ضرورة الفصل بين التفسير العلمي والتأويلات الاجتماعية. فالقضايا الطبية لا يمكن بناؤها على الانطباعات أو الروايات المتداولة، وإنما على دراسات سريرية موثقة ومتابعة طبية دقيقة. 

وأي ربط مباشر بين نظام غذائي محدد ونتائج صحية يحتاج إلى أدلة واضحة منشورة من جهات طبية مختصة،  لا أن عشرات من الأطباء وخبراء التغذية يحذرون من التوقف عن تناول أصناف غذائية غنية بالبروتين مثل الدجاج أو التوقف عن تناول الأدوية خصوصا للأمراض المزمنة.

 الإشكالية  لا تكمن في البحث عن نمط غذائي أفضل، انما في تحويل هذا البحث إلى يقين مغلق لا يقبل المراجعة. فالعلم بطبيعته يقوم على التجربة وإعادة التقييم المستمر، بينما تتحول الأفكار حين تُمنح صفة القداسة إلى معتقدات ثابتة يصعب اختبارها أو تعديلها.

 وبين هذين المسارين، يبقى الخيار الأكثر أماناً هو تبني وعي غذائي مرن يستند إلى المعرفة الطبية، لا إلى الإطلاقات أو الانطباعات أو السرديات المنتشرة.